قراءة في شهادات المنشقين: التنظيم أعلى من الدولة.. والانهيار مصير محتوم
السبت، 20 يونيو 2026 07:00 م
بعد ثلاثة عشر عامًا من سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية، لم تعد أخطر الأسئلة التي تواجهها تأتي من خصومها التقليديين، بل من داخل صفوفها السابقة، فخلال السنوات الأخيرة، خرجت أصوات عاشت التجربة من الداخل لتقدم رواية مختلفة؛ رواية لا تتحدث عن معركة السلطة بقدر ما تتحدث عن الأخطاء التي قادت إليها، والأزمات التي انفجرت بعدها، والتحولات التي أصابت تنظيمًا قدم نفسه لعقود باعتباره الأكثر تماسكًا وقدرة على البقاء.
وفي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بتتبع مصير القيادات والصراعات بين الجبهات المتنافسة، برز مسار آخر لا يقل أهمية؛ مسار المراجعات والشهادات التي قدمها أفراد كانوا جزءًا من البنية التنظيمية نفسها، قبل أن يعيدوا النظر في تجربتهم ويطرحوا أسئلة قاسية حول طبيعة التنظيم وآليات عمله وأسباب تعثر مشروعه السياسي.
وفي هذا السياق، قدمت شهادات عبد الجليل الشرنوبي نموذجًا لجيل القيادات الوسطى والشباب الذين عاشوا التجربة التنظيمية من الداخل، قبل أن يطرحوا لاحقًا مراجعات حادة لطبيعة إدارة الجماعة وعلاقتها بأعضائها وآليات اتخاذ القرار داخلها.
أما حسام الغمري، الذي اقترب من الدوائر الإعلامية المحسوبة على الإخوان لسنوات، فقد قدم صورة أخرى لأزمة الخطاب والإدارة الإعلامية، وكيف تحولت المنصات الإعلامية لدى الجماعة من أدوات للتواصل إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات بين التيارات المختلفة.
ومن خلال هذه الشهادات، برزت أربع أزمات رئيسية تكشف جانبًا مهمًا من التحولات التي أصابت الجماعة خلال السنوات الأخيرة.
أزمة "المراجعة الغائبة"
في مراجعاته التي عاد لطرحها خلال السنوات الأخيرة، تحدث عبد الجليل الشرنوبي عن واحدة من أخطر أزمات الجماعة بعد 2013؛ وهي غياب المراجعة الحقيقية.
بحسب ما طرحه، لم تتعامل الجماعة مع الخروج من الحكم باعتباره فرصة لإعادة تقييم التجربة، بل باعتباره أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها بالخطاب التعبوي نفسه الذي سبق السقوط.
وبحسب الشهادات التي ظهرت خلال السنوات الماضية، لم تنجح الجماعة في إجراء تقييم جاد لتجربتها السياسية والتنظيمية، ولم تفتح نقاشًا واسعًا حول الأخطاء التي ساهمت في وصولها إلى هذا الوضع.
وبدلًا من إعادة النظر في السياسات والقرارات التي أثارت جدلًا واسعًا خلال فترة وجودها في السلطة وما بعدها، استمرت حالة التمسك بالروايات القديمة، وكأن المشكلة كانت دائمًا خارج التنظيم لا داخله.
هذا الرفض للنقد الذاتي لم يؤدِ إلى تجاوز الأزمة، بل ساهم في تعميقها، فكل خلاف جديد كان يُضاف إلى ما سبقه من دون معالجة حقيقية، وكل أزمة كانت تُفسر باعتبارها نتيجة عوامل خارجية فقط، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بطريقة الإدارة وصناعة القرار معلقة بلا إجابات واضحة.
ولهذا يرى عدد من أصحاب المراجعات أن الجماعة لم تتعلم من السقوط بقدر ما حاولت تفسيره والالتفاف حول أسبابه، وهو ما ساهم في إطالة أمد أزمتها الداخلية.
التنظيم فوق الدولة
أما الأزمة الثانية فكانت أكثر عمقًا وتأثيرًا، لأنها تتعلق بطبيعة العلاقة بين التنظيم والدولة، في عدد من المراجعات والشهادات، برزت فكرة أساسية مفادها أن الجماعة ظلت تنظر إلى كثير من الملفات من زاوية الحفاظ على التنظيم ونفوذه قبل أي اعتبارات أخرى، وهو ما انعكس على طريقة إدارتها للسياسة وتعاملها مع القوى المختلفة داخل المجتمع.
ويرى أصحاب هذه الشهادات أن الإشكالية لم تكن مرتبطة بأسماء بعينها أو بقيادات محددة، بقدر ما كانت مرتبطة بعقلية تنظيمية رسخت لسنوات فكرة أن الجماعة هي مركز المشروع وهدفه الأساسي.
وهنا تكمن المفارقة التي يشير إليها كثير من المراجعين؛ فحين تتحول الجماعة إلى غاية في حد ذاتها، لا مجرد أداة للعمل العام، يبدأ الانفصال بينها وبين المجتمع، ثم بينها وبين مؤسسات الدولة، ثم بينها وبين قطاعات من أعضائها أنفسهم.
وربما لهذا السبب بدا مشروع الجماعة، في نظر كثير من أصحاب المراجعات، أقرب إلى مشروع لحماية التنظيم والمحافظة على نفوذه منه إلى مشروع سياسي قادر على بناء توافق وطني واسع ومستدام.
كما أشار الشرنوبي في أكثر من حديث إلى أن الإشكالية لم تكن مرتبطة بأشخاص بقدر ما كانت مرتبطة بعقلية تنظيمية جعلت مصلحة الجماعة تتقدم على ما عداها، وهي الفكرة التي تكررت أيضًا في شهادات عدد من المفارقين للتنظيم خلال السنوات الأخيرة.
تفكك البنية الداخلية
أما الأزمة الثالثة، فتتعلق بالبنية التنظيمية نفسها. فالجماعة التي بنت جزءًا كبيرًا من صورتها على الانضباط ووحدة الصف، وجدت نفسها بعد سنوات قليلة أمام انقسامات حادة وصراعات مفتوحة على القيادة والشرعية والقرار.
وإذا كان عبد الجليل الشرنوبي قد أشار في مراجعاته إلى أزمة العقل التنظيمي المغلق، فإن ما جرى لاحقًا بين جبهتي لندن وإسطنبول قدم نموذجًا عمليًا على حجم التصدعات التي أصابت الجماعة من الداخل. فخلال السنوات الأخيرة، خرج عدد من شباب الإخوان وكوادرها السابقة بانتقادات علنية غير مسبوقة، كشفت حجم الصراع على النفوذ والتمثيل والموارد داخل التنظيم.
وللمرة الأولى، لم تعد الخلافات حبيسة الاجتماعات الداخلية أو الأطر التنظيمية المغلقة، بل انتقلت إلى المجال العام عبر بيانات متبادلة وقرارات متعارضة واتهامات متكررة بين الجبهات المتنافسة، في مشهد هز الصورة التي حرصت الجماعة طويلًا على ترسيخها باعتبارها التنظيم الأكثر تماسكًا وانضباطًا.
وهكذا تحولت أزمة القيادة من خلاف تنظيمي عابر إلى واحدة من أبرز علامات التراجع داخل الجماعة، بعدما وجدت نفسها عاجزة عن حسم سؤال أساسي: من يملك حق التحدث باسمها وتمثيلها؟ وهي مفارقة لافتة لتنظيم سعى يومًا إلى إدارة دولة كاملة، قبل أن يصبح منشغلًا بصراعاته الداخلية ومعارك الشرعية بين أجنحته المختلفة.
الجيل الجديد وانهيار سردية التمكين
لكن ربما كانت الأزمة الأهم هي تلك المتعلقة بالأجيال الجديدة، وهي الأزمة التي ظهرت بوضوح في عدد من الشهادات والمراجعات التي خرجت من داخل البيئة الإخوانية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، قدم حسام الغمري نموذجًا لجيل اقترب من الدوائر الإعلامية والسياسية المرتبطة بالجماعة، قبل أن ينتهي إلى مراجعة علاقته بها وانتقاد كثير من الممارسات التي حكمت أداءها خلال السنوات الماضية، فشهادته لم تقتصر على الخلافات السياسية أو التنظيمية، بل عكست أيضًا حجم الفجوة التي نشأت بين الخطاب الذي روجت له الجماعة لسنوات والواقع الذي واجهه كثير من الشباب بعد 2013.
فالجيل الذي نشأ على وعود التمكين واستعادة الحكم وجد نفسه أمام مشهد مختلف تمامًا؛ تنظيم منقسم على نفسه، وقيادات متنازعة، وصراعات مفتوحة على الشرعية والتمثيل، وأزمة ممتدة بلا أفق واضح للحل أو رؤية متماسكة للمستقبل.
ومع اتساع الفجوة بين الخطاب التقليدي للجماعة والواقع الذي فرضته التطورات اللاحقة، بدأت قطاعات من الشباب في إعادة طرح أسئلة لم تكن مطروحة من قبل حول طبيعة المشروع نفسه، وجدوى المسار الذي سلكته الجماعة، وقدرتها على إنتاج رؤية تتجاوز أزماتها المتلاحقة.
ولم يعد الجيل الجديد يتبنى السردية التقليدية التي بنت عليها الجماعة مشروعها لعقود بالقدر نفسه الذي كان قائمًا في السابق، خصوصًا في ظل استمرار الانقسامات الداخلية وتراجع التأثير السياسي والتنظيمي.
وهنا لا تتعلق الأزمة فقط بخسارة عناصر أو تراجع أعداد المنتمين، بل بتآكل القدرة على إقناع الأجيال الجديدة بجدوى المشروع نفسه، وهو ما يمثل تحديًا وجوديًا يتجاوز في خطورته كثيرًا من الأزمات التنظيمية والسياسية الأخرى.
ما الذي تكشفه هذه الشهادات؟
اللافت أن هذه المراجعات لم تصدر في ذروة الصراع السياسي، بل بعد سنوات من خروج الجماعة من الحكم، وهو ما منحها أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة قراءة التجربة بعيدًا عن أجواء الاستقطاب الحاد التي سيطرت على السنوات الأولى بعد 2013.
كما أن أهمية هذه الشهادات لا تكمن فقط في المعلومات التي تطرحها، بل في أنها تكشف جانبًا من التحولات التي أصابت الجماعة من الداخل، فالشرنوبي تحدث عن غياب المراجعة وهيمنة العقل التنظيمي المغلق، فيما عكست تجربة الغمري جانبًا من أزمة الخطاب والإدارة الإعلامية، بينما كشفت الانقسامات بين جبهات الجماعة المختلفة حجم التآكل الذي أصاب بنيتها الداخلية خلال السنوات الأخيرة.
وعلى الرغم من أن مراجعات شخصيات أقدم مثل ثروت الخرباوي ومختار نوح ظلت حاضرة في النقاش العام، فإن السنوات الأخيرة شهدت بروز شهادات تنتمي إلى أجيال أقرب إلى تجربة ما بعد 2013، وهو ما أضفى بعدًا جديدًا على قراءة أزمة الجماعة من الداخل.
وبعد ثلاثة عشر عامًا من سقوط حكم الإخوان، تبدو هذه الشهادات أكثر من مجرد روايات شخصية أو مراجعات فكرية متأخرة، بل أقرب إلى تشريح داخلي لتجربة سياسية وتنظيمية واجهت واحدة من أعنف هزاتها في تاريخها.
ومن خلالها تتشكل صورة جماعة لم تعد أزمتها مقتصرة على خسارة السلطة، بل امتدت إلى أسئلة أعمق تتعلق بالهوية والقيادة والمستقبل وقدرتها على استعادة التماسك الذي طالما قدمته باعتباره أحد أبرز مصادر قوتها.