ثروت الخرباوي يكتب لـ«صوت الأمة»: شهادتي عن عام أُختطف فيه الوطن

السبت، 20 يونيو 2026 10:00 م
ثروت الخرباوي يكتب لـ«صوت الأمة»: شهادتي عن عام أُختطف فيه الوطن

بصفتي شاهدا على هذا العصر، ومشاركا في ثورة 30 يونيو العظيمة، أكتب هذه الشهادة لا باعتبارها رواية لأحداث مضت، وإنما توثيقا لسنوات من القلق والاضطراب عاشها المصريون بكل فئاتهم، ولعام كان من أثقل الأعوام وطأة على الوجدان الوطني في تاريخ مصر الحديث.

أتذكر جيدا السنوات التي سبقت سقوط نظام مبارك، حين كانت جماعة الإخوان تتصدر المشهد بخطاب عاطفي يختلط فيه الدين بالسياسة، والشعارات بالوعود، والحماسة بالوهم. كانوا يرفعون رايات "الإسلام هو الحل"، ويملأون الشوارع بخطب الحماسة والهتافات عن تحرير القدس ومواجهة إسرائيل وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم البديل النقي الذي سيعيد للأمة عزتها وللدولة نزاهتها وللمواطن كرامته.

كنت أتابع هذا المشهد بقلق شديد. لم يكن يطمئنني ذلك الاستخدام المكثف للدين في الصراع السياسي، ولم أكن أرى في تلك الشعارات مشروع دولة بقدر ما كنت أرى مشروع استحواذ على عقول البسطاء عبر استثارة عواطفهم الدينية. وكان السؤال الذي يلح عليّ دائماً: ماذا سيحدث إذا وصل هؤلاء إلى السلطة؟

وجاءت الإجابة أسرع مما توقع كثيرون.

فبمجرد أن وصلوا إلى السلطة، بدأت الأقنعة تتساقط تباعا. اختفت الشعارات الثورية، وتبخرت الوعود الكبرى، وتحول الخطاب الذي كان يملأ الشوارع صخبا إلى لغة مختلفة تماما، ولم يكن الأمر مجرد تغير في المواقف السياسية، فالمواقف قد تتغير بحكم المسؤولية ومتطلبات الدولة، وإنما كانت الصدمة في حجم التناقض بين ما قيل قبل السلطة وما جرى بعدها.

شعر المصريون أن ما سمعوه لسنوات طويلة لم يكن إلا وسيلة للتعبئة والحشد، وأن الشعارات التي رفعت باسم الدين لم تكن سوى أدوات للوصول إلى الحكم. ولم تكن مرارة الناس نابعة من اختلاف سياسي فحسب، بل من إحساس عميق بأنهم تعرضوا للخداع، وأن ثقتهم قد استُغلت لتحقيق أهداف تنظيمية لا وطنية.

لكن الأزمة الحقيقية لم تكن في الشعارات التي سقطت، وإنما في الطريقة التي أُديرت بها الدولة خلال ذلك العام.

فقد بدأ المواطن العادي يشعر بأن همومه اليومية تتضاعف بدلا من أن تنحسر. كانت البلاد تعيش حالة من الارتباك غير المسبوق. أزمات الوقود تتكرر، وانقطاعات الكهرباء أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، وحالة القلق الاقتصادي كانت تتزايد بصورة مستمرة. أصبح الناس يستيقظون كل يوم على أزمة جديدة، أو تصريح جديد، أو صراع جديد، بينما كانت مشكلاتهم الحقيقية تتراكم بلا حلول.

وفي الوقت نفسه، بدأ المصريون يرون بأعينهم محاولات واضحة للسيطرة على مؤسسات الدولة. لم يعد الحديث عن الكفاءة والخبرة هو المعيار، بل أصبح الولاء التنظيمي هو الطريق الأقصر إلى المواقع والمناصب. وبدأت كلمة "الأخونة" تنتقل من صفحات الصحف إلى أحاديث الناس اليومية، تعبيرا عن شعور متزايد بأن الدولة يجري تحويلها تدريجيا إلى امتداد لجماعة، لا إلى مؤسسة وطنية جامعة لكل المصريين.

ورأينا جميعاً كيف تعرض القضاء لحملات متتالية من التشكيك والضغط، وكيف جرى استهداف الإعلام ومحاصرة الأصوات المخالفة، وكيف أصبح الاختلاف في الرأي يُقدَّم باعتباره عداء للدين. وكانت تلك لحظات شديدة القسوة على وجدان المصريين، لأنهم شعروا أن التنوع الذي عاشت به مصر لعقود طويلة يتعرض لمحاولة احتكار وإقصاء غير مسبوقة.

ومع مرور الشهور، أخذ الاحتقان يتراكم في كل مكان. رأيته في وجوه المواطنين البسطاء، وفي أحاديث المثقفين، وفي نقاشات رجال القانون، وفي قلق الأسر على مستقبل أبنائها. كان هناك شعور متزايد بأن الوطن يسير في اتجاه خطر، وأن الدولة المصرية بكل مؤسساتها وتوازناتها التاريخية تتعرض لاختبار وجودي غير مسبوق.

وعندما خرج الملايين في الثلاثين من يونيو، لم يخرجوا لأنهم يعادون فصيلا سياسيا بعينه، ولم يخرجوا طلبا للانتقام من أحد، بل خرجوا لأنهم شعروا أن وطنهم يُنتزع منهم تدريجيا، وأن هوية الدولة المصرية تتعرض لمحاولة إعادة تشكيل قسرية لا تعبر عن روح هذا الشعب ولا عن تاريخه.

كانت الثلاثون من يونيو، في تقديري وشهادتي، لحظة استعادة وطن قبل أن يفقد توازنه. كانت صرخة أطلقها شعب شعر بأن عليه أن يتدخل بنفسه لحماية دولته ووحدته الوطنية ومستقبل أبنائه.

لقد كان ذلك العام عاما ثقيلا من القلق والانقسام والاضطراب، لكنه كشف في الوقت نفسه عن حقيقة راسخة في التاريخ المصري: أن هذا الشعب قد يطول صبره، لكنه لا يتخلى عن دولته، ولا يسمح لأحد ـ مهما كانت شعاراته ـ أن يحتكر الوطن أو يتحدث باسمه وحده.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق