تبدد أحلام الإخوان الإرهابية.. "التنظيم العابر للحدود" يتحول إلى جزر معزولة.. واتهامات الفساد والسرقة تلاحق القيادات
السبت، 20 يونيو 2026 11:50 م
لسنوات طويلة ظل "التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين" الإرهابية يُقدّم نفسه في الأدبيات السياسية كأقوى شبكة أو حركة سياسية إسلامية عابرة للقارات، قادرة على تحريك مسارات سياسية وضخ أموال وإدارة واجهات إعلامية وحقوقية فى عدة عواصم، ولكن، بعد مرور أكثر من عقد على سقوط التجرية الأم في القاهرة عام 2013 على يد الشعب المصرى الذى ادرك مخططاتهم وخبث نواياهم، بعد ان وصلو إلى سدة الحكم وخلع عنهم رداء المظلومية التي لطالما اقتاتو وتغذوا وتمددو باسمها، ومع بلوغهم عام 2026 بدا المشهد أشبه بـالخريف الهيكلي ليس للجماعة في مصر بحسب بل للتنظيم الدولى برمته.
ولم يعد التنظيم الدولي يواجه مجرد أزمة أمنية أو ملاحقة سياسية، بل بات يعيش حالة من الأفول الاستراتيجي والتفكك العضوي، ناتجة عن صدمات بنيوية متتالية وقراءات خاطئة لتحولات الجغرافيا السياسية العالمية، ولم يسقط التنظيم بالملاحقة الأمنية بقدر ما أسقطته أفكاره المسمومة فحمل في طياته عناصر انهياره بعد أن وصل لموضع السطة رسميا في عدة بلدان، ففشل فيها فشلا ذريع بالاستعلاء على الشعوب وتقديم مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار وعدم احترام الهيكل الرسمي للدول، ورفع شعارات "الحدود تراب" وارتكاب جرائم بحق شعوب البلدان التي سيطرت على مقدرات الحكم بها.
صراع الأجنحة
وتمثلت أولى خطايا التنظيم الدولي التاريخية في الاعتقاد بأن "المركزية التنظيمية" قادرة على الصمود أمام الهزات السياسية. ومع غياب القيادة الموحدة، انشطرت الجماعة بنيوياً بشكل غير مسبوق، وتحول تنظيم الجماعة الإرهابية إلى أجنحة متصارعة تتبادل الاتهامات بالتخوين والاستيلاء على المقدرات المالية. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف على القيادة، بل عكس أزمة شرعية عميقة أسقطت مبدأ "السمع والطاعة" الذي قامت عليه الجماعة لأكثر من 90 عاماً.
هذا، علاوة على وجود فجوة حادة بين قيادات هرمة تعيش في العواصم الأوروبية وتدير استثمارات ضخمة، وبين قواعد شبابية في الملاجئ والشتات تعاني من التيه الفكري والإحباط، مما أدى إلى موجات انشقاق صامتة وإلحاد سياسي بين شريحة الشباب.
المصالح تعلو على الأيديولوجيا
وتلقى التنظيم الدولي ضربة قاصمة من حلفائه الإقليميين التقليديين. فالتحولات الجيوسياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة وضعت "الإخوان الإرهابية" في قفص الاتهام كعبء استراتيجي، وفي إطار إعادة تدوير الزوايا وتصفير المشاكل مع القوى الإقليمية (مصر، السعودية، والإمارات)، قامت أنقرة بتقييد المنصات الإعلامية للإخوان وطرد وتجميد جنسيات عدد من قياداتهم، مما أجبر التنظيم على محاولة نقل مؤسساته إلى واجهات جديدة وبديلة.
وتراجعت المساحات الرمادية التي كان يتحرك فيها التنظيم مالياً وإعلامياً؛ حيث فرضت العواصم الخليجية والأردن شروطاً صارمة جففت منابع التمويل اللوجستي، محيدةً قدرة التنظيم على استخدام هذه الأراضي كمنصات انطلاق سياسي.
وعاش التنظيم الدولي لفترة طويلة على فكرة اختراق المجتمعات الغربية عبر ما يسمى المؤسسات الخيرية والمراكز الإسلامية والمنظمات الحقوقية، وبحلول عام 2026، انتبهت العواصم الأوروبية لهذه الاستراتيجية المعروفة بالتمكين الثابت والتغلل في مفاصل هذه الدول والتسلل من خلال الجانب الدينى والدعوى، وقادت دول مثل فرنسا والنمسا وألمانيا حملات قانونية وأمنية مكثفة لتفكيك "الإسلام السياسي ككل"، وحظر تمويل الروابط التابعة للإخوان، وإغلاق مراكز بحوث كانت تصدر كواجهة تعمل الجماعة من خلف ستارها، بعد تيقن هذه الدول أن خطاب التنظيم يغذي الانعزالية المجتمعية.
واستمرت لجان الكونجرس الأمريكى والمؤسسات البحثية في واشنطن في الدفع نحو محاصرة فروع التنظيم، خاصة مع تنامي الوعي الدولي بالروابط اللوجستية والمالية التي تربط التنظيم الأم ببعض الفروع الحركية العنيفة في الشرق الأوسط، حيث كانت الجماعة المحظورة هو التنظيم الأم الذى خرجت من رحمه كل حركات العنف والتشدد الدينى بداية من التنظيمات الكبرى كتنظيم القاعدة وتنظيم داعش وحركة الشباب الصومالية والجماعات الصغير التي اندثرت في القرن الماضى، ونفذت أعمال عنف كجماعات التكفير والهجرة و"الناجون من النار" والشوقييون والقطبيون وغيرها من قوائم إرهابية لانهاية لها، ثم انقسمت كل هذه الجماعات لتكفر بعضها البعض وليس مجرد تكفير الحكام والمجتمعات.
تفكيك الخطاب المعرفي للإخوان
ومن الناحية السياسية الفلسفية، يعزو باحثو حركات الإسلام السياسي سقوط التنظيم الدولي إلى عيوب بنيوية في العقل الحركي للجماعة، وعند تفكيك خطاب "الإرهابية" يخلص الباحثون إلى مجموعة من العيوب البنيوية والمعرفية الحتمية التي جعلت السقوط مسألة وقت، ويمكن اختزال أبرز هذه العيوب البنيوية في النقاط التالية:
1. مأزق "الأدلجة" وعجز "التعريف الفلسفي للدولة"
عاش العقل الحركي للجماعة أزمة معرفية حادة في فهم ماهية "الدولة الحديثة". فبينما تأسست الدولة المعاصرة على مفاهيم العقد الاجتماعي، السيادة الشعبية، والمؤسساتية التكنوقراطية، ظل الخطاب المعرفي للتنظيم ينظر إلى الدولة كـ "أداة تمكين" أو "غنيمة دعوية" لتطبيق تصورات شمولية فوقية. هذا الاختزال الفلسفي جعل الجماعة تعجز عن التمييز بين مفهوم "السلطة السياسية" ومفهوم "الدولة البيروقراطية العميقة"، مما أدى إلى تصادم حتمي مع مؤسسات الدولة وبنيتها الهيكلية بمجرد الوصول إلى سدة الحكم.
2. ثنائية "الخاص والعام" وتآكل كفاءة الحكم
بنيوياً، يقوم التنظيم على فلسفة "الجماعة المغلقة" أو "المجتمع الموازي" الذي يحكمه الولاء المطلق، التنظيم الحديدي، والطاعة العمياء (الخاص). وعندما انتقل التنظيم إلى إدارة الفضاء العام (الدولة)، حاول إسقاط آليات الإدارة الداخلية للجماعة على إدارة المجتمع ككل. هذا "الخلط المعرفي" أنتج ما يُعرف بـ أزمة الكفاءة مقابل الولاء؛ حيث تم استبدال معايير المواطنة والكفاءة التكنوقراطية بمعايير الثقة الحركية، وهو ما أفقد الخطاب شرعيته السياسية والعملية أمام الجماهير.
3. جمود "البرادايـم" السلفي في مواجهة سيولة الواقع السياسي
تحرك العقل الإخواني ضمن "برادايـم" (نموذج معرفي) يدّعي امتلاك إجابات جاهزة ومطلقة لكل الأزمات ("الإسلام هو الحل")، وهو تصور غائي (Teleological) ينظر إلى التاريخ باعتباره مساراً خطياً ينتهي حتماً بالتمكين. هذا الجمود المعرفي عجز عن التكيف مع "السيولة السياسية" وتعقيدات الاقتصاد العالمي، وإكراهات الجيوبوليتيك. عندما وُضع هذا الخطاب الشعارِي أمام اختبار الأرقام والسياسات العامة، انكشف الفراغ البرامجي، وتحول الشعار المعرفي من مصدر قوة حشدية إلى عبء تفسيري
4. بنية التفكير الاحتكاري والاقصاء الذاتي
وتأسس الخطاب المعرفي للتنظيم على ثنائية حدية تقوم على قاعدة : (نحن في مواجهة الآخر، الحق في مواجهة الباطل، الجماعة في مواجهة المجتمع الجاهلي أو العشائري). هذه الحدية السياسية المتشددة و تفكير إما أبيض أوأسود منعت العقل الحركي من استيعاب مفهوم التعددية السياسية الديمقراطية كقيمة فلسفية، بل تعامل معها كآلية إجرائية للوصول إلى السلطة فقط. نتيجة لذلك، افتقرت الجماعة إلى "المرونة التحالفية" الحقيقية، ودخلت في حالة من الإقصاء الذاتي جعلتها وحيدة ومعزولة فلسفياً وسياسياً عند أول أزمة حقيقية
وتظل عقدة العقد في العقل الحركي هي الجمع بين النقاء الأخلاقي المدعى في الفضاء الدعوي، والبراجماتية الميكافيلية الحادة في الواقع السياسي. هذا الانفصام المعرفي خلق حالة من الارتباك لدى القواعد والنخب على حد سواء ، فتقديم التنازلات السياسية كان يُفسر داخلياً وخارجياً على أنه انتهازية، والتمسك بالشعارات الأيديولوجية كان يُقرأ على أنه راديكالية وعجز عن القيام بمهام رجل الدولة. هذا الارتباك قضى على المرجعية الأخلاقية التي كانت تمثل رأس المال الرمزي للتنظيم .
ولم يكن سقوط التنظيم الدولي بفعل عوامل ومؤامرات خارجية كما تروج الجماعة وتصور مظلوميتها الكاذبة طوال عقود مضت، بل كان نتيجة لأزمة انسداد معرفي، وانغلاق في الأفق وعدم تقبل الفكر الآخر وانتهاز الفرص وتقديم نفسها كممثل لله على أرضه تحاسب الجميع وتكفرهم وتقر بإيمانهم او تخرجهم من الملة، وهو ماجعل منها حركة منفرة مستعلية، جعلت حتى شبابها الذين اختلطوا بشباب التيارات السياسية الأخرى يوجهون انتقادات لهذا الفكر ويتمردون على فكرة السمع والطاعة، ويعلنون انشقاقات متتالية منذ يناير 2011 وحتى اليوم، لتجد الجماعة ان أبنائها نفضوا من حولها، وجاءت لحظات هروب قادة الجماعة خارج مصر وخارج البلدان التي تطاردهم جراء تهم تتعلق بالفساد والعنف، والفرار بأنفسهم وتركهم شباب الحركة يواجهون التهم ويحبسون بجرائم العنف التي اقترفوها بتحريض من قادتهم، لتكون القشة التي قسمت ظهر البعير لتجد اعداد هائلة من شباب الجماعة يكفرون بها وبأفكارها بعد ان وجدوا أنفسهم ضحية لتلاعب القادة بأدمغتهم.
وظل العقل الجمعى لدى التشكيل الحركى للجماعة للإخوان أسيراً لأدبيات التأسيس في النصف الأول من القرن العشرين، وعجز بنيوياً عن إنتاج فلسفة سياسية حديثة تفكك شفرة الدولة المعاصرة، فكان الانهيار نتاجاً طبيعياً لعدم صلاحية الأدوات المعرفية لإدارة الواقع المعقد، علاوة على اصطدام فكر تلك الجماعات بمبدأ "الدولة "- اى دولة ومؤسساتها، فكان هدفها في هدم مؤسسات الدول التي ظهروا بها وبالا عليهم، وانقلب السحر على الساحر، فمن غير المعقول أن يغير تنظيم حركى مجتمع كامل بمواطنيها وأنظمته السياسية ليطوعها لمصلحة الجماعة وخدمة أهدافها، فكان من الطبيعى ان تكون النهاية سقوطا مدويا وتشظيا في شتى دول العالم قد يأخذ عقود طويلة لإعادة هيكلة نفسه ولانقول نهايته الحتمية، فالتاريخ يقول ان هذه الجماعات ما إن تنتهى حتى تعاود مجددا التسلل داخل المجتمعات والتخفى كالحرباء في الظلام واستغلال كافة الظروف من اجل إشاعة الفوضى وتدبير حروب إعلامية وشائعات ثم نشر مظلوميات الحبس والاعتقال من اجل الوصل لبعض التعاطف وهذا يتطلب سنوات من العمل.