30 يونيو أعادت رسم خريطة المنطقة.. المصريون أسقطوا مشروع هدم الدولة.. وأعادوا مكانة الدول الوطنية

السبت، 20 يونيو 2026 11:30 م
30 يونيو أعادت رسم خريطة المنطقة.. المصريون أسقطوا مشروع هدم الدولة.. وأعادوا مكانة الدول الوطنية
محمود علي

مع اقتراب الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، تتجدد التساؤلات حول الأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى النزول إلى الميادين رفضًا لحكم جماعة الإخوان الإرهابية، وحول التأثير الذي تركه نجاح هذه الثورة على مسار المنطقة بأكملها، فقد أثبتت تطورات السنوات اللاحقة أن ما جرى في مصر لم يكن حدثًا داخلياً فحسب، بل محطة فارقة أعادت رسم توازنات الإقليم، في وقت كانت فيه دول عربية عدة تواجه مخاطر الانزلاق نحو الفوضى وعدم الاستقرار وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة.

في صيف عام 2013، لم يكن الشعب المصري أمام خلاف سياسي تقليدي بين سلطة ومعارضة، ولا أمام أزمة حكومية عابرة يمكن احتواؤها عبر تعديل وزاري، كان المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ فالدولة المصرية بمؤسساتها كانت تواجه حالة غير مسبوقة من الاستقطاب الحاد، واختبارًا وجوديًا طال مفاصلها الإدارية والأمنية، في وقت سعت فيه جماعة الإخوان إلى تثبيت أقدامها والتمكين لتنظيمها على حساب مفهوم الدولة الوطنية.

شكلت ثورة 30 يونيو نقطة تحول امتد تأثيرها إلى العديد من الدول العربية، التي بدأت بدورها في إعادة تقييم مخاطر المشروع الإخواني ومواجهة تمدده، فمع مرور الوقت، اتضحت ملامح هذا المشروع من خلال تصريحات ومواقف عدد من قيادات الجماعة، التي عكست رؤية تتجاوز حدود الدولة الوطنية وتضع الانتماء التنظيمي فوق الاعتبارات السيادية، ورغم أن بعض الدول العربية تأخرت في استيعاب حجم التحديات التي كانت تواجهها المنطقة ومحاولات توظيف جماعات الإسلام السياسي للوصول إلى السلطة، فإنها سرعان ما أدركت خطورة المسار القائم آنذاك، وقد ترسخ هذا الإدراك مع تصاعد نفوذ الميليشيات والتنظيمات المسلحة في أكثر من ساحة عربية، ما عزز القناعة بأن استمرار هذا النهج كان من شأنه أن يدفع المنطقة إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

عام واحد فقط من حكم الجماعة كان كافيًا لإثارة مخاوف واسعة وعميقة داخل المجتمع المصري والمنطقة العربية بأكملها، فبدلًا من انشغال جماعة الإخوان بمعالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة، وخفض معدلات البطالة، وتنمية الاحتياطي الأجنبي، انخرطت الجماعة في صراعات سياسية متلاحقة، وأعطت الأولوية لتمكين كوادرها وبناء مسار إيديولوجي غريب ومتطرف عن الهوية المصرية، متبنية سياسات أدت إلى إضاعة فرص الاستقرار والتنمية، مما عمّق دائرة الرفض الشعبي بصورة متسارعة.

وفي 30 يونيو، انطلقت الملايين في الميادين لتعبر عن رفضها القاطع لحكم جماعة المرشد، في انتفاضة شعبية لحماية هوية الدولة وإنقاذ العالم العربي بأكمله من السقوط في فخ الفوضى، وحكم الميليشيات، وبعد مرور 13 عامًا على الثورة كشفت الأحداث التي شهدتها مصر والمنطقة خلال تلك الفترة، أهمية القاهرة في الرؤية الإخوانية، فالجماعة اعتبرت مصر على الدوام، نقطة الارتكاز الأساسية لمشروعها، انطلاقًا من قناعة بأن النفوذ داخل الدولة العربية الأكبر سكانًا والأكثر تأثيرًا إقليميًا كفيل بمنحها قدرة أكبر على الحضور والتأثير خارج حدودها.

لذلك، جاء سقوط حكم الإخوان الإرهابية في القاهرة بمثابة ضربة قاصمة أصابت قلب المشروع الإقليمي للتنظيم، ومن أبرز المظاهر والملفات التي عجلت بهذا السقوط خلال عام من حكم الجماعة، تراجع مكانة مصر الدولية في تلك الفترة وتبعية القرار، حيث شهدت السياسة الخارجية انكماشًا ملحوظًا؛ حيث تحولت مصر من دور القائد الإقليمي إلى تابع تدور قراراته في فلك محاور خارجية، وفشلت جولات المعزول محمد مرسى في فتح آفاق حقيقية للتعاون الدولي، بل تحولت الزيارات الخارجية إلى صفقات تجارية واستثمارية لصالح قيادات التنظيم على حساب مقدرات الدولة.

كما أن سوء إدارة الملفات الاستراتيجية كان من بين الأسباب التي أدت لسقوط الجماعة سريعا، وظهر عجز الإدارة آنذاك في التعاطي مع الأزمات المصيرية، وكان الاجتماع الشهير الذي أذاعته الجماعة على الهواء مباشرة مع القوى السياسية وكان خاصاً بملف سد النهضة خطأً دبلوماسيًا فادحًا تسبب في توتر العلاقات مع إثيوبيا، وأتاح للأخيرة فرصة المضي قدمًا في توقيع اتفاقيات لإنشاء السد مستغلة ضعف الدولة المصرية آنذاك.

فيما استمرت الجماعة خلال حكم مصر هذا العام في إذكاء الصراعات الإقليمية، وبدلًا من تبني دور التهدئة التقليدي لمصر، ساهم الخطاب الإخواني في إشعال الأزمات، وظل مشهد المؤتمر الشهير في استاد القاهرة حول الأزمة السورية راسخًا في الأذهان كدليل على التخبط، بعد الدعوة الصريحة لإرسال الشباب والأنصار لـ"الجهاد" هناك، مما هدد الأمن القومي وصور الدولة كطرف منخرط في الاستقطاب الطائفي والعسكري.

السبب الخارجي الآخر الذي عجل من سقوط الجماعة هو تدهور العلاقات مع القوى الكبرى، حيث تراجعت علاقات مصر مع قوى دولية رئيسية مثل روسيا والصين نتيجة الارتباط الأيديولوجي الفج للجماعة مع تنظيمات وحركات تشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار وأمن تلك الدول.

لم يتوقف تأثير 30 يونيو عند الحدود الجغرافية لمصر؛ بل أطلق سلسلة من التفاعلات السياسية في المنطقة العربية  فبعد أحداث عام 2011، بدا أن تيارات الإسلام السياسي تتقدم بثبات مستغلة الفراغ الناجم عن سقوط بعض الأنظمة، ومستفيدة من بيئة الحدود المفتوحة وانتشار السلاح والميليشيات.

لكن تجربة الحكم الفاشلة في مصر غيرت الحسابات الإقليمية تمامًا، حيث تحولت جماعة الإخوان في نظر الشعوب العربية من نموذج يدعي القدرة على إدارة الدولة وتوفير البدائل، إلى دليل حي على العجز وإثارة الانقسامات المجتمعية، هذا التحول دفع دول الجوار إلى إعادة النظر في الرهانات السياسية؛ فشهدت تونس تراجعًا حادًا ونفوذًا منكمشًا لحركة النهضة تحت وطأة الضغط الشعبي، وتصاعدت الشكوك في قدرة هذه التيارات على تقديم حلول حقيقية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لتسقط شعاراتها أمام اختبار الواقع العملي على الأرض.

ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر، وضعت الدولة المصرية استراتيجية واضحة لإعادة صياغة علاقاتها الخارجية باعتبارها الظهير القوي لاستعادة مكانة الدولة، وانطلقت السياسة الخارجية المصرية الجديدة بناءً على مبادئ التوازن، الندّية، الانفتاح، واحترام السيادة الوطنية، وهو ما تجسد في محطات بارزة، أولها الانفتاح الدولي وتنويع الشراكات.

تخلصت مصر من التبعية لمحور واحد، واتجهت شرقًا وغربًا لتعزيز علاقاتها مع القوى الكبرى واشنطن وموسكو وبكين، والعواصم الأوروبية وفقًا لمبدأ المصالح المشتركة، هذا التوازن توج بحضور مصر القوي في الكثير من المحافل الدولية، ومنها الحصول على العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي لعامي (2016-2017)، ورئاستها للاتحاد الإفريقي عام 2019، فضلا عن استضافتها لقمة المناخ في شرم الشيخ، بالإضافة إلى دورها القيادي في ملفات مكافحة الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، والحد من انتشار السلاح النووي.

كما أعادت القاهرة الدفء والزخم لعلاقاتها التاريخية مع الأشقاء في الخليج العربي بعد فترة من الفتور والتوتر الإخواني، وتجسد هذا التعاون في صياغة رؤية موحدة لحماية الأمن القومي العربي من خلال عودة العلاقات إلى طبيعتها مع السعودية والإمارات والبحرين والكويت، والتعاون في ملف مكافحة الإرهاب، والتصدي للكيانات الداعمة للتنظيمات المتطرفة ومقاطعة الأطراف التي توفر الملاذ الآمن لرموز الفوضى، كما عززت الأحداث الأخيرة وأخرها العدوان الإسرائيلي على غزة من العلاقات المصرية القطرية وأعادتها إلى مسارها الصحيح بعد أن قادت الدولتين جهودا مضنية من أجل وقف الانتهاكات الإسرائيلية التي استمرت لأكثر من عامين على القطاع.

كما فرضت مصر في الملف الليبي، الكثير من السياسات التي جعلتها مقبولة لدى جميع الأطراف، فبعد أن وضعت خطوطًا حمراء حاسمة لحماية حدودها الغربية الممتدة لأكثر من 1000 كيلومتر، ورغم محاولات قوى إقليمية استغلال تيارات الإسلام السياسي لشرعنة التدخل العسكري عبر اتفاقيات غير دستورية، التزمت القاهرة بسياسة حكيمة تمثلت في دعمها للحل السياسي، ودمج المؤسسات الاقتصادية، وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، ومنع تحويل ليبيا إلى بؤرة للميليشيات المسلحة.

في ملف سوريا، تبنت مصر أيضا موقفًا ثابتًا يرفض التدخلات العسكرية الخارجية ومشاريع التقسيم والتفكيك، مؤكدة على أهمية الحل الدبلوماسي والحفاظ على وحدة التراب السوري ودعم مؤسسات الدولة الوطنية السورية لحماية المدنيين وإعادة الاستقرار.

على مدى 13 عاماً الماضية، أثبتت مصر قدرتها الفائقة على إدارة الأزمات الإقليمية والدولية بحكمة واتزان، ورغم ما واجهته من تحديات جسيمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، تمسكت القاهرة بثوابت سياستها الخارجية، رافضة الانجرار إلى أي مغامرات عسكرية غير محسوبة، ومؤكدة في كل المحافل التزامها بمبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

هذا الموقف المبدئي، الذي اتخذته مصر نهجًا ثابتًا، انعكس في دعوتها الدائمة إلى حلول سياسية وسلمية تحافظ على وحدة الدول ومؤسساتها الوطنية، وترفض سياسات الهيمنة أو فرض الأمر الواقع بالقوة، وقد منحها هذا النهج مصداقية متنامية، وعزز مكانتها كقوة إقليمية مسؤولة ووسيط موثوق في عدد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المنطقة.

وقد تجلى هذا الدور بوضوح في تعاملها مع الأزمات المتلاحقة والفوضى المسلحة التي عصفت بعدد من دول الإقليم، حيث أكدت مرارًا أن الحلول العسكرية لا يمكن أن تؤدي إلى استقرار حقيقي، وأن غطرسة القوة لا تصنع أمنًا دائمًا لأي دولة، بل تُفاقم الأزمات وتزيد من معاناة الشعوب، فالأمن الحقيقي يتحقق عبر احترام سيادة الدول، والحفاظ على وحدة أراضيها، وتحقيق العدالة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، بما يضمن استقرارًا شاملًا وسلمًا عادلًا ودائمًا في المنطقة.

في الوقت نفسه، أثبتت التحركات المصرية أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية الأولى؛ حيث قادت القاهرة جهود التهدئة ووقف إطلاق النار في قطاع غزة، مع التمسك بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والرفض القاطع والحاسم لأي مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين أو تصفية قضيتهم الوطنية.

ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة ثم التوصل لاتفاق لوقف الاعتداءات على المواطنين الفلسطينيين في القطاع بمدينة شرم الشيخ، لم تدخر القاهرة جهدًا في التحرك على المستويات كافة، دبلوماسية وإنسانية وسياسية، لإيقاف نزيف الدم الفلسطيني، والدفع نحو وقف شامل لإطلاق النار، وتهيئة الأرضية اللازمة لإعادة الإعمار، ورغم تصاعد الدعوات الإسرائيلية والأمريكية لفرض حلول تُكرّس تهجير الفلسطينيين، تمسكت مصر برؤيتها الثابتة، لا إعادة إعمار بدون الفلسطينيين، ولا سلام بدون دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

وفي هذا الإطار، كانت مصر من أول الدول التي دعت إلى مؤتمر دولي لإحلال السلام في فلسطين، بعد أيام قليلة من بدء العدوان على القطاع، ففي إطار الحلول السياسية وضعت مصر خارطة طريق من خلال مؤتمر القاهرة للسلام 2023 الذى استضافته القاهرة 21 أكتوبر الماضي، وأعلنت عن رؤيتها التي تستهدف حلًا عادلًا وشاملًا يضمن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال إقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، رؤية أجهضت من خلالها المخططات الغربية تنحاز لإسرائيل وتستهدف استبعاد غزة من سيناريو حل الدولتين وتخطط لاستبعاد فصائل فلسطينية معينة من المشهد وإقصاءها.

كما نجحت مصر في انتزاع مواقف دولية لوقف أي مخططات ساعية لتصفية القضية الفلسطينية، مستمرة في جهودها الحثيثة لإجهاض مؤامرة التهجير، وأعلنت مصر بشكل واضح أن التهجير القسري للفلسطينيين مرفوض، وأن محاولات تصفية القضية الفلسطينية مرفوضة، وأن تصدير الأزمة لمصر هو خط أحمر غير قابل للنقاش.

كما تضمنت التحركات المصرية عقد قمة عربية استثنائية بالقاهرة، كصرخة عربية موحدة في وجه محاولات تصفية القضية الفلسطينية وفرض واقع جديد على الأرض، وقد مثلت هذه القمة لحظة مفصلية في مواجهة مشاريع التهجير القسري وطمس الهوية الفلسطينية، حيث شددت القاهرة، بدعم عربي واسع، على أن أمن المنطقة يبدأ من فلسطين، وأن استمرار العدوان الإسرائيلي، وتفاقم الاستيطان في الضفة الغربية، ومحاولات تهويد القدس، تمثل تهديدًا وجوديًا للأمن القومي العربي برمته، خاصة لدول الجوار كالأردن ومصر.

والحقيقة أن على مر السنوات التي أعقبت 30 يونيو، استعادت مصر مكانتها كلاعب إقليمي فاعل، ومركز ثقل سياسي لا غنى عنه، لقد تعاملت مع محيطها بعقلانية ورؤية استراتيجية، فلم تدخل في استقطابات حادة، ونجحت في الحفاظ على علاقات متوازنة مع المعسكرين الغربي والشرقي في عالم متغير ومتعدد الأقطاب، هذا التوازن أكسب مصر احترام المجتمع الدولي، وفتح أمامها آفاقًا أوسع من التعاون في ملفات الاقتصاد والطاقة والدفاع.

ما بعد 30 يونيو ليس فقط تاريخًا لميلاد جديد للدولة المصرية، بل بداية مسار طويل من الإصلاح الدبلوماسي الخارجي، أعاد لمصر مكانتها ومركزها الطبيعي في قلب الشرق الأوسط، فمن الدفاع عن الدولة الوطنية، إلى دعم الاستقرار، إلى محاربة الإرهاب، مرورًا بحماية الأمن القومي العربي.. جسدت السياسة الخارجية المصرية نموذجًا للاتزان والواقعية والسيادة، في وقت كانت فيه المنطقة غارقة في الفوضى والانقسامات.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق