13 عاما من الشائعات.. كيف واجهت المشروعات القومية حملات التشكيك واختبار الواقع؟
السبت، 27 يونيو 2026 09:30 م
العاصمة الجديدة.. من "الفنكوش" إلى مركز إدارة الدولة
قناة السويس الجديدة.. مشروع عزز مكانة مصر التجارية عالميا
الطرق والكباري.. شرايين جديدة للحياة
العشوائيات.. مجتمعات جديدة تمنح المواطنين حياة أمنة
الكهرباء والطاقة.. سنوات الانقطاع تتحول لفائض إنتاج يدعم التنمية
الصحة.. من التشكيك في التطوير لبناء منظومة قادرة على مواجهة التحديات
التعليم.. بناء المنظومة
الزراعة.. ملايين الأفدنة على خريطة الإنتاج
الصناعة.. بناء قاعدة إنتاجية جديدة
الإسكان والمدن الجديدة.. مجتمعات عمرانية تستوعب الملايين
دخلت مصر مرحلة جديدة، منذ ثورة 30 يونيو 2013، اتسمت بإطلاق واحدة من أوسع خطط إعادة بناء الدولة وتطوير بنيتها الأساسية منذ عقود، فبعد سنوات طويلة من التحديات الاقتصادية والتراكمات التنموية التي انعكست على قطاعات حيوية عديدة، اتجهت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى تبني رؤية تقوم على تنفيذ مشروعات قومية كبرى تستهدف تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة، وتهيئة البيئة اللازمة للنمو الاقتصادي.
ومع الإعلان عن هذه المشروعات، لم يكن الجدل بعيدا عن المشهد، فبينما اعتبرها الشعب المصري خطوة ضرورية لمعالجة مشكلات مزمنة وتهيئة الدولة لمتطلبات المستقبل، تبنت جماعة الإخوان الإرهابية ومنصاتها الإعلامية الداعمة لها خطابا يقوم على التشكيك المستمر في جدوى هذه المشروعات وقدرتها على تحقيق أهدافها.
وتنوعت حملات التشكيك بين السخرية من بعض المشروعات، والتشكيك في مصادر تمويلها، والتنبؤ بفشلها قبل اكتمال تنفيذها، بل ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى وصفها بأنها مجرد مشروعات دعائية لن ترى النور أو أنها لن تحقق أي عائد حقيقي للمواطن.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه المشروعات إلى اختبار عملي للروايات المتعارضة، فبدلا من الاكتفاء بالتصريحات والبيانات والجدل السياسي، أصبح الحكم مرتبطا بما تحقق على أرض الواقع، وبما إذا كانت هذه المشروعات قد نجحت بالفعل في إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين أو دعم الاقتصاد الوطني.
وبعد أكثر من عقد على إطلاق عدد من أبرز المشروعات القومية، بات من الممكن العودة إلى هذه الملفات ومراجعة أبرز الادعاءات التي أثيرت حولها، ومقارنة ما قيل في بداياتها بما آلت إليه الأمور بعد سنوات من التنفيذ والتشغيل.
وتستعرض "صوت الأمة"، في هذا الملف، عددا من أهم المشروعات والقطاعات التي كانت هدفا لحملات تشكيك واسعة خلال السنوات الماضية، تبنتها وشنتها جماعة الإخوان الإرهابية، وبثتها عبر أذرعها الإعلامية ومنصاتها المتعددة بجميع مواقع التواصل الاجتماعي، بداية من العاصمة الجديدة، وقناة السويس الجديدة، مرورا بالطرق والكباري وتطوير العشوائيات ومشروعات الكهرباء والطاقة، وصولا إلى الصحة والتعليم والزراعة والصناعة وحقوق الإنسان.
العاصمة الجديدة.. من "الفنكوش" إلى مركز إدارة الدولة
عندما أعلنت الدولة المصرية في مارس 2015 عن تدشين مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، بدا الأمر بالنسبة لكثيرين واحدا من أكثر المشروعات طموحا في تاريخ التنمية العمرانية الحديثة بمصر، فالمشروع لم يكن مجرد مدينة جديدة تضاف إلى خريطة العمران المصرية، بل رؤية متكاملة تستهدف إنشاء مركز إداري واقتصادي حديث، وتخفيف الضغط المتزايد عن العاصمة القاهرة، وإعادة رسم خريطة عمرانية جديدة للدولة، بما يتناسب مع التحديات السكانية والتنموية المستقبلية.
ومنذ اللحظات الأولى للإعلان عنه، أصبح المشروع هدفا مباشرا لحملات تشكيك واسعة، فقد امتلأت المنصات واللجان الإخوانية بتعليقات تسخر من المشروع ووصفوه بأنه "فنكوش"، بينما روج آخرون لفكرة أن الدولة لن تتمكن من توفير التمويل اللازم لاستكماله، وأن المدينة ستظل مجرد رسوم هندسية ومجسمات دعائية تعرض في المؤتمرات والفعاليات الرسمية، ولم تقتصر حملات التشكيك على التمويل فقط، بل امتدت إلى التشكيك في فلسفة المشروع نفسها، فقد اعتبر البعض أن نقل المؤسسات الحكومية من القاهرة إلى مدينة جديدة أمر غير قابل للتنفيذ، بينما رأى أخرون أن المواطنين لن يقبلوا الانتقال إلى العاصمة الجديدة، وأنها ستتحول إلى مدينة خالية من السكان والحياة.
وفي ذلك الوقت، كانت أعمال الإنشاءات لا تزال في مراحلها الأولى، وهو ما وفر مساحة واسعة للتكهنات والتشكيك، لكن السنوات التالية حملت تطورات متسارعة غيرت طبيعة الجدل بشكل تدريجي، فمع تقدم أعمال البناء، بدأت معالم المدينة في الظهور على الأرض، وظهرت الأحياء السكنية الأولى، وشبكات الطرق الواسعة، ومحطات المرافق والخدمات الأساسية التي شكلت البنية التحتية اللازمة لقيام مدينة متكاملة، ثم جاء إنشاء الحي الحكومي ليشكل نقطة تحول مهمة في مسار المشروع، فقد ضم الحي مقار الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة، ومع بدء انتقال الموظفين ومؤسسات الدولة إليه تدريجيا، سقط أحد أبرز الادعاءات التي تحدثت عن استحالة انتقال الحكومة من القاهرة.
كما شهدت العاصمة الجديدة إنشاء مناطق أعمال حديثة ومجمعات تجارية واستثمارية، إلى جانب منشئات تعليمية وصحية وثقافية ورياضية، بما عزز من فكرة أنها ليست مجرد مقر حكومي، وإنما مدينة متكاملة تستهدف جذب السكان والاستثمارات في الوقت نفسه، ومن الناحية الاقتصادية، ارتبط المشروع بفكرة خلق مركز جديد للأعمال والاستثمار، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها القاهرة، من حيث الكثافة السكانية والضغط على المرافق والخدمات، كما ساهمت أعمال الإنشاء في توفير فرص عمل واسعة في قطاعات التشييد والبناء والخدمات المرتبطة بها، وهو ما انعكس على عدد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمشروع.
ومن الناحية العمرانية، جاءت العاصمة الجديدة ضمن رؤية أوسع تستهدف إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، وإعادة توزيع السكان بصورة أكثر توازنا، في ظل توقعات استمرار النمو السكاني خلال العقود المقبلة، ومع مرور السنوات، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت العاصمة ستبنى أم لا، بل أصبح الجدل يدور حول حجم دورها المستقبلي وتأثيرها على التنمية العمرانية والاقتصادية في مصر، فالمشروع الذي وصف في بداياته بأنه "فنكوش" أو مجرد حلم غير قابل للتحقق، أصبح مدينة قائمة بالفعل تعمل منها مؤسسات الدولة، وتضم أحياء سكنية ومناطق أعمال وخدمات متنوعة، وتستقبل يوميا آلاف العاملين والزوار والسكان.
وهكذا، شكلت العاصمة الجديدة واحدا من أوضح الأمثلة على الفجوة بين حملات التشكيك التي صاحبت الإعلان عن المشروعات القومية، وبين الواقع الذي تشكل تدريجيا على الأرض مع استمرار التنفيذ.
لكن العاصمة الجديدة لم تكن المشروع الوحيد الذي تعرض لموجة واسعة من السخرية والتقليل من الجدوى، فقبلها بعام تقريبا، كانت مصر، أطلقت مشروعا أخر أثار جدلا واسعا داخل الدولة وخارجها، وهو مشروع قناة السويس الجديدة.
قناة السويس الجديدة.. مشروع عزز مكانة مصر التجارية عالميا
واجه مشروع قناة السويس الجديدة، حملات تشكيك واسعة منذ الإعلان عنه، فقد كان واحدا من أكثر المشروعات التي تعرضت لهجوم منظم منذ اللحظة الأولى لإطلاقه، ففي أغسطس 2014، أعلنت الدولة المصرية عن عزمها في تنفيذ مشروع حفر تفريعة جديدة لقناة السويس، وتطوير أجزاء من المجرى الملاحي الدولي، مع تحديد مدة تنفيذ لا تتجاوز عاما واحدا فقط، ومنذ الساعات الأولى للإعلان، بدأت موجة من التشكيك في المشروع وأهدافه وجدواه الاقتصادية، وتكررت على نطاق واسع عبارات السخرية، منها: "مجرد ترعة" و"مشروع بلا قيمة" و"إهدار للموارد"، بينما روجت بعض المنصات لفكرة أن القناة الحالية تكفي احتياجات الملاحة العالمية، وأن إنشاء مجرى إضافي لن يحقق أي عائد اقتصادي حقيقي، كما شكك آخرون في قدرة الدولة على تنفيذ المشروع خلال الفترة الزمنية المعلنة، بزعم أن الجدول الزمني المعلن أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى الواقع العملي، حيث امتدت حملات التشكيك إلى آلية التمويل نفسها، فعندما طرحت الدولة شهادات استثمار قناة السويس في كل البنوك الوطنية المصرية، لتمويل المشروع، ظهرت توقعات تتحدث عن ضعف الإقبال الشعبي عليها وعدم قدرة المشروع على توفير الموارد المالية المطلوبة، لكن ما جرى على الأرض كان مختلفا بصورة كبيرة، حيث لاقت شهادات الاستثمار إقبالا واسعا من المواطنين، وتم جمع التمويل المطلوب خلال فترة قصيرة، في مشهد اعتبره كثيرون مؤشرا على حجم الثقة الشعبية في المشروع، وبالتوازي مع ذلك، انطلقت أعمال الحفر والتنفيذ بوتيرة غير مسبوقة، بمشاركة آلاف المهندسين والفنيين والعمال، إلى جانب مئات المعدات التي عملت على مدار الساعة لإنجاز المشروع في المدة المحددة.
ومع افتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس 2015، تحولت القضية من الجدل حول إمكانية التنفيذ إلى النقاش حول التأثير الفعلي للمشروع على حركة الملاحة والاقتصاد المصري، فمن الناحية الفنية، ساهمت التوسعات الجديدة في زيادة مرونة حركة الملاحة داخل القناة، وتقليل زمن انتظار السفن، وتحسين كفاءة التشغيل، بما عزز من قدرة القناة على التعامل مع الزيادات المتوقعة في حركة التجارة العالمية، كما ارتبط المشروع بخطة أشمل لتطوير منطقة قناة السويس وتحويلها إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية والصناعية والتجارية، وهو ما انعكس لاحقا في توسع الأنشطة الاستثمارية داخل المنطقة الاقتصادية للقناة، فخلال السنوات التالية، واجه الاقتصاد العالمي أزمات متلاحقة، بدءا من تداعيات جائحة كورونا، مرورا باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، ووصولا إلى التوترات الجيوسياسية التي أثرت على حركة التجارة الدولية.
ورغم هذه التحديات، ظلت قناة السويس تحتفظ بمكانتها كأحد أهم الممرات البحرية بالعالم، واستمرت في لعب دور محوري في حركة التجارة الدولية، إلا أن أزمة السفينة "إيفر جيفن" عام 2021، استطاعت إعادة تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للقناة، بعدما أظهرت للعالم حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه تعطل الملاحة فيها حتى لفترة قصيرة.
وفي السنوات الأخيرة، استمرت أعمال التطوير والتحديث داخل القناة، سواء من خلال توسيع بعض القطاعات أو تحديث أنظمة التشغيل والخدمات الملاحية، في إطار استراتيجية تستهدف الحفاظ على تنافسية الممر الملاحي المصري في ظل المنافسة العالمية المتزايدة، ومن هنا تحولت الرواية التي اختزلت المشروع في وصفه بـ "مجرد ترعة" إلى واقع مختلف، يؤكد أن المشروع كان جزء من رؤية أوسع للحفاظ على المكانة الاستراتيجية لقناة السويس، وتعزيز دورها في الاقتصاد العالمي.
الطرق والكباري.. شرايين جديدة للحياة
تطوير الممرات التجارية لم يكن وحده محور التحرك خلال السنوات الماضية، إذ كانت الدولة تخوض في الوقت نفسه معركة أخرى على الأرض لإعادة بناء شبكة الطرق والمحاور المرورية، وهي المعركة التي تعرضت بدورها لحملات تشكيك واسعة، قبل أن تتحول نتائجها إلى واقع يراه ملايين المصريين يوميا، فربما لم يتعرض أي مشروع للتندر والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية، كما تعرضت مشروعات الطرق والكباري، فعلى مدار سنوات، تحولت صور المحاور المرورية الجديدة ومشروعات الكباري الكبرى، التي كانت يفتتحها الرئيس السيسي، تباعا إلى مادة دائمة للتعليقات الساخرة والتشكيك من خلال حملات ممنهجة، طالت حتى الأسماء التي سميت بها كل تلك مشروعات البنية التتية العملاقة، حتى بدا أحيانا وكأن الدولة المصرية لا تنفذ سوى هذه النوعية من المشروعات، فقد كانت الرواية الأساسية التي جرى الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لجماعة الإخوان، تقوم على أن الحكومة تنفق مليارات الجنيهات على إنشاء الطرق والكباري في وقت توجد فيه احتياجات أخرى أكثر أهمية، بينما ذهب فريق أخر تابع للجماعة إلى تصوير كل هذه المشروعات باعتبارها مجرد منشأت خرسانية لا تحقق عائدا حقيقيا للمواطن، إلا أن كافة هذه الروايات أغفلت في كثير من الأحيان حقيقة أساسية تتعلق بطبيعة التنمية الحديثة، فالبنية التحتية للنقل ليست مجرد وسيلة لتسهيل الحركة، وإنما تمثل أحد أهم المحركات الاقتصادية التي تعتمد عليها الصناعة والتجارة والاستثمار والسياحة والخدمات.
وعندما بدأت الدولة تنفيذ المشروع القومي للطرق والكباري والمحاور والأنفاق، لم يكن الهدف منها مجرد إنشاء عدة طرق جديدة بصورة منفصلة، بل إعادة بناء شبكة نقل متكاملة عانت لسنوات طويلة من ضغوط متراكمة ناتجة عن النمو السكاني المتزايد والتوسع العمراني الممتد للمدن الجديدة، وزيادة حركة التجارة والصناعة والزراعة والسياحة بين المحافظات، وما تحتاجة من شبكة تطرق للربط بينهم وتقليل زمن الرحلة التي يتم استغراقها في عمليات السفر والشحن والنقل، ما سيترتب على ذلك من عوائد اقتصادية تعود في المقام الأول على المواطنين والمستثمرين بشكل عام، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر، تقليل استهلاك الوقود والطاقة سواء البنزين أو غاز السيارات، ما سيؤدي إلى خفض أسعار السلع على المواطن، أيضا سرعة القدرة على الشحن والتخزين وتقليل كميات التلف.
وكانت القاهرة الكبرى تمثل النموذج الأكثر وضوحًا لهذه التحديات، فملايين المواطنين كانوا يقضون ساعات طويلة يوميا في التنقل بين أماكن السكن والعمل، بينما كانت الاختناقات المرورية تستهلك وقتا وجهدا ووقودا بتكلفة اقتصادية مرتفعة، ومع بدء تنفيذ المحاور الجديدة وتطوير الطرق الرئيسية والدائرية، بدأت خريطة الحركة داخل العاصمة تتغير تدريجيا، وأصبح الوصول إلى العديد من المناطق يستغرق وقتا أقل مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق، كما ساهمت كافة المحاور الجديدة، في توفير بدائل مرورية متعددة، وهو ما خفف الضغط عن عدد من الطرق التقليدية التي ظلت لسنوات تعمل فوق طاقتها الاستيعابية.
ولم يقتصر التطوير على القاهرة فقط، بل امتد إلى مختلف أنحاء الجمهورية، ففي محافظات الصعيد، ساهمت الطرق الجديدة، في تحسين الربط بين المحافظات والمراكز المختلفة، كما دعمت خطط التنمية الاقتصادية والاستثمارية التي كانت تواجه صعوبات بسبب ضعف البنية التحتية للنقل، أما في شبه جزيرة سيناء، فقد شكلت شبكات الطرق الجديدة، عنصرا هاما في دعم خطط التنمية والتوسع العمراني، وربط مناطق كانت تعاني لفترات طويلة من محدودية الاتصال بباقي أنحاء الدولة، كان مترتبا عليه تأخر التنمية في شمال وجنوب سيناء بشكل كلي، على كافة الأصعدة، فضلا عن أن تطوير الطرق ساهم في دعم المشروعات الزراعية والصناعية الجديدة، حيث أصبحت حركة نقل المواد الخام والمنتجات أكثر سهولة وكفاءة على مستوى شبه جزيرة سيناء.
ومن الناحية الاقتصادية، ارتبطت شبكة الطرق الحديثة بخطط الدولة للتوسع العمراني، فالمدن الجديدة التي جرى إنشاؤها خلال السنوات الماضية، احتاجت إلى محاور وطرق قادرة على ربطها بالمراكز الحضرية التقليدية، بما يسمح بانتقال السكان والاستثمارات إليها بصورة أكثر سهولة، كما لعبت الطرق دورا هاما في دعم قطاع السياحة، من خلال تحسين الوصول إلى العديد من المناطق السياحية والأثرية، وتسهيل حركة الزائرين بين المحافظات المختلفة.
وعلى مستوى السلامة المرورية، دعم تطوير الطرق ورفع كفاءتها تحسين معايير الأمان في عدد كبير من المناطق التي كانت تشهد معدلات مرتفعة من الحوادث، نتيجة ضعف البنية التحتية أو تهالك الطرق القديمة.
ومن المؤكد، أنه مع مرور الوقت، لم يعد أثر هذه المشروعات مقتصرا فقط على الأرقام والإحصاءات، بل أصبح جزء من التجربة اليومية للمواطن الذي يستخدم هذه الطرق والمحاور بشكل مباشر، وهكذا، فبينما كانت حملات التشكيك تركز على السخرية من بناء الكباري والطرق، كانت الدولة المصرية تنفذ واحدة من أكبر عمليات تحديث البنية التحتية للنقل في تاريخها الحديث، وهو ما جعل الواقع يتحدث بلغة مختلفة عن لغة الشعارات والاتهامات.
العشوائيات.. مجتمعات جديدة تمنح المواطنين حياة أمنة
لكن إذا كانت الطرق والكباري قد ارتبطت بحركة المواطنين وتنقلاتهم، فإن ملف تطوير العشوائيات كان أكثر التصاقا بحياتهم اليومية ومستوى معيشتهم واستقرارهم الاجتماعي، حيث عانت مصر، لعقود طويلة، من انتشار مناطق غير مخططة وأخرى غير أمنة نشأت في ظل ظروف اقتصادية وسكانية معقدة، وأصبحت تمثل أحد أبرز التحديات أمام جهود التنمية الحضرية للدولة المصرية وأمن وأمان مواطنيها.
ففي بعض المناطق، كانت المساكن مهددة بالانهيار أو تقع في مناطق معرضة للمخاطر الطبيعية، بينما كانت مناطق أخرى تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وعندما أعلنت الدولة خطتها للقضاء على المناطق غير الآمنة وتطوير العشوائيات، بدأت حملات تشكيك واسعة حاولت تصوير المشروع باعتباره عملية تهجير جماعي للسكان أو وسيلة لإبعادهم عن مناطقهم الأصلية، واعتمدت تلك الروايات على إثارة مخاوف المواطنين من فقدان مساكنهم أو حرمانهم من حقوقهم السكنية أو نقلهم إلى أماكن لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية، وكانت حساسية الملف نفسه تمنح هذه الروايات فرصة للانتشار، خاصة أن السكن يمثل أحد أكثر الملفات ارتباطا بالاستقرار الأسري والاجتماعي، لكن مع بدء التنفيذ الفعلي للمشروعات، بدأت الصورة تتغير تدريجيا.
على صعيد أخر، مناطق ظلت لعقود رمزا للمخاطر والمعاناة، بدأت تظهر مجتمعات عمرانية جديدة تضم وحدات سكنية حديثة، ومرافق متكاملة وخدمات متنوعة، وفي ليلة وضحاها أصبحت مشروعات كبرى مثل الأسمرات وأهالينا وروضة السيدة والمحروسة وبشاير الخير، نماذج بارزة على توجه الدولة نحو توفير بيئة سكنية أكثر أمانا وتنظيما، كما لم يكن التطوير مقتصرا على إنشاء وحدات سكنية جديدة وفقط، بل شمل أيضا توفير المدارس والوحدات الصحية والمراكز الخدمية والمناطق التجارية وملاعب الأطفال والمساحات الخضراء العامة والمراكز الدينية الإسلامية والمسيحية.
كما حرصت الدولة على أن يتضمن التطوير بعدا اجتماعيا جديدا، جنبا إلى جنب مع البعد العمراني، من خلال توفير الخدمات التي تساعد السكان على الاندماج في المجتمعات الجديدة، وتحسين مستوى معيشتهم، فمع انتقال آلاف الأسر إلى هذه المجتمعات، بدأت تظهر شهادات واقعية من المواطنين أنفسهم حول الفارق بين أوضاعهم السابقة والواقع الجديد الذي يعيشونه، فالعديد من الأسر التي كانت تقيم في مساكن مهددة بالخطر أو تفتقر إلى الخدمات الأساسية، أصبحت تتمتع بوحدات أكثر أمانا واستقرارا، مع إمكانية الوصول إلى خدمات تعليمية وصحية أفضل، علاوة على مساهمة هذه المشروعات في تحسين الصورة العمرانية للمدن المصرية، والتعامل مع واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية تعقيدا التي تراكمت عبر عقود طويلة، ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب الدفاع عن الروايات التي تحدثت عن "التهجير" أو "الإضرار بالسكان"، بعدما تحولت المجتمعات الجديدة إلى واقع قائم يراه الجميع، وهكذا، شكل ملف تطوير العشوائيات مثالا آخر على الفارق بين الشائعات التي صاحبت بداية المشروعات، والنتائج التي ظهرت تدريجيا على الأرض.
الكهرباء والطاقة.. سنوات الانقطاع تتحول لفائض إنتاج يدعم التنمية
تحسين جودة الحياة لم يتوقف عند السكن فقط، بل امتد إلى ملف أخر كان حاضرا بشكل يومي في حياة المواطن المصري، وهو ملف الكهرباء والطاقة، فإذا كان هناك تحدي استطاع المواطن أن يلمس أثره بصورة مباشرة، خلال السنوات الماضية، فإن ملف الكهرباء والطاقة يأتي في ضمن أهم هذه الملفات.
ففي السنوات التي سبقت عام 2014، كانت أزمة انقطاع الكهرباء واحدة من أكثر المشكلات إلحاحا في الحياة اليومية، وكانت ساعات الفصل المتكررة والطويلة، تؤثر على المنازل والمحلات التجارية والمصانع والمستشفيات والمدارس والمصالح والمؤسسات الحكومية، لتصبح جزء من المشهد اليومي على مستوى كافة محافظات الجمهورية، وفي ظل مثل هذه الأزمة الخطيرة، أعلنت الدولة خطة واسعة لإعادة بناء قطاع الكهرباء والطاقة، ومعالجة الاختلالات التي تراكمت على مدار سنوات، إلا أن هذه الخطط لم تسلم بدورها من التشكيك، فقد روجت جماعة الإخوان المسلمين وأذرعم الإعلامية ولجانهم الإلكترونية، أن الحديث عن إنهاء أزمة الكهرباء بصورة جذرية أمر يصعب تحقيقه، بينما شكك آخرون في قدرة الدولة على توفير التمويل اللازم لإنشاء محطات جديدة أو تطوير الشبكات القائمة، كما روجت بعض المنصات لفكرة أن أزمة الكهرباء، ستظل قائمة مهما بلغت الاستثمارات الموجهة إلى القطاع، وأن الحديث عن تحقيق فائض في الإنتاج لا يعدو كونه وعود إعلامية، غير أن السنوات التالية شهدت واحدة من أكبر عمليات تطوير قطاع الطاقة في تاريخ مصر الحديث.
فقد جرى إنشاء محطات كهرباء عملاقة، رفعت القدرات الإنتاجية بصورة كبيرة، إلى جانب تطوير شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة البنية الأساسية للقطاع بالكامل، كما اتجهت الدولة إلى تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط، من خلال التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، سواء في مجال الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، وساعدت هذه الخطوات على زيادة القدرة الإنتاجية بصورة ملحوظة، بما أتاح تلبية الطلب المتزايد الناتج عن النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي، بينما لم يقتصر أثر هذا التطور على المنازل فقط، بل انعكس أيضا على الاقتصاد بصورة عامة، فاستقرار الكهرباء يعد أحد أهم الشروط الأساسية لجذب الاستثمارات ودعم النشاط الصناعي، إذ تحتاج المصانع والمنشأت الإنتاجية إلى مصدر طاقة مستقر يمكن الاعتماد عليه، كما ساهم تطوير القطاع في دعم التوسع العمراني الكبير، الذي شهدته البلاد خلال السنوات الماضية، سواء في المدن الجديدة أو المناطق الصناعية أو المشروعات القومية الكبرى.
وفي الوقت نفسه، شهد قطاع الغاز الطبيعي تطورات مهمة عززت من مكانة مصر الإقليمية بمجال الطاقة، ووفرت موارد إضافية دعمت خطط التنمية الاقتصادية، ومع استمرار تحديث الشبكات والتوسع في مشروعات الربط الكهربائي، أصبح قطاع الطاقة أحد أبرز الملفات التي تعكس حجم التحول الذي شهدته البنية الأساسية للدولة خلال العقد الأخير، فبعد سنوات من التشكيك في قدرة الدولة على تجاوز أزمة الكهرباء، وجد المواطن نفسه أمام واقع مختلف بصورة واضحة عن سنوات الانقطاع المتكرر، لتتحول أزمة مزمنة استمرت لسنوات طويلة إلى قطاع يمتلك قدرات أكبر، على دعم التنمية والنمو الاقتصادي.
الصحة.. من التشكيك في التطوير لبناء منظومة قادرة على مواجهة التحديات
لم يكن قطاع الصحة بعيدا عن حالة الجدل، التي صاحبت العديد من المشروعات والبرامج الحكومية خلال السنوات الماضية، فعندما بدأت الدولة الحديث عن تطوير المنظومة الصحية، وإعادة تأهيل المستشفيات وتوسيع نطاق الخدمات الطبية، ظهرت أصوات تشكك في إمكانية تحقيق تغيير حقيقي داخل قطاع ظل لعقود يواجه تحديات كبيرة، تتعلق بالإمكانات والبنية التحتية والزيادة المستمرة في الطلب على الخدمات العلاجية، وروجت منصات جماعة الإخوان المسلمين، لفكرة أن المشكلات المتراكمة داخل القطاع الصحي، أكبر من أن تتم معالجتها عبر خطط قصيرة أو متوسطة المدى، وأن الحديث عن تطوير شامل للمنظومة لا يتجاوز كونه وعود يصعب ترجمتها إلى نتائج عملية، لكن السنوات التالية شهدت تحرك واسع على أكثر من مستوى.
فمن ناحية، جرى التوسع في إنشاء وتطوير المستشفيات العامة والمركزية والمتخصصة، إلى جانب رفع كفاءة عدد كبير من الوحدات الصحية في عدة محافظات ختلفة على مستوى الجمهورية، ومن ناحية أخرى، اتجهت الدولة إلى إطلاق عدد من المبادرات الصحية التي استهدفت الوصول المباشر إلى المواطنين وتقديم خدمات وقائية وعلاجية على نطاق واسع، وكانت مبادرة "100 مليون صحة" من أبرز هذه المبادرات، بعدما استهدفت الكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية لملايين المواطنين، في مختلف أنحاء الجمهورية، حيث مثلت المبادرة نقطة تحول مهمة في التعامل مع قضايا الصحة العامة، حيث انتقلت الدولة من التركيز على العلاج فقط إلى توسيع الاهتمام ببرامج الوقاية والكشف المبكر.
كما شهد القطاع إطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل، التي تستهدف توفير خدمات صحية أكثر كفاءة، وجودة بصورة تدريجية، ضمن رؤية طويلة المدى لإصلاح النظام الصحي وتوسيع نطاق التغطية الطبية، حيث لم تقتصر جهود التطوير على المنشآت والخدمات التقليدية فقط، بل امتدت إلى دعم التحول الرقمي داخل القطاع، بما يسهم في تحسين إدارة الخدمات الطبية، ورفع كفاءة تقديم الرعاية الصحية.
وجاءت جائحة كورونا لتشكل اختبار غير مسبوق لقدرات الأنظمة الصحية في مختلف دول العالم، بما فيها مصر، فمع انتشار الوباء عالميا، وجدت المؤسسات الصحية نفسها أمام تحديات ضخمة تتعلق بتوفير الأسرة والرعاية الطبية والأدوية والمستلزمات الوقائية، وخلال هذه المرحلة، توسعت الدولة في تجهيز المستشفيات وتوفير الاحتياجات الطبية، ورفع درجة الاستعداد داخل المنظومة الصحية للتعامل مع الأزمة، كما ساهمت الخبرات التي اكتسبها القطاع خلال تلك الفترة في تعزيز قدراته على مواجهة الأزمات الصحية المستقبلية، وتحسين مستوى الجاهزية والاستجابة.
ومع استمرار التوسع في إنشاء المدن الطبية والمستشفيات المتخصصة ومراكز الرعاية المختلفة، أصبح قطاع الصحة واحد من الملفات التي تعكس حجم الاستثمارات التي جرى توجيهها إلى الخدمات الأساسية، المرتبطة بحياة المواطنين، ورغم استمرار التحديات الطبيعية التي تواجه أي نظام صحي في دولة كبيرة، من حيث عدد السكان والاحتياجات المتزايدة، فإن المشهد الحالي يختلف بصورة واضحة عما كان عليه قبل أكثر من عقد، وهكذا، انتقلت الروايات التي شككت في إمكانية تطوير القطاع الصحي إلى مواجهة واقع يشهد توسع مستمر في الخدمات والمنشآت والبرامج الصحية، بما جعل النقاش يدور اليوم حول كيفية تطوير المكتسبات القائمة، أكثر من التساؤل حول إمكانية تحقيقها من الأساس.
التعليم.. بناء المنظومة
ظل ملف التعليم حاضرا في صدارة النقاشات العامة، على مدار عقود طويلة، باعتباره أحد أكثر الملفات تأثير في مستقبل المجتمع والتنمية الاقتصادية، ومع بدء الدولة المصرية تنفيذ برامج لإصلاح المنظومة التعليمية، لم تغب حملات التشكيك التي رافقت العديد من المشروعات الأخرى، فقد تعرضت خطط تطوير المناهج وتحديث أساليب التقييم وإدخال التكنولوجيا إلى العملية التعليمية لانتقادات متكررة، ونشرت جماعة الإخوان المسلمين، وأذرعها ولجانها، شائعات بأن محاولات الإصلاح لن تؤدي إلى نتائج حقيقية، وأن النظام التعليمي سيظل يعاني من المشكلات نفسها مهما تغيرت السياسات أو الأدوات المستخدمة، لكن الدولة المصرية مضت في تنفيذ رؤيتها التي تستهدف بها معالجة عدد من التحديات المزمنة التي واجهت التعليم المصري لسنوات طويل، وضمان مخرجات تعليم تناسب سوق العمل واحتياجاته المتغيرة، المتواكبة مع الطفرات التكنولوجية الجارية سواء داخل أو خارج مصر.
وشملت رؤية الدولة والقيادة السياسية، التوسع في إنشاء المدارس الجديدة، بهدف استيعاب الزيادة السكانية وتقليل الكثافات داخل الفصول الدراسية، كما جرى العمل على تطوير المناهج الدراسية بما يركز بصورة أكبر على الفهم والتحليل وتنمية المهارات، بدلا من الاعتماد الكامل على الحفظ والتلقين، حيث شهدت السنوات الماضية، إدخال التكنولوجيا إلى العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، سواء من خلال استخدام المنصات الرقمية أو تطوير أدوات التقييم والاختبارات، كما اتجهت الدولة إلى تنويع أنماط التعليم المتاحة أمام الطلاب، فإلى جانب المدارس التقليدية، توسع الاهتمام بالمدارس التكنولوجية التطبيقية، التي تستهدف ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، كما جرى التوسع في المدارس الدولية الحكومية ومدارس المتفوقين.
بينما في التعليم العالي، شهدت مصر طفرة في إنشاء الجامعات الجديدة، سواء الحكومية أو الأهلية أو أو الدولية أو التكنولوجية، بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية وتوفير تخصصات تتناسب مع متطلبات الاقتصاد الحديث، حيث ساهم انتشار الجامعات الجديدة، في المحافظات المختلفة على مستوى الجمهورية، في تقليل الضغط على الجامعات الحكومية التقليدية، وتوفير فرص تعليمية أقرب إلى المواطنين في العديد من المناطق.
ورغم استمرار النقاش حول بعض جوانب التطوير وآليات تطبيقه، فإن المشهد التعليمي الحالي يعكس حجم من التغيير يفوق بكثير، الصورة التي كانت سائدة قبل سنوات، فعدد المؤسسات التعليمية الجديدة، وتنوع المسارات الدراسية، وحجم الاستثمارات الموجهة إلى القطاع، كلها مؤشرات على أن ملف التعليم دخل مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت لعقود طويلة، ومع مرور الوقت، تحول الجدل من التساؤل حول إمكانية التطوير إلى مناقشة أفضل السبل لتحقيق أقصى استفادة من المشروعات التعليمية، التي أصبحت واقعًا قائمًا.
الزراعة.. ملايين الأفدنة على خريطة الإنتاج
منذ الإعلان عن مشروعات التوسع الزراعي الكبرى، تصدرت حملات التشكيك المشهد عبر منصات الجماعة الإرهابية، التي روجت لعدة روايات متكررة، أبرزها أن مصر تعاني من محدودية الموارد المائية بما يجعل استصلاح مساحات جديدة من الأراضي هي مجرد "شعارات دعائية" وضرب من الخيال، وأن تكلفة هذه المشروعات ستفوق عوائدها الاقتصادية، فضلا عن التشكيك في قدرة الدولة على جذب السكان والاستثمارات إلى المناطق الزراعية الجديدة، إلا أن السنوات التالية حملت اختبار عمليا لهذه الادعاءات على أرض الواقع، ففي الوقت الذي كانت فيه هذه الروايات تتحدث عن استحالة التوسع الزراعي، فقد شهدت ربوع مصر، تنفيذ عدد من أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعي في تاريخها الحديث، من بينها مشروع الدلتا الجديدة، ومستقبل مصر للإنتاج الزراعي، وتوشكي الخير، إلى جانب مشروعات التنمية الزراعية في شمال سيناء وصعيد مصر، بل ولم يقتصر الأمر على زيادة الرقعة الزراعية فقط، إنما ارتبط أيضا ببناء منظومة متكاملة شملت شبكات الطرق والمحاور اللوجستية، ومحطات المعالجة العملاقة ومشروعات الري الحديث، والصوامع ومراكز التعبئة والتصنيع الزراعي.
ومع اندلاع الأزمات العالمية المتعاقبة، بداية من جائحة كورونا وصولًا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الغذاء الدولية، برزت أهمية هذه التوسعات الزراعية باعتبارها خط دفاع استراتيجي للأمن الغذائي المصري، حيث أثبت الواقع أن امتلاك قدرة أكبر على الإنتاج المحلي لم يعد مجرد خيار تنموي، بل بات ضرورة تفرضها المتغيرات الدولية وتقلبات سلاسل الإمداد العالمية، فضلا عن أن المشروعات الزراعية الجديدة، ساهمت في خلق مجتمعات عمرانية وإنتاجية متكاملة، ووفرت فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب دعم الصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي، بما في ذلك الصناعات الغذائية والتعبئة والتخزين والنقل، وبينما استندت حملات التشكيك إلى فرضيات نظرية تتحدث عن استحالة التنفيذ، جاءت المشروعات القائمة والإنتاج الفعلي، ومساحات الأراضي التي دخلت الخدمة لتقدم رواية مختلفة عنوانها، أن التحديات كانت كبيرة، لكن الإرادة التنفيذية والاستثمار طويل الأجل، نجحا في تحويل جزء كبير من هذه الخطط إلى واقع ملموس.
الصناعة.. بناء قاعدة إنتاجية جديدة
لم تكن المشروعات الصناعية، بمنأى عن حملات التشكيك التي صاحبت مسيرة التنمية، خلال السنوات الماضية، ففي كل مرة كانت الدولة تعلن فيها عن إنشاء مجمعات صناعية جديدة، أو التوسع في المناطق الصناعية أو توطين صناعات استراتيجية، كانت تتردد تساؤلات وتشكيكات حول جدوى هذه المشروعات، وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري، أخذت جماعة الإخوان المسلمين المنصات المرتبطة بها ووسائل إعلامها المشبوهة، في الترويج لفكرة أن الاقتصاد المصري يتحول إلى اقتصاد قائم على الإنشاءات فقط، وأن الحديث عن التصنيع ليس سوى شعارات لا تنعكس على الواقع الإنتاجي، إلا أن الخطوات الجادة التي اتخذتها القيادة السياسية كانت كفيلة خلال السنوات اللاحقة، للكشف عن مسار مختلف، فقد ارتبطت مشروعات البنية التحتية العملاقة، من طرق وموانئ ومناطق لوجستية وشبكات كهرباء وطاقة، بهدف أوسع يتمثل في تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي، وتعزيز القدرة الإنتاجية للدولة.
وشهدت مصر توسع في إنشاء المجمعات الصناعية المتخصصة، وتطوير المدن الصناعية، وإطلاق مبادرات لتوطين الصناعات، وتقليل الاعتماد على الواردات في عدد من القطاعات الحيوية، كما اكتسب ملف التصنيع أهمية إضافية مع الأزمات الاقتصادية العالمية، التي كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد الخارجية، وأعادت الاعتبار لفكرة الإنتاج المحلي باعتبارها ركيزة للأمن الاقتصادي.
وأصبح النقاش اليوم، لا يدور حول ما إذا كانت هناك قاعدة صناعية جديدة تتشكل، بل حول كيفية تعظيم الاستفادة منها، وزيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي والصادرات، وتوفير فرص العمل وتقليص حجم الاستيراد لتقليل الضغط على العملات الأجنبي، مما كان له أكبر أثر في رفع قيمة الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي، وبذلك تحولت كثير من الاتهامات التي تحدثت عن غياب الرؤية الصناعية، إلى نقاشات أكثر واقعية تتعلق بمعدلات التوطين والتنافسية والتصدير، وهي نقاشات تعكس انتقال الجدل من مرحلة التشكيك في الوجود إلى مرحلة البحث عن أفضل سبل التطوير.
الإسكان والمدن الجديدة.. مجتمعات عمرانية تستوعب الملايين
عندما أعلنت الدولة خلال السنوات الماضية، عن خططتها الطموحة في إنشاء عدة مدن جديدة، وتوسيع نطاق التنمية العمرانية خارج نطاق الوادي والدلتا، واجهت هذه المشروعات العملاقة، موجة واسعة من التشكيك والانتقادات، وراحت منصات جماعة الإخوان تروج لفكرة أن المدن الجديدة لن تجد سكان، وأنها مجرد مشروعات إنشائية ضخمة تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، وأطلقوا عليها مصطلحات مثل "مدن الأشباح"، للتشكيك في قدرة هذه التجمعات العمرانية على جذب المواطنين والاستثمارات، حتى أن هذه الروايات استندت إلى فرضية مفادها أن المصريين سيظلون متمسكين بالتكدس السكاني التقليدي في القاهرة الكبرى والدلتا، وأن جميع محاولات إعادة توزيع السكان لن تحقق نتائج حقيقية.
وعلى أرض الواقع، تغير الأمر خلال السنوات التالية، وحمل صورة مختلفة، فقد تبنت الدولة رؤية تستهدف مواجهة واحدة من أخطر التحديات التاريخية، التي عانت منها مصر لعقود طويلة، وهي التركز السكاني الشديد في نسبة محدودة من مساحة الدولة، وما يرتبط به من ضغوط على الخدمات والبنية الأساسية وفرص التنمية، ومن هذا المنطلق، انطلقت مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة، وعدد كبير من المدن الذكية التي استهدفت خلق مراكز جذب عمرانية واقتصادية جديدة.
لم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكنية، بل جرى تصميمها لتضم مناطق أعمال ومؤسسات حكومية وجامعات ومستشفيات ومراكز ثقافية، وترفيهية وشبكات نقل حديثة، كما ارتبطت هذه المشروعات ببرنامج واسع للإسكان الاجتماعي والإسكان البديل للمناطق غير الآمنة، بما وفر مئات الآلاف من الوحدات السكنية لفئات مختلفة من المواطنين، كما شهدت السنوات الماضية، انتقال مؤسسات حكومية كاملة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب توسع النشاط الاستثماري والتجاري والخدمي داخل عدد من المدن الجديدة.
وفي الوقت نفسه، ساهمت هذه المشروعات في تنشيط قطاعات اقتصادية عديدة، من بينها التشييد والبناء والصناعات المرتبطة بهما، فضلا عن توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لملايين العاملين، ومع تزايد معدلات الإشغال والتشغيل في عدد من هذه المدن، تراجعت تدريجيا الروايات التي تحدثت عن استحالة نجاح التجربة العمرانية الجديدة، وأصبح النقاش يدور بصورة أكبر حول كيفية تعظيم الاستفادة من هذه المدن، وتعزيز معدلات الاستثمار والسكان بها، بدلا من الجدل السابق حول إمكانية وجودها من الأساس، وهكذا، تحول ملف الإسكان والمدن الجديدة، إلى نموذج واضح للفارق بين حملات التشكيك التي اعتمدت على توقعات مسبقة، وبين واقع عمراني جديد، تتشكل ملامحه بصورة متسارعة على الأرض.