دينا الحسيني تكتب: من دبلوماسية التخبط إلى التأثير الإقليمي.. كيف أعادت 30 يونيو رسم السياسة الخارجية المصرية؟

السبت، 27 يونيو 2026 06:14 م
دينا الحسيني تكتب: من دبلوماسية التخبط إلى التأثير الإقليمي.. كيف أعادت 30 يونيو رسم السياسة الخارجية المصرية؟
مصر بعد 3 يونيو من العزلة إلى التأثير الدولي

لم تكن أخطاء جماعة الإخوان خلال عام حكمها مقتصرة على الأوضاع الداخلية، بل امتدت إلى السياسة الخارجية، التي شهدت واحدة من أكثر مراحلها ارتباكًا، بعدما حاولت الجماعة إعادة توجيه علاقات مصر الخارجية بما يخدم توجهاتها السياسية، وهو ما انعكس على مكانة الدولة الإقليمية والدولية، وأدخل القاهرة في أزمات دبلوماسية متلاحقة. وبعد ثورة 30 يونيو، بدأت الدولة المصرية مسارًا مختلفًا لإعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس التوازن، واحترام ثوابت السياسة المصرية، والحفاظ على المصالح الوطنية، بما أعاد لمصر دورها كقوة إقليمية مؤثرة.

عام من الارتباك الدبلوماسي

شهد عام حكم جماعة الإخوان تراجعًا ملحوظًا في أداء السياسة الخارجية، وسط اتهامات بمحاولة توظيف الدبلوماسية المصرية لخدمة اعتبارات تنظيمية، وهو ما انعكس على إدارة عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، وأثار انتقادات داخلية وخارجية.

ومن أبرز الوقائع التي لا تزال حاضرة في الأذهان، الاجتماع الذي عقده محمد مرسي لمناقشة أزمة سد النهضة الإثيوبي، والذي أذيع على الهواء مباشرة دون علم المشاركين، وشهد مقترحات تضمنت الحديث عن توجيه ضربات عسكرية لإثيوبيا، إلى جانب تصريحات اعتبرها مراقبون مسيئة للدولة الإثيوبية، في مشهد وُصف بأنه أحد أكثر المواقف إحراجًا للدبلوماسية المصرية، قبل أن تضطر مؤسسة الرئاسة إلى الاعتذار عن إذاعة الاجتماع.

35872-BL2-mZXCcAAXbnl

كما شهدت تلك الفترة محاولات لتغيير أولويات السياسة الخارجية المصرية، عبر منح القيادي الإخواني عصام الحداد دورًا مؤثرًا في إدارة الملفات الخارجية، وهو ما وضع وزارة الخارجية في مواقف شديدة الحساسية، وسط انتقادات من دبلوماسيين سابقين اعتبروا أن مؤسسات الدولة جرى تجاوزها في بعض الملفات.

وفي الأزمة المالية، سعت الجماعة إلى إصدار موقف ينتقد التدخل العسكري الفرنسي ضد الجماعات المسلحة، بينما تمسكت وزارة الخارجية بالموقف الرسمي للدولة، وهو ما كشف عن تباين واضح بين مؤسسات الدولة والقيادات السياسية التابعة للجماعة.

أما الأزمة الأكثر إثارة للجدل، فجاءت خلال مؤتمر "نصرة سوريا" الذي عُقد باستاد القاهرة، حيث أعلن محمد مرسي قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وإغلاق السفارة المصرية في دمشق، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، واعتبرها مراقبون خروجًا عن النهج التقليدي للسياسة الخارجية المصرية، وإقحامًا للدولة في استقطابات إقليمية حادة.

120322-bea8160f-4b2b-4db1-b392-c08c08a7534e

وفي الملف الفلسطيني، حاولت الجماعة تقديم خطاب سياسي مختلف عن الثوابت التي التزمت بها الدولة المصرية لعقود، والقائمة على دعم حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن المؤسسات الدبلوماسية حافظت على الموقف الرسمي للدولة خلال المحافل الدولية.

كما تعرضت عدد من الزيارات الخارجية لمحمد مرسي لانتقادات إعلامية وسياسية، بسبب ما اعتبره مراقبون ضعفًا في الأداء الدبلوماسي وعدم القدرة على تقديم صورة تعكس ثقل الدولة المصرية ومكانتها التاريخية.

30 يونيو.. بداية استعادة الدور المصري

مثلت ثورة 30 يونيو نقطة تحول في مسار السياسة الخارجية المصرية تحت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث تبنت الدولة نهجًا قائمًا على تنويع العلاقات الدولية، وعدم الانحياز لمحور واحد، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني، بما ساهم في استعادة الثقة في الدور المصري على المستويين الإقليمي والدولي.

وخلال السنوات التالية، نجحت القاهرة في بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، فعززت تعاونها مع الولايات المتحدة، ووسعت شراكاتها مع روسيا والصين، كما طورت علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، في إطار سياسة تقوم على تنويع الشراكات بما يخدم المصالح الوطنية.

القضية الفلسطينية.. عودة مصر إلى موقع الوسيط الرئيسي

برزت مصر خلال السنوات الأخيرة كأحد أهم الأطراف الفاعلة في القضية الفلسطينية، حيث قادت جهود وقف إطلاق النار في أكثر من محطة، واستضافت جولات التفاوض بين الأطراف المختلفة، كما لعبت دورًا رئيسيًا في إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مع تمسكها بحل الدولتين باعتباره الأساس لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

ومع تصاعد الحرب على قطاع غزة، كثفت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية، ورفضت بشكل قاطع أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، وأكدت أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق السلام.

ليبيا.. دعم الدولة الوطنية

وفي الملف الليبي، تبنت مصر سياسة تقوم على الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية التي تهدد استقرار البلاد.

واستضافت القاهرة اجتماعات بين الفرقاء الليبيين، ودعمت مسارات التسوية السياسية، مع التأكيد على أن استقرار ليبيا يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري.

عودة قوية إلى إفريقيا

بعد سنوات من تراجع الحضور المصري داخل القارة الإفريقية، شهدت العلاقات المصرية الإفريقية نشاطًا واسعًا عقب 30 يونيو، من خلال تكثيف الزيارات الرئاسية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، والمشاركة الفاعلة في القمم الإفريقية، إلى جانب دعم مشروعات البنية التحتية والتكامل الاقتصادي مع دول القارة.

كما أولت الدولة اهتمامًا متزايدًا بملف مياه النيل، عبر تحركات دبلوماسية مكثفة، بالتوازي مع الحفاظ على حقوق مصر المائية، في إطار القانون الدولي ومبدأ عدم الإضرار.

مصر لاعب مؤثر في القضايا الدولية

ولم يقتصر الحضور المصري على محيطه الإقليمي، بل امتد إلى العديد من القضايا الدولية، حيث أصبحت القاهرة شريكًا مهمًا في ملفات مكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، والأمن الغذائي، والتغير المناخي.

كما عززت مصر حضورها الاقتصادي والدبلوماسي من خلال الانضمام إلى تجمعات اقتصادية دولية، وتوسيع شراكاتها مع مختلف دول العالم، بما يعكس سياسة خارجية تقوم على الانفتاح والتوازن، بعيدًا عن سياسة المحاور.

من الارتباك إلى التوازن

تكشف المقارنة بين عام حكم جماعة الإخوان والسنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو عن اختلاف واضح في فلسفة إدارة السياسة الخارجية. فبينما شهدت المرحلة الأولى ارتباكًا في إدارة عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وما صاحبه من أزمات دبلوماسية أثارت انتقادات واسعة، اتجهت الدولة المصرية بعد 30 يونيو إلى ترسيخ سياسة خارجية تقوم على حماية المصالح الوطنية، وتنويع الشراكات، واستعادة دور مصر التقليدي في محيطها العربي والإفريقي والدولي.

وأصبحت القاهرة اليوم طرفًا رئيسيًا في جهود تسوية الأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والملف الليبي، والأزمة السودانية، إلى جانب دورها المتنامي في القضايا الدولية، وهو ما يعكس حرص الدولة على استعادة مكانتها كفاعل رئيسي في تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة، وترسيخ سياسة خارجية تقوم على التوازن واحترام ثوابت الدولة ومصالحها الوطنية.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة