أمام بالأوقاف خريج دفعة الأكاديمية العسكرية: رحلتي الدراسية أعادت تشكيل ذاتي بدأت بالمشقة وانتهت بالإدراك
الأحد، 28 يونيو 2026 02:04 م
منال القاضي
قال الشيخ محمود علي أحمد توغان، إمام بوزارة الأوقاف، وأحد خريجي دفعة الأكاديمية العسكرية التي أُطلق عليها اسم دفعة الشيخ حسن العطار، والحاصل على مركز ضمن العشرة الأوائل على مستوى محافظة قنا، من مركز أبو تشت، قرية المجارزة: "لم تكن هذه التجربة بالنسبة إليَّ مجرد مرحلة دراسية أو تدريبية عابرة، بل كانت رحلة حقيقية لإعادة تشكيل الذات؛ رحلة بدأت بالمشقة، وانتهت بالإدراك.
وأضاف في بداية التجربة كان الانتقال من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية انتقالًا بالغ الصعوبة؛ لما تفرضه المؤسسة العسكرية من انضباط صارم، والتزام لا يعرف التهاون، ودقة في كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية، غير أن ما بدا في أوله ثقيلًا على النفس، تحوّل مع مرور الأيام إلى أسلوب حياة، ثم إلى قيمة راسخة أصبحت جزءًا من تكويني وشخصيتي.
ولعل أبرز ما خرجت به من هذه التجربة يتمثل في عدد من الدروس التي ستظل ملازمة لي ما حييت:
أولًا: قيمة الوقت.
هناك تعلمت أن الدقيقة ليست مجرد زمن يمر، بل مسؤولية ورسالة وغاية. وأدركت أن الوقت يتسع للعلم، والقراءة، والثقافة، وبناء الذات، متى تحرر الإنسان من أسر اللهو وضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، التي تستنزف الأعمار دون أن يشعر أصحابها.
ثانيًا: اتساع رسالة الإمام.
أيقنت أن رسالة الإمام لا ينبغي أن تقف عند حدود التخصص الشرعي، مهما بلغت دقته وأهميته، وإنما تمتد إلى فهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها، وإدراك كيفية تنزيلها على واقع الناس ومستجدات العصر. ولهذا حظينا بدراسة المقاصد الشرعية على يد فضيلة المفتي، إلى جانب نخبة من كبار العلماء، كما تلقينا برامج مكثفة في العلوم السياسية، والاجتماعية، والثقافية، واللغوية، والتقنية؛ إيمانًا بأن الإمام المعاصر لا يكتفي بالعلم، بل يحتاج إلى وعي واسع يحيط بقضايا مجتمعه ويؤهله لحسن التعامل معها.
ثالثًا: العناية باللياقة البدنية.
لم تكن اللياقة البدنية نشاطًا ترفيهيًا، وإنما جزءًا أصيلًا من البرنامج اليومي، تغرس في الإنسان معاني الصبر، وقوة الإرادة، والانضباط، وتحمل المسؤولية، وتؤكد أن العقل السليم لا ينفصل عن الجسد السليم.
رابعًا: ثقافة التوازن الصحي.
كان للنظام الغذائي المدروس دور مهم في ترسيخ مفهوم التوازن، إذ يجمع بين المحافظة على الصحة، ومراعاة متطلبات السلامة، والالتزام بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ليصبح الاهتمام بالبدن جزءًا من رسالة الإنسان تجاه نفسه.
خامسًا: توسيع الأفق العلمي والفكري.
أتاحت لنا هذه التجربة فرصة اللقاء بكوكبة من العلماء، والمفكرين، والأدباء، والقادة، وهو ما وسّع الأفق، وأشعل جذوة الشغف بالبحث والتطوير والتجديد. وكان من توفيق الله أن جاء موضوع بحثنا حول رائد التجديد في عصره، فضيلة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، وهي شخصية تمثل نموذجًا مضيئًا للجمع بين الأصالة والانفتاح الواعي.
سادسًا: العدالة والانضباط.
لمست عن قرب أن العدالة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية ليست شعارًا يُرفع، بل مبدأ يُمارس؛ فلا مكان للمحاباة أو التمييز، فالمجتهد يُكرَّم، والمقصر يُحاسب، أيًّا كان موقعه أو مكانته. وهي قيمة عظيمة تترك أثرًا عميقًا في شخصية الإنسان، وتنعكس على سلوكه في مختلف مراحل حياته.
ويبقى أعظم ما كسبته من هذه الرحلة تلك الصحبة الصالحة التي جمعتنا بعيدًا عن كل مظاهر التصنع؛ فهناك تتجرد النفوس من الألقاب والمظاهر، ولا يبقى إلا المعدن الحقيقي للإنسان. عشنا إخوة تجمعنا المسؤولية، وتقوينا الشدائد، ونتقاسم الأفراح قبل الأتراح، حتى غدونا كالجسد الواحد.
ثم جاءت لحظة التخرج، بتشريف السيد الرئيس، ودولة رئيس مجلس الوزراء، لتكون مسك ختام هذه الرحلة، وتتويجًا لها، ووسام فخر واعتزاز لأبناء وزارة الأوقاف، الذين يشاركون إخوانهم في القوات المسلحة رسالة وطنية واحدة؛ فكلانا يقف على جبهة واحدة، ويسعى إلى هدف واحد، هو حماية الهوية الدينية والوطنية، وصون البلاد، ونفع العباد.
وختم بقوله "أسأل الله تعالى أن يجعل ما تعلمناه عونًا لنا على أداء رسالتنا، وأن يوفقنا جميعًا لخدمة ديننا ووطننا، وأن يحفظ مصر وأهلها من كل سوء".