شاهد على المواجهة

اللواء عادل عزب مدير إدارة مكافحة الإرهاب بالأمن الوطني سابقًا يكشف لـ" صوت الأمة" أخطر ملفات الإخوان الإرهابية

السبت، 04 يوليو 2026 04:40 م
اللواء عادل عزب مدير إدارة مكافحة الإرهاب بالأمن الوطني سابقًا يكشف لـ" صوت الأمة" أخطر ملفات الإخوان الإرهابية
الزميلة دينا الحسيني مع اللواء عادل عزب مدير إدارة مكافحة الإرهاب بقطاع الأمن الوطني سابقا
أجرى الحوار / دينا الحسيني

- 30 يونيو ثورة شعبية أنقذت الدولة وحركها الوازع الوطني للمصريين والخوف على البلد

- "الإرهابية" تخوض اليوم معركة على ذاكرة الأجيال.. ولم تقدم مراجعة فكرية واحدة طوال تاريخهم

- قضية مليشيات الأزهر تضمنت وثائقها خطة "رابعة والنهضة".. وأحداث 2011 رتب لها الإخوان منذ 2004 عبر خطة "شوكة النكاية"

- الجماعة الإسلامية والجهاد والقاعدة خرجوا من عباءة الفكر الإخوانى.. والتنظيم أطاح بـ"حبيب" وأبو الفتوح لفرض سيطرة التيار "القطبي"

 

بالتزامن مع الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، التي مثّلت نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، نواصل توثيق واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد، من خلال شهادات ووثائق وروايات من عاصروا تلك الأحداث من مواقع المسؤولية.

وفي هذا الإطار، أجرت «صوت الأمة» حوارًا مطولًا مع اللواء عادل عزب، مدير إدارة مكافحة الإرهاب بقطاع الأمن الوطني سابقًا، وأحد أبرز الضباط الذين تولوا متابعة ملف جماعة الإخوان الإرهابية والتنظيمات المتطرفة على مدار عقود، وكان شاهدًا على تطور نشاطها منذ تسعينيات القرن الماضي، مرورًا بأحداث عام 2011، وفترة حكم المعزول محمد مرسي، وصولًا إلى ثورة 30 يونيو 2013 وما أعقبها من موجة عنف استهدفت مؤسسات الدولة.

وخلال الحوار، يكشف اللواء عزب، استنادًا إلى خبرته العملية وشهاداته أمام جهات التحقيق والمحاكم، كواليس تطور التنظيمات المسلحة التي خرجت من رحم جماعة الإخوان، واستراتيجية «التمكين»، وآليات عمل التنظيم، وأبرز القضايا التي باشرها خلال سنوات عمله بجهاز أمن الدولة سابقًا وقطاع الأمن الوطني لاحقًا، كما يتناول رؤيته للأحداث التي سبقت ثورة يناير 2011، وفترة حكم جماعة الإخوان، وما أعقب ثورة 30 يونيو من أعمال عنف استهدفت المواطنين ورجال الجيش والشرطة والقضاء، إلى جانب تقييمه لأداء الجماعة خلال فترة وجودها في السلطة، وانعكاسات تلك المرحلة على الأوضاع الداخلية والسياسة الخارجية المصرية.. وإلى نص الحوار..

متى بدأت مسؤوليتكم عن متابعة نشاط جماعة الإخوان؟ وكيف تطورت خبرتكم في هذا الملف حتى أصبحت شاهدًا على أهم محطاته؟

خرجت إلى المعاش عام 2017 بعد رحلة طويلة في جهاز الأمن الوطنى "أمن الدولة سابقاً"، بدأت عملي في متابعة النشاط الشيوعي عام 1987، ثم انتقلت عام 1990 إلى ملف جماعة الإخوان، وظللت مسؤولًا عن متابعته حتى نهاية خدمتي. وخلال هذه الرحلة لم أتابع جماعة الإخوان فقط، بل أيضًا التنظيمات التي خرجت من عباءتها أو تأثرت بفكرها، واطلعت على آلاف الوثائق، وشاركت في تحقيقات وقضايا عديدة، وقدمت شهادتي أمام القضاء في عدد من أخطر قضايا الإرهاب والتخابر، لذلك فإن ما أطرحه يستند إلى خبرة ميدانية ووثائق عاصرتها بنفسي.

كان مديري آنذاك اللواء أحمد رأفت، صاحب مبادرة وقف العنف عام 1997، التي أنهت موجة العنف التي قادتها الجماعة الإسلامية، بعد سنوات من العمليات الإرهابية التي بدأت بحادث مديرية أمن أسيوط عام 1981، ومن خلال عملي، تكوَّن لديَّ اعتقاد بأن الجماعة الإسلامية كانت الجناح العسكري غير المعلن للإخوان، ثم ظهرت تنظيمات مثل الجهاد، والتوقف والتبين، والناجون من النار، وصولًا إلى القاعدة، وجميعها خرجت من عباءة فكر الإخوان أو تأثرت به.

وبعد الضربات التي تعرضت لها الجماعة، خاصة عقب كشف "النظام الخاص" في واقعة السيارة الجيب عام 1948، ثم محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في المنشية عام 1954، أدركت أن وجود تنظيم مسلح معلن يمثل نقطة ضعف، لذلك اتجهت، مع خروج عناصرها من المعتقلات في عهد الرئيس أنور السادات، إلى إنشاء تنظيمات مسلحة تعمل خارج هيكلها الرسمي.

ففي الأربعينيات كان لديها "النظام الخاص" بقيادة عبد الرحمن السندي، ثم ظهر تنظيم يوسف طلعت، وبعده تنظيم سيد قطب، بينما انشغلت الجماعة منذ السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات بإعادة بناء تنظيمها وفق استراتيجية جديدة.

e769f2ba-1ba1-4840-9a12-f625aaa17c48
 

كيف تقرأ مرحلة التسعينيات في تاريخ جماعة الإخوان؟ وهل كانت مجرد مرحلة عنف، أم أنها شهدت إعادة بناء التنظيم تمهيدًا للتمكين؟

تمثل بداية التسعينيات محطة فارقة في تاريخ الجماعة، لأنها شهدت أول ضربة حقيقية للتنظيم منذ قضية عام 1965، وذلك في القضية رقم 87 لسنة 1992، المعروفة إعلاميًا بقضية "سلسبيل".

ورغم ارتباط القضية بشركة سلسبيل المملوكة لخيرت الشاطر، فإن الوثائق المضبوطة كشفت أنها لم تكن مجرد شركة، بل إحدى أذرع التنظيم، كما كشفت مخططات للتمكين والتغلغل داخل مؤسسات الدولة، وهو ما أدى إلى ضبط الشاطر وعدد من قيادات الجماعة.

وبعد هذه الضربة، تصاعدت العمليات الإرهابية، وأرى أنها استهدفت ضرب السياحة والاقتصاد، وإشغال الأجهزة الأمنية بمواجهة التنظيمات المسلحة، بما أتاح للجماعة فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، لذلك أرى أن قراءة التسعينيات من زاوية الإرهاب وحدها لا تكفي، لأن الجماعة كانت تتحرك على محورين متوازيين؛ إعادة بناء تنظيمها واستكمال التغلغل داخل مؤسسات المجتمع والدولة تمهيدًا لمرحلة "التمكين"، مع الاستفادة من التنظيمات المسلحة المرتبطة بها أو المتأثرة بفكرها لتشتيت جهود الدولة.

وتعد قضية "سلسبيل"، امتدادًا لواقعة السيارة الجيب عام 1948؛ فكما كشفت السيارة الجيب التنظيم السري، كشفت "سلسبيل" خطة التمكين، التي تبدأ ببناء الفرد، ثم الأسرة، فالمجتمع، ثم التغلغل داخل مؤسسات الدولة وصولًا إلى الحكم، باعتباره مرحلة تسبق ما تسميه الجماعة "الخلافة الإسلامية" ثم "أستاذية العالم".

ومنذ عام 2004 دخلت الجماعة، مرحلة جديدة بدأت بتفجيرات طابا وشرم الشيخ، ثم تفجير منطقة الحسين، وصولًا إلى أحداث 2011 وما أعقب ثورة 30 يونيو 2013، وأرى أن هذه المرحلة ارتبطت بما أسمته الجماعة "شوكة النكاية"، القائمة على إنهاك الدولة بضربات متفرقة تمهيدًا للانتقال إلى "إدارة التوحش"، التي شهدت اقتحام الحدود والسجون وأعمال العنف.

كما تخللت هذه المرحلة ما سُمي بـ"الجهاد الشعبي"، عبر المظاهرات والتنسيق مع حركة كفاية، إلى جانب اتصالات ولقاءات تنظيمية قُدمت للمحكمة ضمن محاضر القضايا، كذلك كشفت القضية رقم 2 لسنة 2007 جنايات عسكرية، المعروفة إعلاميًا بقضية "ميليشيات الأزهر"، والمتهم فيها خيرت الشاطر، عن وثائق تضمنت، بحسب أحراز القضية، بنودًا تتعلق بالتخلي عن السلمية، والاستعداد لحمل السلاح، والإعداد لاعتصامات مسلحة في ميادين القاهرة الكبرى، وهو ما أرى أنه تجسد لاحقًا في اعتصامي رابعة والنهضة بعد 30 يونيو.

 

هل تعتقد أن قوة جماعة الإخوان الإرهابية ارتبطت بقيادات بعينها، أم أن سر استمرارها يكمن في بنية التنظيم وآلية عمله؟

من الخطأ اختزال جماعة الإخوان في أسماء قياداتها، لأن التنظيم منذ تأسيسه لم يقم على فكرة الزعامة الفردية، وإنما على الولاء للشخصية الاعتبارية للتنظيم. فجميع القيادات، بمن فيهم المرشد العام، ينفذون سياسات التنظيم، ولا يملكون تغيير مشروعه الاستراتيجي أو الخروج عليه.

واستثناءً من حسن البنا باعتباره المؤسس، وسيد قطب باعتباره المنظّر الفكري، لم تظهر طوال ما يقرب من قرن قيادة استطاعت فرض رؤيتها أو تغيير المسار الاستراتيجي للجماعة. فالبيعة، في حقيقتها، للتنظيم لا للمرشد، ولذلك لا تسمح الجماعة ببروز أي شخصية تنافس هاتين المرجعيتين.

ومن ثم، فإن الخلافات بين القيادات لا تعني بالضرورة انقسام التنظيم أو نهايته، لأنه يمتلك آليات لإعادة ترتيب صفوفه واستبدال قياداته مع الحفاظ على مشروعه. ولهذا أرى أن الصراع الحالي بين محمود حسين وصلاح عبد الحق لا يتجاوز صراعًا على الواجهة، بينما يواصل التنظيم إعادة ترتيب أوراقه.

وتقوم المرجعية الفكرية للجماعة على مدرستي حسن البنا وسيد قطب، وقد تجلى ذلك في انتخابات مكتب الإرشاد عام 2010، عندما أُقصي محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح، رغم دورهما في إعادة بناء الجماعة منذ السبعينيات، ليصبح مكتب الإرشاد خاضعًا للتيار القطبي، في إطار رؤية أرى أنها استهدفت تهيئة الجماعة لمرحلة 2011 وتحقيق انسجام فكري مع الفصائل المتطرفة التي تتبنى أفكار سيد قطب.

وهذه الواقعة، في تقديري، تؤكد أن القرار داخل الجماعة لا يرتبط بالأشخاص؛ فالقبض على محمود عزت لم يؤدِ إلى انتهاء التنظيم، كما استُخدم محمد كمال في تنفيذ قرارات تنظيمية ثم جرى الاستغناء عنه، والأمر نفسه ينطبق على يحيى موسى، وخيرت الشاطر، وعبد الرحمن السندي.

لذلك أؤكد أن قوة جماعة الإخوان لا تكمن في قياداتها، وإنما في بنيتها التنظيمية، فجميع الأسماء، مهما اختلفت أدوارها، تبقى أدوات داخل تنظيم يتحرك وفق رؤية ثابتة، لا وفق إرادة الأفراد.

 

كيف تفسر حصول الإخوان على أكبر تمثيل برلماني في انتخابات 2005؟ وهل كان ذلك نتيجة سياسة الاحتواء؟

لفهم ما جرى عام 2005، لا بد من النظر إلى تاريخ تعامل الأنظمة المصرية المتعاقبة مع جماعة الإخوان. فعلى مدار عقود جُرِّبت سياسات الاحتواء، والترويض، و«العصا والجزرة»، لكنها، لم تنجح في تغيير فكر الجماعة أو أهدافها، ففي عهد الملك فاروق استُخدمت الجماعة كفزاعة في مواجهة حزب الوفد، ثم جاء الرئيس جمال عبد الناصر وانتهج سياسة الاحتواء، وحاول إشراكها في المشهد السياسي، بالتزامن مع حل الأحزاب الوطنية، وهو ما أراه إحدى السقطات السياسية في تلك المرحلة. وكان سيد قطب المدني الوحيد الذي يحضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة قبل أن يتكشف انتماؤه للجماعة، ثم وقع الخلاف الذي انتهى بمحاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادث المنشية.

وبعد ذلك اتبع الرئيس أنور السادات سياسة الترويض، بينما انتهج الرئيس الأسبق حسني مبارك سياسة «العصا والجزرة». ورغم اختلاف الأساليب، فإنها، في رأيي، لم تنجح في تغيير فكر الجماعة أو دمجها في مفهوم الدولة الوطنية.

وفي هذا السياق جاءت انتخابات 2005، إذ كان هناك تصور بأن منح الجماعة مساحة أوسع للمشاركة السياسية سيدفعها إلى الاندماج في العمل العام، لكن ما حدث أثبت أنها كانت تنظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها وسيلة ضمن مشروع أكبر، وليس غاية في حد ذاتها.

والدليل، أن السنوات التالية شهدت أحداث 2011، واقتحام مقار جهاز أمن الدولة، وأقسام ومراكز الشرطة، والسجون، ثم وصول الجماعة إلى الحكم، وما تخلل فترة حكم محمد مرسي من أحداث، وصولًا إلى ثورة 30 يونيو 2013، لذلك أرى أن المشكلة لم تكن في حجم التمثيل البرلماني الذي حققته الجماعة عام 2005، وإنما في الاعتقاد بأن المشاركة السياسية وحدها يمكن أن تغيّر طبيعة تنظيم يمتلك مشروعًا يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

79bb4ad3-d1dc-4b84-9a7d-99e3c2c25941
 

شهدت في قضيتي التخابر واقتحام الحدود والسجون، واستغرقت شهادتكم أمام المحكمة.. ماذا كشفت خلالها؟

عندما وقفت أمام المحكمة، كنت أدرك أنني لا أقدم رأيًا سياسيًا، وإنما شهادة تستند إلى وقائع ووثائق وأدلة، لأن الكلمة أمام القضاء مسؤولية.

أدليت بشهادتي الأولى في 27 مارس 2013، بينما كان محمد مرسي لا يزال رئيسًا للجمهورية، في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية التخابر، وتناولت خلالها وقائع اقتحام الحدود والسجون والهروب من سجن وادي النطرون، وتركت للمحكمة وحدها سلطة تقدير الأدلة.

وبعد ثورة 30 يونيو، أدليت بشهادتي مرة أخرى أمام المستشار شعبان الشامي، رحمه الله، ضد مرسي وعدد من القيادات الإخوانية، ثم بشهادة ثالثة بعد إحالتي إلى التقاعد أمام المستشار محمد شيرين فهمي.

واستغرقت شهادتي 12 جلسة، لأن القضية لم تكن تتعلق بواقعة واحدة، بل بسلسلة مترابطة من الأحداث، كان من الضروري عرضها في سياقها الكامل مدعومة بالوثائق والمستندات.

وأهم ما حرصت على إثباته أن ما شهدته مصر لم يكن أحداثًا متفرقة، وإنما سبقته، بحسب ما عرضته في شهادتي، وثائق تنظيمية، وخطط، ومحاضر اجتماعات في الداخل والخارج قُدمت إلى جهات التحقيق، ورأيت أنها تشير إلى أن جماعة الإخوان رتبت لأحداث عام 2011 منذ عام 2004، وأن وصولها إلى الحكم عام 2012 لم يكن نتيجة تطورات سياسية مفاجئة، وإنما جاء وفق ترتيبات بدأت قبل ذلك بسنوات.

وأرى أن القيمة الحقيقية لهذه الشهادة أنها وثّقت واحدة من أخطر مراحل تاريخ مصر الحديث، استنادًا إلى ما عاصرته بنفسي وما قُدم إلى القضاء من وثائق وأدلة.

 

لا تزال جماعة الإخوان تروج حتى الآن لرواية مفادها أن ثورة 30 يونيو كانت ترتيبًا أمنيًا وليست إرادة شعبية. كيف تردون على هذه الرواية؟

هذه الرواية، في تقديري، تتناقض مع الوقائع التي اطلعت عليها بحكم عملي وما قدمته أمام القضاء. فقد تضمنت قضية التخابر ثلاثة خطابات رسمية صادرة عن ثلاثة أجهزة أمنية مختلفة، كانت تحذر محمد مرسي قبل 30 يونيو من تصاعد الغضب الشعبي، وتدعوه إلى مراجعة سياساته واحتواء الاحتقان خشية تداعياته على الدولة.

ومن هنا أطرح سؤالًا: إذا كانت مؤسسات الدولة تحذر مرسي من انفجار الشارع، فكيف تكون هي نفسها من دبرت ما وصفته الجماعة لاحقًا بالانقلاب؟ أنا أرى أن ما حدث كان انقلابًا في الرأي العام على جماعة الإخوان، وليس انقلابًا على إرادة الشعب.

كما قدمت أمام المحكمة وثائق تتعلق بمحاولات تهريب مستندات سرية تخص تسليح الجيش المصري ووثائق من خزانة رئاسة الجمهورية إلى خارج البلاد، وأُحبطت تلك المحاولات. وكان من بين المتهمين أسماء الصيرفي، ابنة أمين الصيرفي مدير مكتب محمد مرسي، إلى جانب مضيف، كما جرى تتبع التحويلات البنكية المرتبطة بالقضية.

ومن وجهة نظري، كانت ثورة 30 يونيو ثورة شعبية خالصة، شارك فيها المصريون بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم، وهو ما يصعب تصوره باعتباره نتاج ترتيب أمني. وأتذكر أنني كنت في محطة مصر قبل 30 يونيو لمتابعة وصول قطارات من المحافظات، ولم نكن نعلم موقف ركابها، لكنهم ما إن وصلوا حتى احتضنوا رجال الشرطة ورددوا لأول مرة شعار: "الشرطة والجيش والشعب إيد واحدة". كما أتذكر أن إحدى السيدات سألتني: "أنتم معانا في 30 يونيو ولا ضدنا؟ لأننا نازلين وكل المصريين نازلين"، فأجبتها: "إحنا معاكم"، وهي مواقف أراها تعبيرًا عن حالة اصطفاف ووعي شعبي غير مسبوقة.

وأعتقد أيضًا أن من العوامل التي جنبت البلاد سيناريو أكثر خطورة قرار مكتب الإرشاد بعدم مشاركة عناصر الجماعة في مظاهرات 30 يونيو، والتوجه بدلًا من ذلك إلى اعتصام رابعة العدوية، لذلك أؤكد أن مؤسسات الدولة آنذاك لم تكن تخشى على نظام أو شخص، وإنما على الدولة المصرية، ولهذا جاءت تحذيراتها للرئيس قبل 30 يونيو، وأرى أن 30 يونيو لم تكن ثورة صنعتها الدولة، وإنما ثورة أنقذت الدولة.

 

ألا ترون أن ما تطرحه الجماعة الإرهابية بين الحين والآخر تحت مسمى "المراجعات الفكرية" يمثل تحولًا حقيقيًا في أفكارها؟ 

أتحفظ على استخدام مصطلح "المراجعات الفكرية" في وصف ما تطرحه جماعة الإخوان، لأن المراجعة الفكرية لها شروط واضحة؛ تبدأ بالاعتراف الصريح بالأخطاء، ثم مراجعة الأسس الفكرية التي أدت إليها، وإعلان ذلك للرأي العام، وهذا ما فعلته الجماعة الإسلامية في مبادرة وقف العنف خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما أصدر مجلس شوراها 22 كتابًا راجع فيه أفكاره، واعترف بأخطائه، وشارك فيها عدد من قياداتها، بينهم ناجح إبراهيم، وهو ما جعلها مراجعات فكرية حقيقية.

أما جماعة الإخوان، فلم تعترف طوال تاريخها بأي خطأ في منهجها أو أفكارها، ولم تراجع الأسس التي قامت عليها، بل اقتصر ما طرحته على أفكار تتعلق بالعودة إلى المشهد تحت مسميات وترتيبات جديدة، وهو ما أراه إعادة تموضع سياسي وتنظيمي، لا مراجعة فكرية.

ويؤكد ذلك، في تقديري، أنها لم تتقبل حتى مراجعات التيارات القريبة منها؛ فبعد وصول محمد مرسي إلى الحكم، أقصي عاصم عبد الماجد مجلس شورى الجماعة الإسلامية، كما ظل التنظيم، ينقلب على كل من يخالفه في الرأي.

وخلال السنوات الأخيرة، اقتصر طرح الجماعة على العودة مقابل عدم ممارسة العمل السياسي لمدة 12 عامًا، وعندما يطرح أحد قياداتها، مثل حلمي الجزار، هذا التصور، فإنني أراه مناورة سياسية، لا مراجعة فكرية.

وأرى أن الدولة المصرية لا تمانع الحوار مع أي طرف على أرضية وطنية، لكن جماعة الإخوان الإرهابية لم تطرح مراجعات حقيقية، كما أن التجربة أثبتت، في تقديري، أن سياسات الاحتواء، والتحييد، والتحجيم، والترويض، في مصر وعدد من الدول العربية، لم تنجح في تغيير طبيعة التنظيم أو أهدافه.

ومن وجهة نظري، فإن الوصول إلى الحكم لم يكن الهدف النهائي للجماعة، بل مرحلة ضمن مشروع أكبر يهدف إلى استخدام السلطة أداةً للضغط على الأنظمة وتعطيل مساراتها، مع إزاحة القوى الوطنية وإحلال تيارات الإسلام السياسي محلها، ضمن ما أعتبره مخططًا أوسع.

 

كيف تنظرون إلى الانقسامات التي يشهدها تنظيم الإخوان في الخارج؟ وهل تعكس هذه الانقسامات ضعفًا حقيقيًا داخل التنظيم؟ 

لا ينبغي النظر إلى الانقسامات التي يشهدها تنظيم الإخوان من زاوية الأشخاص، وإنما من زاوية مصلحة التنظيم. فقد اعتادت الجماعة، عبر تاريخها، إعادة ترتيب أوراقها كلما تعرضت لأزمات، مع تغيير الوجوه وآليات العمل، بينما يظل الفكر والهدف الاستراتيجي ثابتين، لذلك أرى أن الخطأ الأكبر هو اعتبار كل خلاف داخل الجماعة انشقاقًا حقيقيًا أو مقدمة لنهايتها. فمن وجهة نظري، دأبت الجماعة بعد كل أزمة على إظهار حالة من الانقسام لمناورة الأنظمة وامتصاص الضغوط، حتى وإن تطلب ذلك التضحية ببعض كوادرها، حفاظًا على بقاء التنظيم.

ولهذا، فإن ظهور أجنحة بقيادة محمود حسين، وصلاح عبد الحق، وأشرف عبد الغفار، لا يعني بالضرورة أن التنظيم تفكك، لأن المعيار الحقيقي هو تغير الفكر والأهداف، وهو ما لا أرى أنه حدث.

والتاريخ يقدم أمثلة على ذلك؛ فبعد أحداث عام 1965 أصدر حسن الهضيبي كتاب «دعاة لا قضاة» منتقدًا أفكار سيد قطب ورافضًا تكفير المجتمع، وهو ما أعتبره محاولة لاحتواء غضب النظام آنذاك، لكن الجماعة عادت لاحقًا إلى تدريس أفكار سيد قطب داخل التنظيم، بما يؤكد أن الخلاف لم يكن جوهريًا.

والأمر نفسه، تكرر مع حزب الوسط بقيادة أبو العلا ماضي وعصام سلطان، الذي أعلن انفصاله عن الجماعة في تسعينيات القرن الماضي، ثم أظهرت أحداث ما بعد عام 2011، من وجهة نظري، أن ما جرى كان إعادة ترتيب للأوراق أكثر منه انشقاقًا حقيقيًا.

 

لماذا تحرص الإخوان الإرهابية على إعادة تقديم رواية مختلفة لأحداث 30 يونيو، رغم مرور كل هذه السنوات؟ 

لأن معركة الجماعة لم تعد معركة على الأرض، وإنما أصبحت معركة على الذاكرة، فبعد أن فقدت وجودها في الشارع، أصبح رهانها الأساسي، في تقديري، هو التأثير في وعي الأجيال التي لم تعاصر تلك الأحداث، من خلال إعادة صياغة التاريخ وإنتاج رواية بديلة تُضعف الحقائق الراسخة، وتُرسخ خطاب المظلومية، وتزرع الشك لدى من لم يشهدوا ما جرى.

وهذه ليست المرة الأولى، التي تحاول فيها الجماعة إعادة كتابة التاريخ بما يخدم أهدافها، فقد سبق أن قدمت روايات مغايرة بشأن أحداث تعود إلى عام 1948، كما روجت خلال ستينيات القرن الماضي لروايات تختلف، عن حقيقة ما جرى.

واليوم تحاول، بالأسلوب نفسه، تقديم رواية مختلفة لأحداث 30 يونيو، بهدف التأثير في الأجيال الجديدة واستعادة التعاطف معها وإعادة تموضعها في المشهد.

لكنني أرى أن الحقائق الموثقة، وما شهدته الدولة المصرية خلال تلك المرحلة، وخروج ملايين المصريين إلى الشوارع، أمور يصعب طمسها أو إعادة صياغتها بما يخالف الواقع.

لذلك أقول دائمًا إن توثيق هذه المرحلة ليس دفاعًا عن الماضي، وإنما حماية للمستقبل، لأن ترك التاريخ يُكتب وفق الأهواء يطمس الحقيقة، ويفتح الباب لتكرار الأخطاء نفسها.

 

بعد كل ما عاصرتموه على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًا في متابعة هذا الملف، ما الرسالة التي تودون توجيهها للأجيال التي لم تعش تلك الأحداث؟

بعد ما عاصرته على مدار ما يقرب من ثلاثين عامًا، أدركت أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس الإرهاب أو العنف وحدهما، وإنما تزييف الوعي. فالرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما الفكرة المضللة فقد تُربك أجيالًا كاملة وتُغيّب قدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف، لذلك أؤمن أن حماية الدولة لا تقتصر على حماية حدودها، بل تمتد إلى حماية ذاكرتها الوطنية، لأن الأمم التي تنسى تاريخها، أو تسمح بتزييفه، تصبح أكثر عرضة لتكرار الأخطاء نفسها.

ورسالتي إلى الأجيال التي لم تعش تلك الأحداث هي: لا تكتفوا بما يُتداول على مواقع التواصل أو بالروايات المتداولة، بل ابحثوا عن الوثائق والحقائق، واقرؤوا التاريخ من مصادره، لأن وعي الأمم هو خط الدفاع الأول عن مستقبلها.

ولهذا أحرص على توثيق هذه المرحلة، ليس انشغالًا بالماضي، وإنما إيمانًا بأن قراءة التاريخ قراءةً صحيحة هي الضمانة الحقيقية لبناء المستقبل وحماية الدولة.

60d0f583-c46a-4d40-9958-234c28b81863

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق