الشعب حامي مصر.. تحية من القائد إلى المصريين: أنتم البطل الحقيقي
السبت، 04 يوليو 2026 05:36 م
ثلاث محطات جسدت دور المواطنيين في حماية الدولة:
خرجوا بالملايين في 30 يونيو ضد الفاشية الإخوانية
احتشدوا في الميادين لمنح الدولة تفويضا شعبيا لمواجهة الإرهاب
تحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادى الصعبة ويواصل الوقوف خلف القيادة
لم تكن السنوات التي أعقبت عام 2013 مجرد مرحلة سياسية عابرة في تاريخ مصر، بل مثلت واحدة من أكثر الفترات حساسية وتعقيدا، بعدما واجهت الدولة تحديات متزامنة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي خضم هذه التحديات، برز دور الشعب المصري باعتباره العنصر الحاسم في دعم استقرار الدولة والحفاظ على مؤسساتها، من خلال مواقف متتابعة عكست حضورا شعبيا في لحظات مفصلية، بدءا من الخروج بالملايين في 30 يونيو 2013، مرورا بتأييد جهود مواجهة الإرهاب، ووصولا إلى تحمل تبعات الإصلاح الاقتصادي، والضغوط العالمية التي فرضت واقعا اقتصاديا صعبا.
كانت بداية هذا المسار في الثلاثين من يونيو عام 2013، عندما خرج ملايين المصريين في مختلف المحافظات استجابة لدعوات طالبت بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بعد عام واحد فقط من تولي جماعة الإخوان الإرهابية الحكم، وشهدت البلاد خلال تلك الفترة حالة من الاستقطاب السياسي، رافقها جدل واسع حول طبيعة إدارة الدولة، ومستقبل مؤسساتها، وعلاقة السلطة بمختلف القوى السياسية والمجتمعية، الأمر الذي دفع المصريين للنزول إلى الشوارع، للتعبير عن رؤيتهم بشأن مستقبل البلاد، ورفضهم القاطع لحالة الأستثار بالحكم التي بدت من الجماعة، بالإضافة إلى الفشل في قدرتهم على تنفيذ أي من الوعود التي قطعتها على نفسها لإصلاح الدولة، فيما أسموه بـ "مشروع النهضة".
ولم يكن حجم المشاركة الشعبية في ذلك اليوم، مجرد رقم أو مشهد عابر، بل حمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، إذ أكد أن المواطن المصري أصبح طرفا مباشرا في رسم مسار الدولة، وأن الشارع كان قادرا على فرض نفسه باعتباره أحد أهم عناصر المعادلة السياسية، فقد خرجت الحشود في القاهرة والمحافظات المختلفة بصورة متزامنة، رافعة شعارات تؤكد تمسكها بالدولة الوطنية ورفضها استمرار حالة الانقسام، وهو ما جعل تلك اللحظة واحدة من أكثر اللحظات تأثيرا في التاريخ المصري الحديث.
ومع تصاعد الأحداث، أعلنت القوات المسلحة انحيازها لإرادة المواطنين، مؤكدة أنها استجابت لمطالب الشعب، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة اتسمت بإعادة ترتيب المشهد السياسي ووضع خارطة طريق تضمنت تعديلات دستورية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، في محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار.
بداية التحديات
لكن نهاية هذه المرحلة لم تكن نهاية التحديات، بل كانت بدايتها، فبعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، واجهت مصر، موجة عنيفة من العمليات الإرهابية التي استهدفت قوات الجيش والشرطة، إلى جانب استهداف منشآت حيوية ومدنية، في محاولة لإرباك الدولة وإضعاف مؤسساتها، ووجدت مصر نفسها أمام اختبار جديد، لم يعد يتعلق بإدارة الخلافات السياسية، وإنما بالحفاظ على الأمن القومي ومواجهة تنظيمات إرهابية سعت إلى نشر الفوضى وإثارة حالة من عدم الاستقرار، ولم تقتصر أهمية ذلك المشهد على حجم الحشود التي امتلأت بها الميادين والشوارع، وإنما ارتبطت أيضا بما حمله من رسالة تؤكد أن الشعب المصري كان يرى نفسه شريكا في تقرير مصير الدولة، فقد جاءت المشاركة من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، ومن محافظات متعددة، وهو ما عكس حالة من التوافق حول ضرورة البحث عن مخرج للأزمة السياسية التي كانت تمر بها البلاد آنذاك، وأظهر هذا الحراك أن الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، أصبح قضية تتجاوز الانتماءات السياسية الضيقة، وأن المواطنين اعتبروا استقرار الدولة يمثل أولوية لا يمكن التفريط فيها، كما رسخ هذا المشهد فكرة أن الإرادة الشعبية، تظل أحد أهم عناصر قوة الدولة في اللحظات المفصلية، عندما تتداخل التحديات السياسية مع المخاوف المرتبطة بمستقبل الوطن ووحدة مؤسساته.
تفويض في مواجهة الإرهاب
وهنا جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حينما -كان وزيرا للدفاع- في ذلك الوقت، للمواطنين بالنزول إلى الميادين لمنحه تفويضا شعبيا لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل، وهي الدعوة التي لاقت استجابة واسعة من المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية، ولم يكن التفويض في نظر كثيرين مجرد تظاهرة جماهيرية، وإنما رسالة سياسية تؤكد وجود ظهير شعبي للدولة في مواجهة التنظيمات المسلحة، وتعكس استعداد الشعب المصري لدعم الإجراءات الهادفة إلى استعادة الأمن والاستقرار.
وأصبح التفويض الشعبي إحدى المحطات البارزة، التي جسدت مشاركة الشعب المصري في تحمل مسؤولية حماية الدولة، بعدما أيقنوا أن المواجهة مع الإرهاب لا يمكن ان تقتصر فقط على القدرات العسكرية والأمنية، وإنما تحتاج أيضا إلى دعم مجتمعي واسع، يستطيع ترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات القادمة بقوة، فمع اتساع نطاق المواجهة، لم يكن الدور الشعبي مقتصر على المشاركة في مشهد التفويض، بل امتد ليشمل دعم جهود الدولة في مواجهة الفكر المتطرف، والتمسك باستمرار الحياة اليومية رغم التهديدات الأمنية التي شهدتها بعض المناطق، فقد أدرك الشعب المصري، أن الهدف من العمليات الإرهابية لم يكن استهداف أفراد أو منشآت بعينها، وإنما محاولة لبث الخوف وإرباك مؤسسات الدولة، والتأثير على ثقة المجتمع في قدرته على تجاوز الأزمة، ومن هنا، اكتسب تماسك الجبهة الداخلية أهمية كبيرة، حيث ساهمت حالة الالتفاف حول مؤسسات الدولة في تقليص التأثير النفسي للإرهاب، وأرسلت رسالة بأن المجتمع يرفض الانجرار إلى الفوضى أو السماح للجماعات المتطرفة بتحقيق أهدافها، فبالتوازي مع الجهود الأمنية والعسكرية، لعب الوعي المجتمعي دورا هام، في ترسيخ قيم الاستقرار ورفض العنف، وهو أحد العوامل التي ساعدت على نجاح الدولة في استعادة الأمن تدريجيا.
وخلال السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو، خاضت القوات المسلحة والشرطة عمليات مكثفة لملاحقة العناصر الإرهابية، خاصة في شمال سيناء، وأسفرت هذه العمليات عن تقليص قدرات التنظيمات المسلحة، واستعادة السيطرة على المناطق التي شهدت نشاطا إرهابيا، وفي الوقت نفسه، كان المصريون يتحملون تبعات هذه المواجهة، سواء من خلال التمسك بالحياة الطبيعية رغم التحديات الأمنية، أو عبر دعم مؤسسات الدولة في معركتها ضد الإرهاب.
صمود في مواجهة الأوضاع الاقتصادية
ومع تراجع العمليات الإرهابية تدريجيا، بدأت الدولة المصرية تواجه تحديا من نوع آخر، لا يقل صعوبة عن التحدي الأمني، وهو التحدي الاقتصادي، فقد ورثت الدولة أوضاعا اقتصادية معقدة، تمثلت في ارتفاع عجز الموازنة العامة، وتراجع الاحتياطي النقدي، وزيادة الضغوط على العملة المحلية، وزيادة الطلب على العملات الأجنبية وتوقف السياحة، وانخفاض دخل قناة السويس، إلى جانب مشكلات هيكلية تراكمت على مدار سنوات طويلة، وأصبحت الحاجة إلى تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل، محل نقاش واسع بين الخبراء وصناع القرار، خاصة مع استمرار الضغوط المالية وتزايد احتياجات الإنفاق العام.
وفي عام 2016، اتخذت الدولة مجموعة من القرارات الاقتصادية التي وصفها الخبراء الاقتصاديين، بأنها من الأصعب في تاريخها الحديث، وعلى رأسها تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة منظومة الدعم، إلى جانب تطبيق حزمة من الإصلاحات المالية والنقدية، وكانت تلك الإجراءات تحمل كلفة اجتماعية واضحة، إذ انعكست على الأسعار ومستويات المعيشة، وهو ما جعل المواطن المصري يتحمل أعباء كبيرة، خلال تلك المرحلة، ورغم صعوبة هذه القرارات، استمر الشعب المصري بكل قطاعاته وفئاته في التعامل معها، باعتبارها جزء من برنامج يستهدف معالجة اختلالات اقتصادية مزمنة، مع إدراك أن نتائج الإصلاح لن تظهر بصورة فورية، وإنما تحتاج إلى وقت حتى تنعكس على مؤشرات الاقتصاد الكلي، ومستويات الاستثمار والنمو.
وخلال تلك الفترة، حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة على الإشادة بتحمل المواطنين لهذه الإجراءات، مؤكدا أن الشعب المصري هو "البطل الحقيقي" لأنه تحمل نتائج قرارات اقتصادية صعبة، من أجل مستقبل أفضل للدولة وللمصريين والأجيال القادمة، ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير سياسي، بل جاء في سياق الإقرار بحجم الضغوط التي واجهتها الأسر المصرية، وبقدرتها على الصمود في ظل ظروف اقتصادية استثنائية.
ولم تمض سنوات قليلة، حتى واجه العالم أزمة جديدة مع انتشار جائحة كورونا، التي فرضت تحديات غير مسبوقة على الاقتصادات العالمية، وأدت الإجراءات الاحترازية إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في معظم دول العالم، بينما تأثرت قطاعات حيوية مثل السياحة والطيران والتجارة الدولية، وفي مصر، فرضت الجائحة ضغوطا إضافية على الاقتصاد، إلا أن القيادة السياسية سعت إلى اتخاذ إجراءات للتخفيف من آثارها، بالتوازي مع استمرار تنفيذ برامج الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر احتياجا، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فما إن بدأت الاقتصادات العالمية تتعافى تدريجيا من تداعيات الجائحة، حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، لتدخل الأسواق العالمية في موجة جديدة، من الاضطرابات، انعكست على أسعار الطاقة والحبوب وسلاسل الإمداد، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم في كثير من دول العالم، ومنها مصر، ووجد المواطن المصري نفسه أمام موجة جديدة، من الضغوط الاقتصادية، بعد سنوات من تحمل تبعات الإصلاح الاقتصادي، الأمر الذي جعل المرحلة أكثر تعقيدا، سواء بالنسبة للدولة أو للمواطنين، إلا أنه ورغم كل هذه التحديات المتلاحقة، ظل الخطاب الرسمي يؤكد أن قدرة الدولة على تجاوز الأزمات لم تكن تعتمد فقط على السياسات الاقتصادية أو الإجراءات الحكومية، وإنما أيضا على وعي المواطنين وتحملهم وصبرهم في مواجهة الظروف الاستثنائية، باعتبار أن التحديات التي فرضتها المتغيرات الدولية، تجاوزت حدود أي دولة بمفردها، وأثرت على اقتصادات العالم بأسره.
ولم تتوقف التحديات عند حدود جائحة كورونا أو تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، بل جاءت التطورات الإقليمية المتلاحقة لتضيف ضغوطا جديدة على الاقتصاد المصري، سواء نتيجة اضطراب حركة التجارة العالمية، أو ارتفاع تكاليف النقل والشحن، أو تراجع إيرادات بعض القطاعات الحيوية في فترات مختلفة، وأصبحت الدولة المصرية، مطالبة بالتعامل مع متغيرات خارجية متسارعة، بينما كان المواطن في الوقت نفسه يواجه ارتفاعا في أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي فرض على المجتمع بأكمله اختبارا جديدا لقدرته على الصمود، لكن في ظل كل هذه الظروف المجتمعة، برزت أهمية التماسك المجتمعي، باعتباره أحد العوامل التي ساعدت الدولة على التعامل مع تلك الأزمات، فالمواطن المصري، الذي سبق أن شارك في لحظات سياسية فارقة، وساند الدولة في معركتها ضد الإرهاب، وجد نفسه أمام مسؤولية مختلفة، تتمثل في تحمل أعباء اقتصادية، فرضتها ظروف داخلية وخارجية متشابكة، ورغم ما صاحب هذه المرحلة من تحديات معيشية، فإن المجتمع حافظ على استقرار الدولة، وهو ما انعكس على استمرار المؤسسات في أداء مهامها، ومواصلة تنفيذ خططها الاقتصادية.
ولم يكن ذلك يعني غياب الصعوبات أو التقليل من تأثيرها على المواطنين، بل إن القيادة السياسية أكدت مرارا أن الإجراءات الاقتصادية كانت قاسية، وأن آثارها تحملها المواطن المصري في المقام الأول، وفي أكثر من مناسبة، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الشكر للمصريين على صبرهم، مؤكدا أن ما تحقق من قدرة على تجاوز الأزمات يعود في جانب كبير منه إلى وعي المواطنين وإدراكهم لطبيعة المرحلة، وهو ما انعكس في وصفه للشعب المصري بأنه "البطل الحقيقي" الذي تحمل فاتورة الإصلاح من أجل الحفاظ على استقرار الدولة ومستقبلها، إذ يكتسب هذا الوصف دلالة خاصة، فإذا ما نظرنا إلى تسلسل الأحداث منذ عام 2013، فلم يكن دور المواطن مقتصرا على المشاركة في لحظة سياسية بعينها، وإنما امتد عبر مراحل متتالية، لكل منها طبيعتها وتحدياتها، ففي البداية كان الحضور الشعبي مرتبطا بتحديد مسار الدولة، ثم تحول إلى دعم جهود الحفاظ على الأمن، قبل أن يتجسد في تحمل تبعات الإصلاح الاقتصادي، وهو ما يعكس أن العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال تلك السنوات، لم تقف عند حدود التأييد أو المعارضة، وإنما اتخذت شكلا أخر أكثر تعقيدا، ارتبط بالمشاركة في مواجهة الأزمات، كما كشفت تلك السنوات، عن أن مفهوم حماية الدولة لا يقتصر على التصدي للتهديدات العسكرية أو الأمنية، وإنما يشمل أيضا، القدرة على الحفاظ على تماسك المجتمع في مواجهة الضغوط الاقتصادية، واستمرار عمل المؤسسات، ومنع الأزمات من التحول إلى عوامل تهدد الاستقرار الداخلي، ولذلك، فإن ما مرت به مصر، خلال العقد الأخير، يقدم نموذجا لكيفية تداخل الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية في تشكيل مفهوم الأمن القومي، بحيث يصبح المواطن أحد عناصره الأساسية، وليس مجرد متلق لنتائج السياسات العامة.
ولعل ما ميز تجربة الإصلاح الاقتصادي في مصر، أن تنفيذها جاء في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وهو ما ضاعف من حجم التحديات التي واجهها المواطن، فمن المعروف أن برامج الإصلاح الاقتصادي في العديد من الدول، ترتبط بقرارات صعبة، تترك آثار مباشرة على مستوى المعيشة في المدى القصير، بينما تستهدف تحقيق نتائج أكثر استدامة على المدى البعيد، إنما في الحالة المصرية، جاءت هذه الإجراءات وسط حرص على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا، بما يسهم في الحد من تأثير الأعباء الاقتصادية على الشرائح الأولى بالرعاية، كما ظل الخطاب الرسمي، يؤكد أن نجاح أي برنامج اقتصادي لا يعتمد فقط على القرارات الحكومية، وإنما يرتبط أيضا بقدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات، واستيعاب طبيعة المرحلة، والإيمان بأن تجاوز الأزمات يحتاج إلى مشاركة الجميع، ومن هذا المنطلق، أصبح تحمل المواطنين لهذه المرحلة جزء أساسي من رواية الإصلاح، باعتباره عاملا ساعد الدولة على الاستمرار في تنفيذ برنامجها الاقتصادين رغم التحديات المتلاحقة.
ومن اللافت، أن كل محطة من المحطات التي مرت بها الدولة، كانت تمهد لما بعدها، فخروج المصريين في 30 يونيو، أعاد تشكيل المشهد السياسي من جديد، وهو ما تبعته مواجهة مباشرة مع الإرهاب، استهدفت حماية مؤسسات الدولة واستعادة الأمن، وبعد أن بدأت الأوضاع الأمنية في التحسن، برزت الحاجة إلى معالجة التحديات الاقتصادية المتراكمة، ثم جاءت الأزمات العالمية لتفرض واقعا جديد، تطلب استمرار التكاتف بين الدولة والمجتمع، وبهذا المعنى، لم تكن هذه المحطات منفصلة عن بعضها البعض، بل مثلت حلقات متصلة في مسار واحد، كان المواطن حاضر فيه في كل مرحلة، فضلا عن أن هذه التجربة أظهرت، أن قدرة الدول على تجاوز الأزمات لا تعتمد فقط على الإمكانات الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضا على قوة الجبهة الداخلية، فكلما زادت قدرة المجتمع على التماسك وتحمل الضغوط، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات، سواء كانت ناتجة عن عوامل داخلية أو خارجية، ومن هنا، برز الحديث المتكرر عن أهمية الوعي المجتمعي، باعتباره أحد أهم عناصر الحفاظ على الاستقرار، خاصة في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وأزمات متلاحقة.
التماسك الداخلى
وعلى مدار السنوات الماضية، واجهت مصر، ملفات معقدة، لم تكن جميعها نابعة من الداخل، بل ارتبط كثير منها بمتغيرات إقليمية ودولية، أثرت على معظم دول العالم، ومع ذلك، ظل الرهان الأساسي يتمثل في قدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وهو ما ارتبط بدرجة كبيرة، بدور المواطنين في التعامل مع هذه المتغيرات، سواء عبر الالتزام بالإجراءات خلال الأزمات، أو تحمل تبعات القرارات الاقتصادية، أو دعم جهود الدولة في مواجهة التحديات المختلفة، ورغم اختلاف وجهات النظر حول بعض السياسات أو القرارات، فإن هناك اتفاقا على أن السنوات التي تلت عام 2013 كانت من أكثر الفترات كثافة، بالأحداث في التاريخ المصري الحديث، وأنها وضعت الدولة والمجتمع أمام اختبارات متتالية، تطلبت قدر كبير، من القدرة على التكيف والصمود، وفي هذا السياق، اكتسبت مشاركة المواطنين أهمية خاصة، لأنها مثلت أحد عوامل استمرار الاستقرار في ظل ظروف استثنائية.
وإذا كانت الدول تقاس في كثير من الأحيان بقدرتها على تجاوز الأزمات، فإن التجربة المصرية خلال العقد الأخير، تؤكد أن تجاوز التحديات لا يتحقق فقط عبر القرارات الحكومية أو الإمكانات المؤسسية، وإنما يحتاج أيضا إلى شراكة مجتمعية واسعة، يكون المواطن فيها شريكا في تحمل المسؤولية، تماما كما يكون شريكا في جني ثمار الاستقرار والتنمية.
ومن هنا، فإن شعار "الشعب حامي مصر" لا يرتبط بحدث واحد أو موقف بعينه، وإنما يعبر عن مسار امتد لسنوات، شارك خلاله المواطن المصري في محطات مختلفة، بدأت بالخروج دفاعا عن رؤيته لمستقبل الدولة، ثم بدعم جهود مواجهة الإرهاب، قبل أن تمتد إلى تحمل تبعات إصلاحات اقتصادية وظروف عالمية استثنائية، وفي كل مرحلة، كانت طبيعة الدور تختلف، لكن الهدف ظل واحدا، وهو الحفاظ على استقرار الدولة، واستمرار مؤسساتها وقدرتها على مواجهة التحديات، فلقد أثبتت التجربة أن حماية الأوطان ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا ترتبط بقرار سياسي أو إجراء اقتصادي فقط، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار مؤسسات الدولة مع وعي المواطنين، وإدراكهم لحجم التحديات، وعندما تتوافر هذه المعادلة، تصبح الدولة أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، مهما بلغت صعوبتها.
وعند النظر إلى هذه المحطات مجتمعة، يتضح أنها لم تكن أحداثا منفصلة، بل مثلت حلقات متتابعة في مسار واحد، كان عنوانه الحفاظ على الدولة المصرية في مواجهة تحديات متغيرة، ففي كل مرحلة اختلفت طبيعة الاختبار، مرة كان التحدي سياسي، ثم أصبح أمني، وبعد ذلك تحول إلى تحد اقتصادي فرضته الظروف الداخلية والمتغيرات العالمية، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعا، كان هو حضور المواطن المصري كشريك في تحمل المسؤولية، ومن هنا، تكتسب فكرة "الشعب حامي مصر" معناها الحقيقي، لأنها تعبر عن دور تراكمي امتد عبر سنوات، وساهم في تعزيز قدرة الدولة على عبور مراحل اتسمت بالتعقيد والتشابك، دون أن تفقد مؤسساتها قدرتها على الاستمرار أو مواجهة التحديات.
وعبر المسار الذي شهدته مصر منذ عام 2013، يتضح أن الإرادة الشعبية كانت حاضرة في كل منعطف رئيسي، سواء في لحظات التغيير السياسي، أو خلال معركة استعادة الأمن، أو في مواجهة الضغوط الاقتصادية التي فرضتها الإصلاحات والأزمات العالمية، ولذلك، فإن الحديث عن الشعب باعتباره أحد أهم عناصر حماية الدولة لا يعبر فقط عن رؤية سياسية، وإنما يستند إلى سلسلة من المحطات التي كان فيها المواطن طرفا فاعلا في مسيرة الحفاظ على استقرار الوطن، فمع استمرار التحديات الإقليمية والدولية، تبقى هذه التجربة شاهدا على أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل أيضا بقدرة شعبها على التماسك في الأوقات الصعبة، وعلى إدراك أن حماية الوطن مسؤولية جماعية تتجدد مع كل مرحلة، وأن الحفاظ على استقراره يظل هدفا مشتركا يجمع الدولة ومواطنيها، مهما اختلفت طبيعة التحديات أو تبدلت الظروف.