العميد منير شحادة منسق الحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل السابق لـ "صوت الأمة": لبنان لا يستطيع تحييد نفسه عن نتائج التفاهمات الإقليمية والدولية

السبت، 04 يوليو 2026 11:00 م
العميد منير شحادة منسق الحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل السابق لـ "صوت الأمة":  لبنان لا يستطيع تحييد نفسه عن نتائج التفاهمات الإقليمية والدولية
محمود علي

 

الاتفاق مع إسرائيل يهدف إلى فصل الجبهة اللبنانية عن أي تفاهم أمريكي إيراني

واشنطن باتت أكثر اقتناعاً بأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في لبنان يهدد الاستقرار

الموقف المصري الأكثر واقعية ويراعي التوازنات اللبنانية وهدفه الوصول إلى الاستقرار المستدام

 

بعد سنوات من المواجهات والتوتر على الحدود الجنوبية، دخل الملف اللبناني مرحلة جديدة مع توقيع لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، اتفاق إطار ثلاثيًا في العاصمة الأمريكية واشنطن، يرسم مسارًا لإنهاء النزاع بين الجانبين، واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها، بالتوازي مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، ونزع سلاح حزب الله وفق آلية مرحلية نص عليها الاتفاق.

ويأتي هذا التطور في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها مسارات التهدئة والتفاوض مع استمرار التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، من المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى ملفات الأمن في الشرق الأوسط، بما يجعل لبنان مجددًا في قلب معادلات تتجاوز حدوده، وتثير تساؤلات حول مستقبل الجنوب اللبناني، وقدرة الدولة على تثبيت سيادتها، وإنهاء حالة الصراع الممتدة لعقود.

وفي ظل الضغوط الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة المواجهات، تبرز تساؤلات بشأن فرص نجاح الاتفاق، والتحديات التي تواجه تنفيذه، وانعكاساته على موازين القوى في لبنان والمنطقة، فضلًا عن مستقبل العلاقة بين بيروت وتل أبيب في ضوء المسار الذي فتحته المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية.

في هذا الحوار الذي أجرته "صوت الأمة"، يقدم العميد منير شحادة، منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات اليونيفيل، قراءةً لأبعاد الاتفاق، وفرص تطبيق بنوده، وانعكاساته على الجنوب اللبناني، ومستقبل حزب الله، إلى جانب تقييمه لتأثير التحركات الأمريكية والإيرانية على المشهد الأمني والسياسي في لبنان والمنطقة. وإلى نص الحوار..

 

ما دلالات توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في هذا التوقيت؟ وهل يمثل بداية لتسوية دائمة أم أنه لا يزال مجرد إطار تفاوضي؟

أهداف هذا الاتفاق أصبحت واضحة جداً بغض النظر عن التفاصيل، يكفي النظر إلى خروج بنيامين نتنياهو للإعلان عنه، ثم التصريحات الإسرائيلية التي تباهت بالوصول إلى هذه النتيجة، الهدف الأساسي كان فصل الجبهة اللبنانية عن أي تفاهم أمريكي-إيراني، فإسرائيل تعتبر أن إيران كانت تريد إخراجها بالقوة من لبنان، بينما انتهى الاتفاق إلى إبعاد إيران وحزب الله عن هذه المعادلة.

هناك أهداف أخرى أيضاً، منها طمأنة المستوطنين في شمال إسرائيل، والإبقاء على الوجود الإسرائيلي في ما يسمى بالمنطقة العازلة، وعدم الانسحاب قبل نزع سلاح حزب الله، ما يعني أن موعد الانسحاب سيظل مفتوحاً وغير معروف.

 

الحكومة اللبنانية أصبحت أمام معادلة معقدة مع الحديث عن الانسحاب من مناطق تجريبية، ما هي هذه المناطق؟ وكم عددها؟ ومن هي الجهة التي ستقرر نجاح انتشار الجيش اللبناني فيها وتنفيذ الالتزامات المطلوبة؟

لا يوجد بديل حقيقي لهذا الاتفاق في ظل المشهد الحالي، لكن النتيجة قد تكون دفع لبنان نحو مواجهة داخلية، وهذا بالضبط ما تريده إسرائيل، وهو ما تحدث عنه أيضاً عدد من المسؤولين والمحللين الإسرائيليين.

السيناريو المتوقع أن تعتبر إسرائيل منطقة معينة "تجريبية"، فيدخلها الجيش اللبناني ويقوم بعمليات التفتيش، ثم تعلن إسرائيل أن الإجراءات غير كافية، وتطالب بالمزيد، وفي النهاية تصبح هي الجهة التي تقرر ما إذا كانت الحكومة اللبنانية نفذت التزاماتها أم لا، فتكون الخصم والحكم في الوقت نفسه.

 

وكيف تقرأ استمرار إيران استغلال الوضع في لبنان في علاقاتها وخلافاتها مع واشنطن وتل أبيب، حيث أغلقت قبل أيام مضيق هرمز بحجة خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار في لبنان؟ هل تحول الجنوب اللبناني إلى ورقة الضغط الأساسية لإيران على طاولة المفاوضات النووية والأمنية مع إدارة ترامب؟

نعم، يمكن القول إن الجنوب اللبناني تحول إلى إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية في هذه المرحلة، فإغلاق مضيق هرمز لم يكن مرتبطاً فقط بالملف النووي، بل جاء كرسالة بأن استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان سيترتب عليه أثمان إقليمية ودولية كبيرة،  ما جرى أظهر أن طهران نجحت في ربط أمن الطاقة العالمي بالوضع في جنوب لبنان، الأمر الذي دفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط جدية على إسرائيل لوقف الحرب والعودة إلى المسار التفاوضي، وبالتالي فإن الجنوب لم يعد ملفاً منفصلاً، بل أصبح جزءاً من معادلة التفاوض الكبرى بين واشنطن وطهران.

 

هل يملك لبنان القدرة على تحييد نفسه عن هذا الصراع المباشر بين واشنطن وطهران، أم أن ساحته ستبقى رهينة لهذه التفاهمات الكبرى؟

في الظروف الحالية لا يمكن للبنان أن يكون قادراً على تحييد نفسه، فموقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وارتباط الساحة الجنوبية مباشرة بالصراع مع إسرائيل تجعله جزءاً من أي تفاهم أو مواجهة أمريكية إيرانية، ما يستطيع لبنان فعله هو تقليل حجم الخسائر وتعزيز دور الدولة، و الاستفادة من الضغوطات الإيرانية لوقف إطلاق النار و انسحاب العدو الإسرائيلي من لبنان، فلا يستطيع عزل نفسه عن نتائج التفاهمات الكبرى التي تُصاغ بين القوى الإقليمية والدولية.

 

كيف تنظر إلى التنسيق الجاري بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ونائب الرئيس الأمريكي "جيه دي فانس" لإنشاء "خلية تنسيق وفض نزاعات"؟ هل تملك هذه الآلية فرصة للنجاح في ظل غياب التوافق الميداني الإقليمي؟

هذه الآلية قد تكون مفيدة في منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، لكنها ليست بديلاً عن الحل السياسي، نجاحها مرتبط بمدى استعداد إسرائيل للالتزام بمخرجاتها، وبقدرة الولايات المتحدة على فرض تفاهماتها على الأرض، فإذا بقيت إسرائيل تتصرف وفق حساباتها العسكرية الخاصة، فإن خلية التنسيق ستتحول إلى أداة لإدارة الأزمات لا إلى أداة لحلها.

 

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعاً باقتراحه أن تتولى "سوريا الجديدة" مهمة التعامل مع ملف حزب الله عسكرياً بدلاً من إسرائيل، منتقدًا أداء تل أبيب. كيف تقيم هذا الطرح؟ وهل يعكس رغبة أمريكية لوضع دمشق في المستنقع اللبناني مجدداً؟

هذا الطرح يعكس رغبة أمريكية في إيجاد بدائل محلية أو إقليمية للدور الإسرائيلي المباشر، لكنه يصطدم بالواقع، سوريا الخارجة من حرب طويلة ليست في موقع يسمح لها بالدخول في مواجهة داخل الساحة اللبنانية، كما ان الرئيس الشرع نفى أن يكون هناك نية سورية للدخول إلى لبنان ، لذلك إن الطرح أقرب إلى مناورة سياسية أو ورقة ضغط منه إلى مشروع قابل للتطبيق.

 

جاء رد الرئيس السوري أحمد الشرع حاسماً بالرفض المطلق للتدخل في شؤون لبنان، والتركيز على السلاح الشرعي للدولة اللبنانية وضبط الحدود. كيف سينعكس هذا الرفض السوري على مبادرة ترامب في لبنان؟ وهل سيكون هناك طرح آخر أمريكي في لبنان؟

رفض دمشق أغلق الباب أمام أي محاولة لإعادة إنتاج الدور السوري السابق في لبنان، كما أنه وضع واشنطن أمام خيار وحيد تقريباً، وهو تعزيز دور الدولة اللبنانية والجيش اللبناني بدل البحث عن وكلاء إقليميين، لذلك من المرجح أن تتجه الجهود الأمريكية نحو دعم المؤسسات اللبنانية لا نحو إشراك سوريا عسكرياً.

كما والضغط على إسرائيل لتنفيذ مخرجات الاتفاق الأمريكي الإيراني.

 

مبعوثو ترامب لوحوا سابقاً بـ "إعادة لبنان إلى بلاد الشام" إذا لم يُحل ملف السلاح. هل ترى في هذه التصريحات مؤشر على خريطة نفوذ جديدة ترسمها إدارة ترامب للمنطقة؟

لا أعتقد أنه لا زال هناك مشروعاً فعلياً لإعادة رسم حدود المنطقة، هذه التصريحات كانت تهديدية ثم أصبحت أقرب إلى أدوات ضغط سياسية وإعلامية هدفها دفع الأطراف اللبنانية إلى تقديم تنازلات في الملفات الأمنية، أما عملياً، فلبنان كيان معترف به دولياً ولا توجد ظروف تسمح بإعادة النظر بحدوده أو سيادته خاصة بعد فشل الحرب على إيران بإسقاط  النظام فيها.

 

نبيه بري اعتبر سابقاً أن صيغة "المناطق الأمنية التجريبية للجيش اللبناني" مفخخة، واليوم تؤكد التسريبات أن إدارة ترامب تضغط لتراجع إسرائيل خلف الخط الأصفر. هل ترى أن الجيش اللبناني قادر سياسياً وميدانياً على فرض سيادته في الجنوب حالياً لتفويت الفرصة على الذرائع الإسرائيلية؟

الجيش اللبناني يمتلك الشرعية الوطنية والدولية اللازمة، لكنه يحتاج إلى غطاء سياسي داخلي موحد وإلى دعم دولي مستدام، إذا توافرت هذه العناصر وانسحبت إسرائيل فعلاً، فإن الجيش قادر على تعزيز حضور الدولة في الجنوب و سيكون مرحب بدوره من كافة الأطراف في لبنان لا بل سيكون مطلباً ملحاً ، أما إذا استمر الاحتلال والخروقات، فستبقى مهمته أكثر تعقيداً.

 

كيف تقرأ الموقف المصري والعربي الراهن الذي يصر على الانسحاب الإسرائيلي الفوري والكامل؟

الموقف العربي الحالي يمنح لبنان دعماً سياسياً مهماً لأنه يرفض أي شرعنة للاحتلال الإسرائيلي أو للمناطق العازلة داخل الأراضي اللبنانية، أهمية هذا الموقف أنه ينسجم مع القانون الدولي والقرار 1701، ويمنح الوفد اللبناني أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات مقبلة.

كما أن الموقف المصري أراه الأكثر واقعيةً لأنه يراعي التوازنات في لبنان، ويسعى إلى الوصول إلى الاستقرار المستدام دون أن تكون مصر مع طرف ضد آخر على الساحة اللبنانية الداخلية.

 

ما الذي يحتاجه لبنان بعد توقيع الاتفاق مع إسرائيل؟ وهل أصبح القرار محصوراً في المربع الأمريكي  الإيراني الإسرائيلي؟

لبنان يحتاج قبل كل شيء إلى موقف وطني موحد، وإلى جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، وضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاق، و جهد فعلي لتأمين مساعدات دولية لإعادة إعمار ما هدمته البربرية الإسرائيلية لتأمين عودت السكان إلى قراهم، صحيح أن واشنطن وطهران وتل أبيب تمسك اليوم بمفاتيح كثيرة في الأزمة، لكن غياب الموقف اللبناني الموحد سيجعل الآخرين يقررون نيابة عن لبنان.

 

انتقد الرئيس ترامب الأداء العسكري الإسرائيلي في لبنان واصفاً إياه بالاعتماد المفرط على "هدم المباني"، بينما يصر نتنياهو و زامير على مواصلة القتال والبقاء في الجنوب. كيف يمكن لبيروت استغلال هذه "الفجوة في التقييم" بين واشنطن وتل أبيب لصالحها؟

يمكن للبنان أن يستثمر أي تباين بين واشنطن وتل أبيب للتأكيد أن الحل الأمني الصرف أثبت فشله، وأن البديل الوحيد هو دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، كلما ازداد اقتناع واشنطن بأن استمرار الاحتلال يهدد الاستقرار، ازدادت فرص بيروت في انتزاع ضمانات سياسية وأمنية أفضل.

من هنا نرى التصريح الأمريكي الأخير من قال أن إسرائيل لن تنسحب من لبنان أنه يجسد الواقع الذي نتحدث عنه.

 

كيف سينعكس هذا الجمود العسكري ورفض تل أبيب الانسحاب على قدرة الحكومة اللبنانية على إطلاق ورشة إعادة الإعمار، ومن هي الأطراف الدولية المستعدة للتمويل في ظل ترتيبات أمنية يرفضها حزب الله؟

لا يمكن إطلاق ورشة إعادة إعمار واسعة بينما تبقى احتمالات التصعيد قائمة، معظم الجهات المانحة تربط التمويل بوجود استقرار أمني طويل الأمد وهذا منطقي وطبيعي، لذلك فإن استمرار الاحتلال أو الخروقات سيؤخر وصول الأموال ويزيد الأعباء الاقتصادية على الدولة اللبنانية.

إذا كانت إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان وترامب يرفض أسلوب الهدم الكامل، هل يُدفع بلبنان نحو نموذج "حرب استنزاف منخفضة الحدة وطويلة الأمد" لتمرير الـ 60 يوماً من المفاوضات الأمريكية-الإيرانية؟

هذا الاحتمال قائم، فإذا استمرت إسرائيل في رفض الانسحاب الكامل، واستمرت المفاوضات الأمريكية الإيرانية من دون اتفاق نهائي، فقد نشهد مرحلة طويلة من التوتر المحدود والعمليات الموضعية والضغوط المتبادلة، أي أننا قد نكون أمام نموذج لا حرب شاملة فيه ولا سلام حقيقياً، بل استنزاف منخفض الوتيرة بانتظار نضوج التسويات الكبرى في المنطقة.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة