أطلال الحرب كابوس يؤرق لبنان.. 100 ألف منزل تخلف ما يصل إلى 8 ملايين متر مكعب من الردم واتفاق هش وفاتورة الاقتصادية باهظة
الثلاثاء، 07 يوليو 2026 11:29 ص
هانم التمساح
يبقى لبنان اليوم أمام مفترق طرق معقد؛ بين ملايين الأطنان من ركام الحرب التي تبحث عن وجهة للتخلص منها، وبنود الاتفاق السياسي التي لا تزال تنتظر اختبار التنفيذ على الأرض.
وبينما يظل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على مختلف الاحتمالات، تتجه الأنظار إلى قدرة المسار السياسي على تثبيت الهدوء، وإلى حجم الدعم المالي الذي قد يسمح بإعادة إعمار القرى المدمرة وعودة الحياة إليها.
ويواجه لبنان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والبيئية في تاريخه الحديث، إذ تداخلت آثار الدمار الواسع الذي خلفته الحرب الإسرائيلية الأخيرة مع حالة من الترقب السياسي بشأن مستقبل التفاهمات المطروحة لإنهاء التصعيد.
وعلى امتداد الأراضي اللبنانية، تحولت آلاف الوحدات السكنية إلى أكوام من الأنقاض. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الغارات الإسرائيلية دمرت أو ألحقت أضرارًا بنحو 100 ألف منزل، مخلفة ما يقارب 8 ملايين متر مكعب من الردم، وهي كميات ضخمة تعمل السلطات على التخلص منها، وسط توجهات لردم أجزاء منها في البحر باعتباره أحد الحلول المطروحة.
وتبرز مدينة صور باعتبارها إحدى أكثر المناطق تضررًا، حيث تعرضت قرابة 20 ألف بناية للتدمير الكلي أو الجزئي. ورغم سريان وقف إطلاق النار، لا تزال المدفعية والطائرات المسيّرة والمقاتلات الإسرائيلية تنفذ خروقات متكررة، لا سيما في منطقة النبطية، الأمر الذي يدفع السكان إلى المخاطرة بحياتهم أثناء البحث بين الأنقاض عن ممتلكاتهم.
وعلى الصعيد السياسي، يبرز "اتفاق الإطار" الناتج عن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برعاية أمريكية باعتباره محور النقاش الداخلي. وترى الباحثة السياسية زينة منصور أن الاتفاق يمثل "فرصة تاريخية" لإنهاء صراع امتد لعقود، مشيرة إلى أنه جاء نتيجة مسار تفاوضي طويل قاده رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون.
وتوضح منصور أن الاتفاق يقوم على معادلتين أساسيتين: "السلاح مقابل الأرض"، و"السيادة اللبنانية مقابل أمن إسرائيل"، معتبرة أن الضمانة الأمريكية الحالية تمثل العنصر الأكثر أهمية لضمان التزام إسرائيل ببنوده. كما دعت إلى عدم الانشغال بالخلافات المرتبطة بالبند الثالث عشر، والمتعلق بعدم ملاحقة إسرائيل قضائيًا، على حساب الأولويات الملحة، وفي مقدمتها إعادة النازحين، وإطلاق عملية الإعمار، وحصر السلاح بيد الدولة.
وترى أن مستقبل الاتفاق قد يسير في أحد ثلاثة مسارات؛ الأول يتمثل في تسوية إقليمية شاملة قد تتطور إلى اتفاق سلام أو معاهدة عدم اعتداء برعاية أمريكية-إيرانية، والثاني تفاهم متوسط المدى يمتد بين خمس وعشر سنوات يقوم على معادلة الأمن مقابل إعادة الإعمار وعودة السكان، أما الثالث فهو اتفاق محدود يقتصر على تنفيذ القرار الدولي 1701.
هدوء حذر
في المقابل، يرى المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، العميد المتقاعد منير شحادة، أن الاتفاق لا يعكس توازنًا بين الطرفين، بل يمثل ترتيبًا أمنيًا فرضه اختلال موازين القوى العسكرية، إذ حمل لبنان معظم الالتزامات، دون توفير ضمانات ملزمة لإسرائيل.
ويحذر شحادة من أن الاتفاق منح إسرائيل هامشًا واسعًا لتفسير أي تحرك لبناني باعتباره تهديدًا أمنيًا، بما يتيح لها مواصلة الغارات والتوغلات العسكرية. ويرى أن ما يشهده الجنوب حاليًا ليس سوى "خفض مؤقت للاشتباك" وليس استقرارًا دائمًا، معتبرًا أن حجم الدمار الذي طال نحو 70 بلدة جنوب الليطاني وعلى امتداد الخط الأزرق يهدف إلى فرض واقع أمني جديد يحد من العودة الطبيعية للسكان.
الفاتورة الاقتصادية وتحديات إعادة الإعمار
وتتزامن هذه التطورات مع أزمة اقتصادية غير مسبوقة يعيشها لبنان، حيث تشير التقديرات إلى أن الحربين الأخيرتين تسببتا في خسائر تقارب 30 مليار دولار.
وتؤكد تقارير اقتصادية أن إعادة إعمار القرى الحدودية، وإصلاح البنية التحتية، وإحياء النشاط الزراعي في الجنوب، تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وهي إمكانات تتجاوز قدرات الدولة اللبنانية في ظل أزمتها المالية، ما يجعل عودة النازحين واستعادة النشاط الاقتصادي مرهونتين بتوافر دعم دولي واسع، ويُبقي استقرار الجنوب عرضة لأي تصعيد إقليمي جديد.
وفي موازاة التطورات الميدانية والسياسية، شهدت الساحة الإعلامية موجة من الأخبار المضللة، بعدما تداولت منصات إعلامية واجتماعية مزاعم عن تسلم السلطات اللبنانية قائمة إسرائيلية تضم أسماء ضباط كبار في الجيش اللبناني، والمطالبة بمنع انتشارهم في الجنوب بدعوى تسريب معلومات إلى حزب الله.
وسارعت السلطات اللبنانية إلى نفي هذه الادعاءات، إذ أكدت الوكالة الوطنية للإعلام، وفريق Factcheck Lebanon التابع لوزارة الإعلام، أن الجيش اللبناني لم يتلق أي قوائم من هذا النوع، ووصفت تلك المزاعم بأنها مضللة ولا تستند إلى أي وقائع، داعية وسائل الإعلام والجمهور إلى الاعتماد على المصادر الرسمية في متابعة التطورات.