تحت حصار المسيّرات والعطش.. مدينة "الأبيض" السودانية تواجه شبح الكارثة الصحية
الثلاثاء، 07 يوليو 2026 03:28 م
هانم التمساح
تواجه مدينة الأبيض، العاصمة الاستراتيجية لولاية شمال كردفان، واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والبيئية منذ اندلاع الحرب في السودان. فبين مطرقة الحصار العسكري المستمر منذ نحو 18 شهراً وسندان القصف الممنهج بالطائرات المسيّرة، انفرط عقد الخدمات الأساسية في المدينة، لتتداخل أزمة جفاف خانقة تضرب ملايين السكان مع تحذيرات أممية مرعبة حول استهداف الطفولة وتدمير ما تبقى من بنية تحتية.
ودخلت معركة المياه في الأبيض منعطفاً كارثياً عقب استهداف البنية التحتية الخدمية بشكل مباشر وتعرضت المحطة الكهربائية التحويلية الرئيسية في المدينة لضربات متتالية بطائرات مسيّرة، مما أدى لخروجها التام عن الخدمة، وتباعاً توقفت المضخات الرئيسية التي تمد مئات الآلاف من المدنيين بمياه الشرب.
وفقدت المدينة مصدريها الرئيسيين للمياه؛ إذ تعرض حوض "السدر" (جنوب المدينة) لغارات مسيّرة استهدفت منشآت الطاقة والمرافق التابعة له. أما حوض "بارا" (شمال المدينة)، فلا يزال معطلاً تماماً وخارج الخدمة لولوج المنطقة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وتأتي هذه الأزمة بالتزامن مع تضاعف الضغوط الديموغرافية والاجتماعية داخل الأبيض فقد قفز عدد سكان المدينة المتطورة ليتجاوز 3 ملايين نسمة، بعد تدفق مئات الآلاف من الفارين من جحيم المعارك في الولايات المجاورة. ويقيم نحو نصف هؤلاء النازحين في مراكز إيواء مكدسة أو لدى أسر مستضيفة.
وتضاعفت أسعار "الجركن" القياسي للمياه بشكل حاد، ما أجبر الأسر الفقيرة على استنزاف ما تبقى من مدخراتها الشحيحة، أو اللجوء قسراً إلى مصادر مياه ملوثة وغير مأمونة.
وحذرت منظمات إنسانية وميدانية من أن الجمع بين غياب المياه النظيفة، وإغلاق طرق الإمداد، والنفاد الحاد في وقود تشغيل المولدات الاحتياطية، يؤسس لبيئة خصبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه والأوبئة الفتاكة بين السكان المحاصرين.
وتحركت الجهات المحلية بالتنسيق مع منظمات إنسانية لإطلاق خطة إنقاذ عاجلة تشمل:مبادرة "سقيا" التى أطلقتها مفوضية العون الإنساني بشمال كردفان لتسيير مئات الصهاريج المتنقلة لإيصال المياه للأحياء الأكثر تضرراً وجفافاً.الاعتماد على الآبار حيث بدأت السلطات في حفر 60 بئرًا جديدة لتوسيع شبكة الإمداد المحلي، أُنجز منها 30 بئراً حتى الآن، بالتوازي مع تركيب وحدات تحلية وصيانة الآبار القديمة.
وأصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) بياناً شديد اللهجة يوثق الكلفة البشرية الباهظة للنزاع وأكدت المنظمة مقتل وإصابة 330 طفلاً في السودان خلال النصف الأول من عام 2026، مع تركز المواجهات في إقليمي دارفور وكردفان.
وفي شمال كردفان ومحيط الأبيض، قُتل 18 طفلاً وأصيب 17 آخرون منذ مايو 2026. والصادم في الإحصاءات أن 60% من هذه الإصابات نجمت عن القصف بالطائرات المسيّرة. و حذر ممثل يونسيف في السودان، شيلدون يت، من أن نصف مليون مدني في الأبيض يواجهون خطراً محدقاً، لافتاً إلى أن التهديدات تتجاوز القصف المباشر لتشمل التجنيد القسري، والاختطاف، والصدمات النفسية العميقة، والعنف الجنسي.
ودعت المنظمة أطراف النزاع لاحترام القانون الدولي ووقف استهداف البنية التحتية والمدنية.الأهمية الاستراتيجية لمدينة الأبيض تفسر شراسة المعارك والاستماتة للسيطرة على المدينة بموقعها الحركي الحساس؛ إذ تُعد الأبيض حلقة الوصل اللوجستية والعقدة الرابطة بين العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور مركزاً عسكرياً ثقيلاً يضم مقر الفرقة الخامسة مشاة للجيش السوداني (الهجانة) وقاعدة جوية رئيسية.شرياناً اقتصادياً حيوياً يمر عبره خط أنابيب النفط الرئيسي، وتعتبر المركز العالمي الأكبر لتجارة الصمغ العربي.