دينا الحسيني تكتب: مصر تؤسس لمنظومة استباقية لمواجهة الأزمات والكوارث بـ"روح الفريق الواحد"

الثلاثاء، 07 يوليو 2026 10:00 م
دينا الحسيني تكتب: مصر تؤسس لمنظومة استباقية لمواجهة الأزمات والكوارث بـ"روح الفريق الواحد"
الهيئة القومية لإدارة الأزمات والكوارث

في عالم اليوم لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من جيوش وأسلحة متطورة فقط، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمات قبل وقوعها، وحماية الإنسان بالتوازي مع حماية الحدود، والتعامل مع مختلف التهديدات التقليدية وغير التقليدية بكفاءة وسرعة.

ومن هذا المنطلق، جاء اصطفاف معدات مجابهة الأزمات والكوارث الذي شهده الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، ليؤكد أن مصر لا تبني فقط قدراتها العسكرية والأمنية، وإنما تؤسس لمنظومة وطنية متكاملة قادرة على مواجهة كل ما قد يهدد أمن الدولة وسلامة مواطنيها، انطلاقًا من رؤية شاملة تعتبر أن الأمن القومي يبدأ من أمن الإنسان، ولا ينتهي عند حدود الدولة.

وجسّد اصطفاف معدات مجابهة الأزمات والكوارث فلسفة جديدة في إدارة الدولة المصرية، فلم يكن مجرد عرض للإمكانات أو استعراض للمعدات الحديثة، بقدر ما كان إعلانًا عن فلسفة جديدة في إدارة الدولة المصرية، تقوم على أن حماية الأمن القومي لم تعد تقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية أو التصدي للإرهاب، وإنما تمتد لتشمل كل خطر قد يهدد حياة المواطن أو استقرار الدولة، سواء كان وباءً، أو كارثة طبيعية، أو أزمة مناخية، أو حادثًا صناعيًا، أو طارئًا واسع النطاق.

فقد جاء الاصطفاف ليؤكد أن الدولة لا تنتظر وقوع الأزمة حتى تتحرك، وإنما تبني قدراتها وفق فلسفة التخطيط المسبق والاستعداد الاستباقي، بما يضمن سرعة الاستجابة، وتقليل الخسائر، والحفاظ على الأرواح والممتلكات.

وفرضت السنوات الأخيرة واقعًا جديدًا على مفهوم الأمن القومي، فإلى جانب التحديات التقليدية التي تواجهها مصر، وفي مقدمتها الاضطرابات الإقليمية، والصراعات المسلحة في عدد من دول الجوار، والتهديدات العابرة للحدود، والإرهاب، برزت مخاطر أخرى لا تقل خطورة، مثل جائحة كورونا، والتغيرات المناخية، والسيول، والزلازل، والحرائق الكبرى، والحوادث البيولوجية والإشعاعية، وهي تهديدات تمس الأمن الإنساني بصورة مباشرة، وتتطلب استعدادًا لا يقل أهمية عن الاستعداد العسكري، وهو ما دفع الدولة إلى إعادة صياغة مفهوم إدارة الأزمات ليصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي.

ومن هنا جاءت الرسالة الأهم التي حملها اصطفاف اليوم، وهي أن الدولة المصرية تمتلك منظومة متكاملة لا تعتمد على مؤسسة واحدة، وإنما تقوم على العمل الجماعي بين القوات المسلحة، ووزارة الداخلية، ووزارة الصحة، وهيئة الإسعاف، ووزارة التنمية المحلية، ووزارة الإنتاج الحربي، والشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، ومختلف الوزارات والهيئات المعنية، داخل منظومة قيادة وسيطرة واحدة، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار، وحسن توزيع الأدوار، وتنسيق الجهود في أي أزمة أو كارثة.

ويجسد افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة هذا المفهوم من خلال منظومة متطورة للقيادة والسيطرة والاتصالات، تتيح إدارة الأحداث لحظة بلحظة، بما يعزز قدرة الدولة على التعامل مع مختلف السيناريوهات الطارئة.

ولعل تجربة مواجهة جائحة كورونا كانت واحدة من أبرز النماذج التي أثبتت أهمية هذا النهج؛ فقد عملت مؤسسات الدولة بروح الفريق الواحد، لتجهيز المستشفيات الميدانية، وتأمين نقل المستلزمات الطبية، وتنظيم حركة المواطنين، ودعم منظومة العلاج، والتوعية والإرشادات، وهو ما أكد أن إدارة الأزمات لم تعد مسؤولية جهة بعينها، وإنما مسؤولية دولة بكامل مؤسساتها، تمتلك القدرة على توظيف جميع إمكاناتها في وقت واحد.

وخلال الاصطفاف، برزت القوات المسلحة بما تمتلكه من إمكانات هندسية ولوجستية وقدرات على التحرك السريع، ومعدات الإخلاء والإغاثة والدعم الفني، بما يعكس دورها المحوري في دعم أجهزة الدولة خلال الأزمات والكوارث، كما استعرضت وزارة الداخلية أحدث منظوماتها في مكافحة الإرهاب، وإنقاذ الرهائن، والحماية المدنية، والإنقاذ البري والنهري، والتعامل مع المفرقعات، وتأمين المنشآت الحيوية، في تأكيد على أن الأمن الداخلي أصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة إدارة المخاطر وحماية المجتمع.

وفي الوقت نفسه، شاركت وزارة الصحة وهيئة الإسعاف بإمكاناتهما الطبية وسيارات الإسعاف المجهزة للتعامل مع الإصابات الجماعية والطوارئ، بما يعكس جاهزية المنظومة الصحية للتدخل السريع في مختلف السيناريوهات.

كما دفعت وزارة التنمية المحلية بمعدات مواجهة السيول وشفط تجمعات مياه الأمطار، واللوادر والمعدات الثقيلة المستخدمة في إزالة آثار الكوارث وفتح الطرق وإعادة الخدمات، بينما استعرضت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي معدات الطوارئ وسيارات شفط المياه والكسح، ومعدات إصلاح الأعطال وتشغيل الشبكات، لضمان استمرار المرافق الحيوية وسرعة استعادة الخدمات الأساسية للمواطنين، وهو ما يؤكد أن إدارة الأزمات لم تعد تقتصر على أعمال الإنقاذ، وإنما تشمل أيضًا الحفاظ على استمرارية الخدمات العامة ومنع تعطلها.

ولم يكن المشهد يعكس فقط وفرة المعدات أو تنوع الإمكانات، بل كشف عن تحول في فلسفة إدارة المخاطر داخل الدولة المصرية؛ إذ أصبحت الأولوية هي بناء القدرة على التنبؤ بالأزمات، والتخطيط لها، وإجراء التدريبات المشتركة، وتطوير شبكات القيادة والسيطرة، ورفع كفاءة العنصر البشري، بحيث تصبح الاستجابة للأزمات جزءًا من منظومة عمل دائمة، وليست مجرد رد فعل بعد وقوع الكارثة.

المؤكد أن الرسالة التي خرج بها "اصطفاف إدارة الأزمات" تتجاوز حدود الداخل المصري، فهي تؤكد أن الدولة التي نجحت في بناء قدراتها العسكرية لحماية حدودها البرية والبحرية والجوية، وفي مواجهة التحديات الجيوسياسية المحيطة بها، تعمل بالتوازي على بناء منظومة متكاملة لحماية الإنسان المصري من كل الأخطار، سواء كانت من صنع الإنسان أو من فعل الطبيعة.

الأمن القومي في مفهومه الحديث لم يعد يعني فقط حماية الحدود، وإنما يعني أيضًا حماية حياة المواطن، واستمرار عمل مؤسسات الدولة، وصون مقدراتها الوطنية، والحفاظ على كفاءة المرافق الحيوية، وضمان سرعة التعافي من أي أزمة.

الحقيقة أن اصطفاف إدارة الأزمات قدم صورة لدولة لا تبني قدراتها لمواجهة حرب تقليدية فحسب، وإنما تستعد لكل الاحتمالات، دولة تؤمن بأن قوة الجيوش لا تنفصل عن كفاءة المستشفيات، وأن حماية الحدود تكتمل بحماية المرافق، وأن سرعة الاستجابة لا تقل أهمية عن قوة الردع.

إنها رسالة تؤكد أن مصر لا تنتظر الأزمات حتى تبحث عن حلول، بل تبني اليوم إمكانات الغد، حتى تبقى قادرة على حماية الوطن والإنسان في مختلف الظروف.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة