مشروع قانون "مستقبل مصر".. تنظيم جديد لإدارة المشروعات القومية وتعظيم الاستثمار
الخميس، 09 يوليو 2026 01:55 م
يمثل مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة خطوة جديدة في مسار تطوير المؤسسات الاقتصادية والتنموية، بعد نحو أربع سنوات من إنشاء الجهاز، الذي شهد خلال هذه الفترة توسعًا ملحوظًا في حجم المشروعات والقطاعات التي يتولى إدارتها، ما استدعى وضع إطار تشريعي متكامل ينظم اختصاصاته وآليات عمله بما يتناسب مع طبيعة الدور الذي أصبح يؤديه في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة.
ويهدف مشروع القانون إلى إعادة تنظيم الجهاز القائم، وليس إنشاء كيان جديد، من خلال صياغة إطار قانوني حديث يحدد طبيعة الجهاز واختصاصاته، وينظم هياكله الإدارية والاستثمارية، ويضع قواعد واضحة للعلاقة بينه وبين الصناديق والشركات والكيانات التابعة له، بما يعزز كفاءة الإدارة والحوكمة، ويوفر مرجعية تشريعية موحدة لجميع الأنشطة التي يتولاها.
من مشروع زراعي إلى ذراع تنموية متعددة الاختصاصات
عند إنشاء جهاز مستقبل مصر عام 2022، ارتبط دوره بشكل أساسي بتنفيذ مشروعات التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي، باعتبارها أحد المحاور الرئيسية لتحقيق الأمن الغذائي، إلا أن طبيعة عمل الجهاز تطورت بصورة متسارعة خلال السنوات التالية، ليتحول إلى كيان يتولى إدارة منظومات اقتصادية وإنتاجية متكاملة تشمل الزراعة، والإنتاج الحيواني والداجني، والاستزراع السمكي، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، والتحول الرقمي، إلى جانب تأسيس وإدارة الشركات وإبرام الشراكات الاستثمارية مع مختلف الجهات.
ويعكس هذا التوسع حجم المسؤوليات الجديدة التي بات الجهاز يتحملها، بعدما أصبح يدير ملفات اقتصادية وتنموية مترابطة، تتطلب وجود بنية تشريعية قادرة على استيعاب هذا التطور وتنظيمه بصورة أكثر كفاءة.
لماذا أصبح القانون ضرورة؟
اعتمد الجهاز منذ تأسيسه على قرار جمهوري باعتباره إطارًا مناسبًا لمرحلة الإنشاء، لكن اتساع حجم اختصاصاته وتنوع أنشطته أوجد احتياجات تنظيمية جديدة لم يعد قرار التأسيس وحده كافيًا لاستيعابها.
ومن هنا جاء مشروع القانون ليؤسس لمنظومة تشريعية أكثر شمولًا، تحدد طبيعة الجهاز، واختصاصاته، وآليات اتخاذ القرار داخله، وتنظم الصناديق والشركات التابعة، وآليات التمويل والاستثمار، ونظم الرقابة والحوكمة، بما يواكب طبيعة المرحلة الجديدة التي يعمل فيها الجهاز.
إدارة منظومات متكاملة بدلاً من مشروعات منفردة
من أبرز التحولات التي يعكسها مشروع القانون انتقال جهاز مستقبل مصر من إدارة مشروعات مستقلة إلى إدارة منظومات إنتاجية متكاملة.
فالمشروع الزراعي، على سبيل المثال، لم يعد يقتصر على استصلاح الأراضي أو زراعتها فقط، بل يمتد ليشمل التصنيع الغذائي، والتعبئة، والتخزين، والنقل، والخدمات اللوجستية، والتسويق، والتصدير، بما يحقق التكامل بين جميع حلقات الإنتاج ويعظم القيمة المضافة للموارد الوطنية.
ويمتد هذا النموذج إلى قطاعات أخرى مثل الإنتاج الحيواني، والثروة السمكية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، وهو ما يستدعي وجود إدارة مركزية قادرة على تنسيق العمل بين هذه القطاعات المختلفة داخل منظومة واحدة.
هيكل مؤسسي جديد
يفرد مشروع القانون مساحة واسعة لتنظيم الهيكل المؤسسي للجهاز، حيث يحدد اختصاصات مجلس الإدارة باعتباره السلطة المختصة بوضع السياسات العامة واعتماد الخطط ومتابعة التنفيذ، إلى جانب تنظيم الأجهزة التنفيذية والقطاعات الفنية والكيانات التابعة.
كما ينظم العلاقة بين الجهاز والصندوق السيادي والصندوق الخدمي والشركات التابعة، مع تحديد الاختصاصات والصلاحيات وآليات الرقابة، بما يضمن وضوح المسؤوليات ويعزز كفاءة الأداء المؤسسي.
الصندوق السيادي "أهرامات النيل"
ومن أبرز ما يستحدثه مشروع القانون إنشاء صندوق سيادي يحمل اسم "أهرامات النيل"، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والإداري والمالي، ويتولى إدارة واستثمار الأصول والمشروعات التي تدخل ضمن اختصاص الجهاز.
كما ينظم المشروع إنشاء صندوق خدمي، إلى جانب وضع قواعد واضحة لتأسيس الشركات التابعة أو المساهمة في شركات قائمة، بما يوسع الأدوات الاستثمارية المتاحة أمام الجهاز ويعزز قدرته على تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى.
إدارة الأصول والاستثمارات
يخصص مشروع القانون فصلًا متكاملًا لتنظيم إدارة الأصول والاستثمارات، حيث يضع قواعد واضحة لإدارة الموارد المالية، وإعداد الموازنات، وتنظيم أوجه الإنفاق، وآليات الرقابة المالية والإدارية، بالإضافة إلى تنظيم إنشاء الشركات والشراكات الاستثمارية.
ويأتي هذا التنظيم في ضوء اتساع حجم الأصول والمشروعات التي يشرف عليها الجهاز، بما يتطلب وجود إطار قانوني يضمن حسن الإدارة، ويرفع كفاءة استغلال الموارد، ويعزز القدرة على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
تعزيز الحوكمة والشفافية
يركز مشروع القانون على ترسيخ مبادئ الحوكمة من خلال توزيع الاختصاصات بين مختلف المستويات الإدارية، وتنظيم العلاقة بين الجهاز والكيانات التابعة، ووضع قواعد للرقابة الداخلية، وإدارة الموارد، واتخاذ القرار.
كما يهدف إلى تحقيق أعلى مستويات الشفافية في إدارة المشروعات والاستثمارات، بما يعزز الثقة في البيئة الاستثمارية، ويوفر إطارًا مؤسسيًا مستقرًا يتماشى مع متطلبات التنمية الاقتصادية الحديثة.
شراكات واستثمارات أوسع
ويفتح مشروع القانون المجال أمام الجهاز لتوسيع نطاق الشراكات مع القطاع الخاص، والمشاركة في تأسيس الشركات، وإبرام اتفاقيات التعاون والاستثمار، بما يدعم تنفيذ المشروعات الكبرى، ويزيد من مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، ويعزز قدرة الجهاز على إدارة المشروعات وفق أساليب اقتصادية حديثة.
خطوة نحو تطوير الإطار المؤسسي
يعكس مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر توجهًا نحو تطوير الإطار المؤسسي للجهاز بما يتناسب مع حجم المسؤوليات التي أصبح يضطلع بها، ويضع قواعد تشريعية تنظم عمله في مختلف القطاعات التي يديرها، بدءًا من الزراعة والأمن الغذائي، مرورًا بالطاقة والتعدين، وصولًا إلى الاستثمار والتحول الرقمي والخدمات اللوجستية.
ومن المتوقع أن يسهم هذا التنظيم الجديد في توحيد الإجراءات، ورفع كفاءة إدارة المشروعات، وتحقيق التكامل بين الأنشطة المختلفة، بما يدعم أهداف التنمية المستدامة ويعزز دور الجهاز في تنفيذ المشروعات القومية خلال المرحلة المقبلة.