معركة العقول.. كيف تُشيد مصر جدارها الرقمي بـ"جيش من المواهب"؟
السبت، 11 يوليو 2026 11:00 م
المبادرات الرئاسية لـ "أجيال مصر الرقمية" تقود التحول الاستراتيجي من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتأمينها
مصر في المركز التاسع عالمياً في تصنيف الدول المصدرة للمهنيين المستقلين المتخصصين في الذكاء الاصطناعى
لم تعد الحروب الحديثة تُدار في ميادين القتال التقليدية فقط، بل باتت تُحسم في كواليس المخدمات بخوارزميات الذكاء الاصطناعي ومراكز الأمن السيبراني، ووسط هذا السباق المحموم، اتخذت الدولة المصرية بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً استراتيجياً بالمنافسة في العصر الرقمي، الذى لن تُحسم بشراء التكنولوجيا، بل بامتلاك العقول القادرة على إنتاجها وتطويرها وتأمينها.
وبين عامي 2023 و2025، تحولت الاستراتيجية الوطنية لبناء القدرات الرقمية من برامج تدريبية محدودة النطاق إلى خط إنتاج بشري ضخم، قفز بأعداد المتدربين بنسبة 567%، واضعاً مصر في الفئة الأولى عالمياً في مؤشرات الأمن السيبراني بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات ITU.
المبادرات الرئاسية "أجيال مصر الرقمية
وتحت رعاية وبإيعاز مباشر من الرئيس السيسي، أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الهرم التدريبي المتكامل "أجيال مصر الرقمية"، وهو مشروع قومي صُمم ليرافق المواطن المصري من الطفولة وحتى احتراف أسواق العمل العالمية، وتعتمد هذه المنظومة على التدرج العمري والمعرفي عبر أربع مبادرات أساسية هي: براعم مصر الرقمية، ومبادرة أشبال مصر الرقمية، ومبادرة رواد مصر الرقمية، وبناة مصر الرقميون، وتبدأ المرحلة الأولى -براعم مصر الرقمية من الصف الرابع إلى السادس الابتدائى، وتشمل الفئة العمرية من 9-11 سنة، وتستهدف صغار السن لتنمية التفكير النقدي ونشر ثقافة البرمجة البسيطة والروبوتات. وشهد عام 2025 وحده تدريب 130 ألف برعم، مع استمرار تدريب 65 ألفاً آخرين لعام 2026، ليصل إجمالي المستفيدين في هذا المستوى إلى 195 ألف برعم.
وتعد مبادرة أشبال مصر الرقمية أيضا (المرحلتان الإعدادية والثانوية)، وتشمل اللفئة العمرية من 12-17 سنة، وهى عبارة عن برنامج وطني متكامل نجح في تخريج 62 ألف طالب حتى عام 2025. يركز التدريب على 5 مسارات استراتيجية تخصصية تشمل الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، تطوير الويب، الفنون الرقمية، والأنظمة المدمجة.
وتعتبر مرحلة رواد مصر الرقمية، التي تشمل طلاب الجامعات والخريجون من جميع التخصصات، وتضم الفئة العمرية من 18- 35 سنة، وهى رحلة تعليمية مكثفة تمتد لـ 6 أشهر بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية. تركز على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المهن، وتنمية مهارات العمل الحر Freelancing، ونجحت الدورتان الثانية والثالثة في تخريج 24 ألف متدرب بحلول 2025.
وجاءت مبادرة بناة مصر الرقمية والتي تضم الخريجون المتفوقون في الهندسة والحاسبات، لتكون المرحلة الأعلى والأكثر تخصصا حيث تضمل مرحلة الدراسات العليا المتقدمة، وهى عبارة عن منحة كاملة تمنح درجة الماجستير المهني بالتعاون مع جامعات دولية مرموقة في تخصصات بالغة التعقيد، مثل الحوسبة السحابية، علوم البيانات، الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، واحتفت المنظومة بتخريج 167 من صفوة الخريجين ليديروا المراكز البحثية والشركات التقنية الكبرى.
طفرة قياسية في 3 سنوات
وتعكس البيانات الرسمية الصادرة بنهاية عام 2025 ومطلع عام 2026 التحول الضخم في حجم الإنفاق والاستيعاب العددي لهذه المبادرات، حيث ارتفع إجمالي المستفيدين من مبادرات "أجيال مصر الرقمية" من 60 ألف متدرب عام 2023 إلى ما يقرب من 400 ألف متدرب بنهاية عام 2025، وشهد عام 2025 وحده تأهيل وتخريج 156 ألف متدرب جرى توزيعهم جغرافياً لتحقيق الشمول الرقمي في كافة المحافظات، وأثمرت هذه البرامج عن حصول أكثر من 29 ألف متدرب على فرص عمل حر في الأسواق العالمية، مما ساهم في تقدم مصر لتصبح في المركز التاسع عالمياً في تصنيف الدول المصدرة للمهنيين المستقلين، مع تجاوز نسب التوظيف الفوري حاجز 85% في معظم المسارات التكنولوجية.
تأمين المستقبل الرقمي
وإلى جانب مبادرة "أجيال مصر الرقمية"، أطلق الرئيس السيسي حزمة من المبادرات الداعمة والمكملة التي تستهدف سد فجوات مهارية محددة، واطلقت مبادرة "مستقبلنا رقمى" بالتعاون مع منصة التعلم العالمية Udacity، وهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا). واستهدفت تدريب الشباب من 18 إلى 35 سنة عبر 4 مستويات مهارية تركز على تطوير المواقع، تحليل البيانات، والتسويق الرقمي. المبادرة وضعت نصب أعينها وتمكين الشباب من "التعلم من أجل الكسب" لتعظيم صادرات مصر من خدمات تكنولوجيا المعلومات، كذلك تم إطلاق مبادرة بناء القدرات الرقمية ومسابقة، ويتم تنفيذ مبادرة ومسابقة القدرات الرقمية بالشراكة بين وزارة الاتصالات وشركة ديل تكنولوجيز العالمية في 2025، واستهدفت بناء قدرات طلاب الجامعات المصرية عبر مشاريع تطبيقية و"هاكاثونات" متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبرانى، وشهدت مسابقة ديجيتوبيا تنافسا واسعا بين الفئات العمرية من 9 الى 35 سنة لتقديم حلول ذكية لخدمة قطاعى الصحة والتعليم.
الصدارة العالمية في الأمن السيبراني
ويحتاج الإنتاج الرقمي إلى "دروع" تحميه" لذا كان بالتوازي مع هذه المبادرات البشرية تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني (2023-2027) لحماية المرافق الحيوية للدولة (البنوك، المطارات، شبكات الطاقة والمياه)، وجاء التتويج الدولي في تقرير المؤشر العالمي للأمن السيبراني لعام 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، حيث قفزت مصر إلى الفئة الأولى عالميا، وحصلت على العلامة الكاملة (100/100) لتكون ضمن 12 دولة فقط في العالم تحقق هذا الإنجاز، متقدمة من تقييم 95.48 في عام 2020. ويعود هذا التقدم مباشرة إلى تنمية الكوادر البشرية الناتجة عن المبادرات الرئاسية وسرعة الاستجابة للحوادث السيبرانية.
وتواصل مصر تنفيذ الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني (2023 - 2027)، التي تمثل إطارًا رقميًا متكاملًا لتعزيز حماية البنية التحتية الرقمية ورفع مستويات الجاهزية والاستجابة.. كما تم البدء في الأعمال التمهيدية للإعداد للإصدار الثالث من الاستراتيجية، لمواكبة التطورات العالمية المتسارعة والاستعداد للتحديات والفرص التي تفرضها التقنيات الحديثة، وبحسب تصريحات لوزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فقد تم اعتماد 45 شركة كمقدمي خدمات أمن سيبراني، في إطار اهتمام الدولة بتنمية سوق الأمن السيبراني ودعم الشركات الوطنية العاملة في هذا المجال، بما يسهم في رفع جودة الخدمات وتعزيز الثقة في السوق المصرية.
تم تدشين الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في عام 2019، وأسهم تنفيذ محاورها في تقدم ترتيب مصر 46 مركزًا في مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي، كما تم إطلاق الإصدار الثاني من الاستراتيجية في مطلع عام 2025، ويتضمن 6 محاور هي: البيانات، والمهارات، والنظام البيئي، والبنية التحتية، والتطبيقات، والحوكمة.
ويعمل القطاع على بناء منظومات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الخدمات، وكان وضوح الرؤية سمة رئيسية في النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، من خلال وضع مستهدفات محددة خلال السنوات الخمس المقبلة (2025 - 2030)، ومن أبرزها أن تصل نسبة مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي لمصر إلى 7.7%.
ويجمع خبراء قطاع الاتصالات على أن مصر نجحت بالفعل في مرحلة "الزراعة الرقمية" وبناء القاعدة العريضة من المواهب. ومع ذلك، فإن التحدي في المرحلة المقبلة أصبح يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأساليب الاختراق السيبراني تتغير بشكل شبه يومي، والمنافسة الشرسة من الشركات العالمية وسوق الخليج وأوروبا لاستقطاب الكفاءات المصرية تتطلب خلق بيئة عمل محلية جاذبة (رواتب تنافسية، حوافز ابتكار، ودعم للشركات الناشئة)، لضمان بقاء هذه العقول داخل المنظومة الاقتصادية والأمنية للدولة المصرية.
ولم تعد مصر تقف في مقاعد المتفرجين؛ فالاستثمار المباشر في الإنسان من الطفولة وحتى سوق العمل عبر "أجيال مصر الرقمية" يبرهن على أن الدولة تمكنت من صياغة إطار أمني وتنموي حديث، يضمن لها مقعداً قيادياً في خارطة الاقتصاد الرقمي العالمي الجديد، ومنذ تولى الرئيس السيسي الحكم في البلاد أخذ على عاتقه بناء مصر الجديدة التي تبنى بالإنسان المصرى من خلال مبادرة "بناء الانسان" والاهتمام بكل ما يخص الانسان المصرى صحيا وعلميا وثقافيا ونفسيا، وتوفير حياة كريمة له يكون من خلالها قادر على العطاء والإنتاج، وأنشأت مصر المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي، والذى تحول اسمه بعد ذلك الى "المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة"، ليتواكب مع التوجهات العالمية الحديثة، واتساقًا مع المعايير الدولية، في ضوء قيام الأمين العام للأمم المتحدة مؤخرًا بتحويل "مبعوث التكنولوجيا" إلى مكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية والبازغة، وجاءت مشاركة مصر في قمة تأثير الذكاء الاصطناعي، التي انعقدت في نيودلهي بالهند مؤخرا، كخطوة استراتيجية لتعزيز تواجد مصر في المحافل الدولية المعنية بصياغة مستقبل التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وترسيخ دور مصر كشريك فاعل في مناقشات حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا، بمشاركة عدد من قادة الدول ورؤساء الحكومات، إلى جانب نحو 250 ألف مشارك من ممثلي الحكومات، ومسؤولي كبرى الشركات التكنولوجية العالمية والمتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والمنظمات الدولية، والمستثمرين، والمبتكرين، والباحثين.
وتمضي مصر بخطى ثابتة على هذا النهج، من خلال التوسع في نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية في الصحة والتعليم والزراعة والعدل وادوات الحوكمة الرقمية، بما يضمن تعظيم الأثر المجتمعي للذكاء الاصطناعي.