كيف يدير جهاز مستقبل مصر منظومة متكاملة لتأمين احتياجات الدولة؟

السبت، 18 يوليو 2026 06:00 م
كيف يدير جهاز مستقبل مصر منظومة متكاملة لتأمين احتياجات الدولة؟
أمل غريب

يقدم نموذج مختلف لإدارة ملف الأمن الغذائي بالتكامل بين المؤسسات وتوحيد القرار وربط مراحل الإنتاج داخل سلسلة واحدة

ينفذ رؤية الدولة في الانتقال من الاستيراد إلى زيادة الإنتاج المحلي والتوسع في الرقعة الزراعية وبناء منظومة مستدامة في توفير الغذاء

يحول الأصول غير المستغلة إلى مشروعات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة وجذب استثمارات وتوفير فرص عمل

لم يعد الأمن الغذائي في عالم اليوم مجرد قضية إنتاج زراعي أو ملف اقتصادي، يرتبط بتوفير السلع الأساسية للمواطنين، بل أصبح أحد أهم محددات الأمن القومي للدول، بعد أن أثبتت الأزمات الدولية المتلاحقة، أن الغذاء يمكن تحويله إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي، لا تقل خطورة عن الطاقة أو السلاح، فمنذ أزمة جائحة كورونا، التي اجتاحت العالم ثم اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من اضطراب غير مسبوق في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الحبوب والزيوت والأسمدة، بات واضحا أن الدول التي تعتمد بصورة كبيرة، على الاستيراد أصبحت أكثر عرضة للصدمات الخارجية، بينما تمكنت الدول التي استثمرت في زيادة إنتاجها المحلي، وبناء منظومات متكاملة للأمن الغذائي، من احتواء جانب ضخم من تداعيات تلك الأزمات.

وفي وسط هذه المتغيرات العالمية، لم تتعامل الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع ملف الزراعة باعتباره قطاعا خدميا أو إنتاجيا فحسب، وإنما أعادت صياغته، كونه أحد الملفات الاستراتيجية المرتبطة مباشرة بالأمن القومي، لذا، جاءت رؤية الرئيس السيسي، التي قامت على الانتقال من سياسة تأمين احتياجات السوق عبر الاستيراد، إلى استراتيجية أكثر شمولا، تستهدف زيادة الإنتاج المحلي، والتوسع في الرقعة الزراعية، ورفع كفاءة إدارة الموارد، وبناء منظومة مؤسسية قادرة على تحقيق الاستدامة في توفير الغذاء، وهو ما تحدث عنه الرئيس في أكثر من مناسبة، مؤكدا أن "الزراعة بالنسبة لنا مسألة أمن قومي"، وهي عبارة لم تكن مجرد توصيف سياسي، وإنما شكلت الأساس الذي انطلقت منه الدولة، في تنفيذ واحد من أكبر برامج التوسع الزراعي في تاريخها الحديث، من خلال مشروعات الدلتا الجديدة، ومستقبل مصر للإنتاج الزراعي، وتوشكى الخير، وشرق العوينات، وتنمية سيناء، وغيرها من المشروعات التي استهدفت إضافة ملايين الأفدنة إلى الرقعة الزراعية المصرية.

لذا، فإن نجاح هذه المشروعات، لم يكن مرتبط فقط باستصلاح الأراضي أو زيادة الإنتاج، بل فرض تحدي أكثر تعقيد، يتمثل في كيفية إدارة هذا التوسع الضخم بكفاءة، بما يضمن تكامل الأدوار بين الجهات المختلفة، وسرعة اتخاذ القرار، وتعظيم العائد من الاستثمارات التي ضختها الدولة في هذا القطاع الحيوي، لذلك كانت الحاجة إلى "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، الذي أنشئ طبقا لقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022 ، باعتباره أحد أهم الأدوات التنفيذية التي تعكس هذا التحول في فلسفة إدارة الدولة، حيث لم يعد الهدف إنشاء مشروع زراعي جديد فقط، وإنما بناء منظومة متكاملة تتولى التنسيق بين مختلف الأطراف، وتعمل وفق رؤية موحدة، تضمن تحقيق أعلى درجات كفاءة في إدارة الموارد الزراعية والغذائية، ولا يعني ذلك أن الجهاز جاء ليحل محل الوزارات أو الهيئات القائمة، فلكل مؤسسة اختصاصاتها التي ينظمها القانون، وإنما يمثل إطار مؤسسي يعمل على توحيد الرؤية، وربط حلقات الإنتاج الزراعي المختلفة، وتسريع وتيرة التنفيذ، وتطبيق مبادئ الحوكمة التي أصبحت أحد أهم معايير الإدارة الحديثة في العالم، فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بحجم المشروعات التي تنفذها، وإنما بقدرتها على إدارتها بكفاءة، وتحويلها إلى منظومات مستدامة تحقق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي.

ولعل هذا هو الفارق الجوهري، بين مرحلة إنشاء المشروعات القومية والمرحلة الحالية، والتي تركز على تعظيم الاستفادة منها، فخلال السنوات الماضية، أولت الدولة اهتمام كبير، بإقامة البنية الأساسية من طرق ومحاور وموانئ ومدن جديدة، إلى جانب إطلاق مشروعات زراعية عملاقة، أما اليوم فإن الأولوية تتجه بصورة متزايدة، نحو رفع كفاءة التشغيل والإدارة، وضمان التكامل بين المؤسسات، وتعظيم العائد من الاستثمارات العامة، وهو ما يتجسد بوضوح في الهدف من إنشاء جهاز مستقبل مصر، حيث أكد الرئيس السيسي، في أكثر من لقاء، أن الدولة لا تنفذ هذه المشروعات من أجل الحاضر فقط، وإنما من أجل الأجيال القادمة، وأشار إلى أن استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاج الزراعي، يمثلان استثمار طويل الأجل في مستقبل مصر، وليس مجرد استجابة لاحتياجات أنية، كما شدد على أن ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة، يؤكد صحة توجه الدولة نحو تعزيز قدرتها الذاتية على إنتاج الغذاء، وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يحفظ استقلال القرار الوطني، ويعزز قدرة الاقتصاد المصري في مواجهة المتغيرات الدولية، إذ يمكن النظر إلى جهاز مستقبل مصر، باعتباره تجسيد عملي لهذه الرؤية، فهو لا يدير مشروع بعينه، بل يسهم في إدارة منظومة كاملة تمتد من استصلاح الأراضي إلى الزراعة والإنتاج، مرور بالتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية، وصولا إلى التسويق والتصدير، فهذه النظرة الشاملة هي التي تجعل الأمن الغذائي جزء من استراتيجية التنمية المستدامة، وليس مجرد هدف مرحلي، يرتبط بزيادة إنتاج محصول معين أو خفض فاتورة الاستيراد.

ولذلك، فإن أهمية جهاز مستقبل مصر، لا تكمن فقط في حجم الأراضي التي يشرف على تنميتها، وإنما في كونه يقدم نموذج مختلف لإدارة ملف الأمن الغذائي، يقوم على التكامل بين المؤسسات وتوحيد القرار، وربط مراحل الإنتاج المختلفة داخل سلسلة واحدة، بما يحقق أعلى كفاءة ممكنة، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية، فإذا كانت السنوات الماضية، قد شهدت إطلاق عدد غير مسبوق من المشروعات الزراعية القومية، فإن المرحلة الحالية، تمثل انتقال نوعي من إنشاء المشروعات إلى إدارة المنظومات.

الرئيس السيسي، أكد في أكثر من مناسبة، أن الدولة لا تستطيع البقاء رهينة لتقلبات الأسواق العالمية أو الأزمات الدولية، وشدد على أن زيادة الإنتاج المحلي، تمثل الضمان الحقيقي لاستقرار الأسواق، وحماية المواطنين من الصدمات الخارجية، وخلال افتتاح عدد من المشروعات الزراعية، أشار الرئيس إلى أن ما تنفذه الدولة اليوم، هو استثمار في مستقبل الأجيال القادمة، وأوضح كثيرا، أن استصلاح الأراضي لا يهدف فقط، إلى زيادة الرقعة الزراعية، وإنما لبناء قدرة إنتاجية مستدامة، تواكب النمو السكاني وتحديات المستقبل.

ووفقا لكل ما صرح به الرئيس السيسي، على مدار سنوات، يمكن فهم فلسفة جهاز مستقبل مصر، باعتبارها امتداد لهذه الرؤية، إذ لا يقتصر دوره على إدارة الأراضي الزراعية، وإنما يمتد إلى التنسيق بين مختلف الجهات المشاركة في المنظومة، وربط حلقات الإنتاج والتخزين والتصنيع والتوزيع، بما يحقق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ولعل أبرز ما يميز هذا النموذج، هو اعتماده على الحوكمة، باعتبارها أداة للإدارة الرشيدة، فالحديث عنها لا يعني الالتزام بالقوانين أو الإجراءات وحسب، وإنما أيضا، يشير إلى وجود منظومة واضحة للمسؤوليات، تعتمد على التخطيط العلمي، وتبادل البيانات وقياس الأداء، والشفافية والمساءلة، وسرعة اتخاذ القرار، وهذه العناصر مجتمعة، أصبحت اليوم معيار أساسي لنجاح المؤسسات الكبرى في مختلف أنحاء العالم.

أما في الحالة المصرية، فيكتسب تطبيق الحوكمة أهمية مضاعفة، نظرا لتعدد الجهات العاملة في القطاع الزراعي، فهناك وزارات الزراعة واستصلاح الأراضي، والموارد المائية والري، والجهات المختصة بالبنية الأساسية، وهيئات التخزين والتموين، ومؤسسات التصنيع الغذائي، وغيرها من الأجهزة التي يؤدي كل منها دور هام في المنظومة، غير أن اتساع حجم المشروعات القومية يجعل من الضروري، وجود إطار مؤسسي يضمن تكامل هذه الأدوار معا، ويحول دون ازدواجية العمل أو تضارب القرارات، بينما لا يعني ذلك مطلقا، إلغاء اختصاصات أي جهة أو الانتقاص من دورها، بل على العكس، فإن فلسفة الحوكمة تحفاظ على الاختصاصات القانونية لكل مؤسسة، مع توفير آلية فعالة للتنسيق بينها، بحيث تعمل جميعها وفق رؤية واحدة، وأهداف مشتركة، وهذا هو جوهر الإدارة الحديثة التي تعتمد على التكامل المؤسسي، بدلا من العمل المنعزل، فمن أبرز النتائج التي يحققها هذا النهج، سرعة اتخاذ القرار، وبدلا من انتقال الملفات بين عدد كبير من الجهات، يصبح هناك إطار واضح للتنسيق، يتيح حل المشكلات في وقتها، ومتابعة التنفيذ بصورة مستمرة، وتقييم الأداء وفق مؤشرات محددة، وهو ما ينعكس بالنهاية على كفاءة المشروعات وسرعة إنجازها، كما تسهم الحوكمة في بناء قاعدة بيانات موحدة، وهي أحد أهم عناصر نجاح إدارة القطاع الزراعي، خاصة أن امتلاك معلومات دقيقة عن الأراضي، والمحاصيل والإنتاج والاستهلاك، والموارد المائية والطاقة التخزينية وحركة الأسواق، يساعد متخذ القرار على رسم السياسات الزراعية، بصورة أكثر دقة، ويتيح سرعة التعامل مع أي متغيرات أو أزمات، من الممكن أن تطرأ على الأسواق المحلية أو العالمية.

وتبرز أهمية هذا الأمر، في إدارة المحاصيل الاستراتيجية، ومنها القمح والذرة والمحاصيل الزيتية، التي تمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي المصري، فكل زيادة في الإنتاج المحلي، تعني تقليل الاعتماد على الاستيراد، وخفض الضغط على النقد الأجنبي، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة تقلبات الأسعار العالمية، وهو ما ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة، عندما نجحت مصر في الحفاظ على توافر السلع الأساسية، رغم الاضطرابات التي شهدتها الأسواق الدولية، لذلك يمكن القول بإن الدولة انتقلت من مفهوم "إدارة الأزمة" إلى "التنبؤ بالمخاطر"، فبدلا من انتظار حدوث أزمة غذائية، ثم البحث عن حلول عاجلة، أصبحت تبني منظومة قادرة على توقع المخاطر والاستعداد لها، من خلال زيادة الإنتاج ورفع كفاءة التخزين، وتطوير سلاسل الإمداد وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي.

ولا يقتصر أثر هذه السياسة على الجانب الزراعي فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، فزيادة الإنتاج الزراعي تعني تشغيل المزيد من العمالة، وتحفيز الصناعات الغذائية، وتوسيع أنشطة النقل والتعبئة والتغليف والتخزين، ورفع حجم الصادرات الزراعية، بما يسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير العملة الأجنبية وتحسين ميزان المدفوعات.

لذلك، تتجاوز أهمية جهاز مستقبل مصر، حدود الإدارة التنفيذية، ليصبح أحد النماذج المؤسسية التي تعكس مبادئ الجمهورية الجديدة، في إدارة الملفات الاستراتيجية، فالدولة لم تعد تعتمد على العمل التقليدي القائم على الفصل الكامل بين المؤسسات، وإنما تتجه نحو نماذج أكثر تكاملا، تعتمد تبادل البيانات، وتوحيد الأولويات، والتنسيق المستمر بين الجهات، بما يحقق سرعة الإنجاز ووضوح المسؤوليات، ولعل هذا هو جوهر الحوكمة، التي أصبحت أحد أهم مفاهيم الإدارة العامة في العالم، فالهدف منها ليس إنشاء مستويات إدارية جديدة، وإنما تقليل التعقيد الإداري، ورفع كفاءة اتخاذ القرار، ومنع ازدواجية الاختصاصات، وضمان استخدام الموارد العامة بصورة أكثر كفاءة، وعندما تطبق هذه المبادئ في قطاع حيوي مثل الزراعة، فإن أثرها يمتد إلى الاقتصاد بأكمله، لأنها تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الغذائي، والاستثمار والتشغيل، والتصدير واستقرار الأسواق، وهو الأمر الذي أكد عليه الرئيس السيسي، في أكثر من مناسبة، وشدد على أن الدولة تعمل وفق تخطيط علمي طويل المدى، وكذلك المشروعات التي تنفذ اليوم، تستهدف خدمة مصر لعشرات السنوات المقبلة، وليس معالجة احتياجات أنية فقط، كما شدد أيضا، على أن الحفاظ على الأمن الغذائي، يتطلب تطوير الإدارة بقدر ما يحتاجه التوسع في الإنتاج، لأن الإدارة الرشيدة، هي التي تضمن استدامة النتائج، وتحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة، وهنا تظهر العلاقة الوثيقة، بين الأمن الغذائي والحوكمة، فزيادة الرقعة الزراعية وحدها لا تكفي، إذا لم يصاحبها تخطيط دقيق للمحاصيل، وإدارة فعالة للمياه، ومنظومة حديثة للتخزين والنقل، وربط الإنتاج بالصناعة، ووجود قواعد بيانات دقيقة، تساعد على اتخاذ القرار، وهذه العناصر جميعها هي التي تجعل الأمن الغذائي سياسة دولة متكاملة، وليس مجرد مجموعة من المشروعات المنفصلة، كما أن نجاح هذه المنظومة ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني، فكل فدان جديد، يدخل دائرة الإنتاج يعني فرص عمل إضافية، وزيادة في الناتج الزراعي، وتحفيز للصناعات المرتبطة وتقليل للواردات، ورفع للصادرات وتحسين لميزان المدفوعات، لذا، فإن الاستثمار في الزراعة لم يعد يحقق عائد غذائي فقط، بل أصبح أيضا، يوفر مدخول اقتصادي وتنموي واستراتيجي.

ومن جانب أخر، فإن بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي، يعزز استقلال القرار الوطني، فكلما زادت قدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الأساسية، تراجعت درجة تأثرها بالتقلبات الخارجية، وأصبحت أكثر قدرة على حماية مواطنيها من الأزمات العالمية، وأثبتت السنوات الأخيرة، أن الدول التي تمتلك قاعدة إنتاج محلية قوية، كانت هي الأكثر قدرة على تجاوز اضطرابات الأسواق العالمية، وهو ما يفسر استمرار مصر، في التوسع الزراعي، رغم التحديات الاقتصادية العالمي، ولذلك، فإن جهاز مستقبل مصر، لا تقتصر على حجم الأراضي التي يشرف عليها، أو عدد المشروعات التي يديرها، وإنما ينطلق من الفلسفة التي يمثلها، فالجهاز يجسد توجه نحو إدارة أكثر تكاملا، تقوم على التنسيق المؤسسي والحوكمة، وتعظيم الاستفادة من الموارد، وربط التخطيط بالتنفيذ، وتحويل الأمن الغذائي إلى منظومة متكاملة، تتشارك فيها مختلف مؤسسات الدولة، كل في نطاق اختصاصه، ضمن رؤية واحدة وأهداف واضحة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة