جهاز مستقبل مصر.. منظومة تنموية متكاملة لدعم الاقتصاد والأمن الغذائي (القصة الكاملة)

الأربعاء، 22 يوليو 2026 05:56 م
جهاز مستقبل مصر.. منظومة تنموية متكاملة لدعم الاقتصاد والأمن الغذائي (القصة الكاملة)

شهد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، خلال السنوات الأخيرة، تطورًا متسارعًا في طبيعة اختصاصاته، بالتوازي مع توسع الدولة في تنفيذ المشروعات القومية، فبعد أن ارتبطت مهامه بقيادة مشروعات التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي، اتسع نطاق عمله ليقود منظومة اقتصادية وتنموية متكاملة تضم الزراعة، والإنتاج الحيواني، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتجارة، والاستثمار، والتحول الرقمي، والتنمية العمرانية، في نموذج تنموي يستهدف تعظيم القيمة المضافة للموارد الوطنية، ورفع كفاءة إدارة الأصول، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم مستهدفات الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات.

ولا تقوم فلسفة عمل الجهاز على تنفيذ مشروعات منفصلة، وإنما على بناء سلاسل إنتاج متكاملة تبدأ من الأرض، مرورًا بالإنتاج والتخزين والتصنيع والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى التسويق والتوزيع، بما يضمن تحقيق أعلى قيمة اقتصادية من الموارد المتاحة، ويحول كل مشروع إلى جزء من منظومة إنتاجية مترابطة قادرة على دعم الاقتصاد الوطني بصورة مستدامة. ويعتمد الجهاز كذلك على شراكات واسعة مع القطاع الخاص والمؤسسات الوطنية والدولية، بما يعزز كفاءة التنفيذ ويزيد من فرص الاستثمار في مختلف القطاعات التنموية.

التوسع الزراعي... نقطة الانطلاق

بدأت رحلة الجهاز من أكبر مشروع لاستصلاح واستزراع الأراضي في تاريخ الدولة المصرية بإجمالي مستهدف يبلغ 4.5 مليون فدان، بهدف زيادة الرقعة الزراعية، وتعزيز إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وخلق مجتمعات إنتاجية جديدة تعتمد على أحدث نظم الزراعة والري الحديث والبنية الأساسية الذكية.

ولم تقتصر جهود الجهاز على التخطيط للمشروع، بل نجح حتى الآن في استصلاح ما يقرب من 80% من المساحة المستهدفة في مختلف أنحاء الجمهورية، تتقدمها مشروعات الدلتا الجديدة وشرق العوينات وسنابل سونو وسيناء والمنيا-بني سويف والسادات واللاهون والنوبارية، لتتحول مساحات واسعة من الصحراء إلى مناطق إنتاج متكاملة تمثل قاعدة جديدة للزراعة والاستثمار والإنتاج الغذائي.

وتعتمد هذه المشروعات على إنشاء بنية تحتية متطورة تشمل شبكات الري الحديثة، ومحطات الرفع، والطرق، والكهرباء، ومحطات الطاقة، والخدمات اللوجستية، بما يتيح تحويل الأراضي الجديدة إلى مجتمعات إنتاجية قادرة على دعم النشاط الزراعي والصناعي في آن واحد، مع توفير آلاف فرص العمل وفتح مجالات واسعة أمام استثمارات القطاع الخاص.

كما يستهدف الجهاز التوسع في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي المصري، حيث ساهمت مشروعات الجهاز الزراعية هذا العام في زيادة إنتاجية القمح المحلي بصورة غير مسبوقة، لتسجل منظومة توريد القمح المحلي رقمًا قياسيًا تاريخيًا بلغ نحو 5 ملايين طن، وهو أعلى معدل توريد تشهده مصر، بما يعزز قدرة الدولة على تقليل الاعتماد على الواردات وزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي.

ويحظى بنجر السكر بأولوية خاصة داخل التركيب المحصولي للمشروعات الزراعية، إذ أسهم التوسع في زراعته داخل الدلتا الجديدة ومناطق الاستصلاح الجديدة في دعم مصانع السكر وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بنجر السكر، بما يمثل خطوة مهمة نحو تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز استقرار السوق المحلية.

وفي الوقت نفسه، انعكس التوسع الزراعي على أداء الصادرات المصرية، حيث حققت الصادرات الزراعية المصرية لأول مرة في تاريخها حاجز 10 ملايين طن، بزيادة تقارب 300% مقارنة بعام 2014، وهو ما يعكس نجاح نموذج التنمية الزراعية الذي تتبناه الدولة، ودور المشروعات الجديدة في زيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية.

ولم تعتمد الدولة في هذه المشروعات على الجهد الحكومي وحده، بل أصبح القطاع الخاص شريكًا رئيسيًا في التنمية داخل الدلتا الجديدة، حيث تعمل أكثر من 150 شركة متخصصة في مجالات الزراعة والميكنة الزراعية ومستلزمات الإنتاج، بما يعكس نجاح نموذج الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في دعم التنمية الزراعية وزيادة الإنتاج.

التخزين... استكمال منظومة الأمن الغذائي

التوسع الكبير في الإنتاج الزراعي فرض ضرورة تطوير منظومة التخزين، باعتبارها الضامن الرئيسي للحفاظ على جودة المحاصيل وتقليل الفاقد وتعزيز قدرة الدولة على إدارة مخزونها الاستراتيجي.

وفي هذا الإطار، أنشأ الجهاز أكبر مجمع للصوامع في الشرق الأوسط داخل مشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب شبكة متكاملة من المخازن الاستراتيجية وثلاجات التبريد، لترتفع الطاقة التخزينية إلى نحو 600 ألف طن، بما يعزز قدرة الدولة على استيعاب الإنتاج المتزايد، ورفع كفاءة تداول الحبوب، وضمان استمرار توافر السلع الاستراتيجية على مدار العام.

التصنيع... تعظيم القيمة المضافة للإنتاج

ومع استقرار منظومة الإنتاج والتخزين، انتقل الجهاز إلى مرحلة جديدة تقوم على تعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع الغذائي، باعتباره الحلقة الأكثر قدرة على زيادة العائد الاقتصادي من المحاصيل الزراعية.

وفي هذا الإطار، أنشئت مدينة مستقبل مصر الصناعية، التي تضم منظومة واسعة من مصانع الصناعات الغذائية تشمل مصانع النشا والجلوكوز، والعصائر، والخضروات والفاكهة المجمدة، والمربات، والمركزات، والأعلاف، والعبوات، واللحوم المصنعة، بما يوفر طاقة إنتاجية تبلغ نحو 3.4 مليون طن من الخامات الزراعية سنويًا، تنتج ما يقرب من 1.7 مليون طن من المنتجات النهائية المخصصة للسوق المحلية والتصدير.

وإلى جانب مدينة مستقبل مصر الصناعية، يمثل مجمعا قها وإدفينا أحد أهم الأذرع التصنيعية التابعة للجهاز في مجال الصناعات الغذائية، حيث يعملان على تعظيم الاستفادة من الإنتاج الزراعي وتحويله إلى منتجات غذائية عالية الجودة ذات قيمة مضافة، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمجمعين نحو 475 ألف طن من الخامات الزراعية سنويًا، بإنتاج يقارب 513 ألف طن من المنتجات النهائية، تشمل العصائر، والمربات، والخضروات والفاكهة المجمدة، والألبان ومشتقاتها، والزيوت، والبصل والثوم المجفف، إلى جانب أنشطة التعبئة والتغليف، بما يدعم تلبية احتياجات السوق المحلية، ويعزز القدرة التنافسية للصادرات المصرية في الأسواق الخارجية، ضمن منظومة تصنيع متكاملة تربط بين الإنتاج الزراعي والصناعة والتصدير.

كما عزز الجهاز شراكاته مع القطاع الخاص في تشغيل هذه المصانع، وأبرم اتفاقيات مع عدد من كبرى الشركات العاملة في مجالات التصنيع الغذائي وتسويق المنتجات، بهدف رفع كفاءة التشغيل، وتعظيم العائد الاقتصادي، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الإقليمية والدولية، بما يحول الإنتاج الزراعي إلى صناعة متكاملة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

الخدمات اللوجستية... ربط الإنتاج بالأسواق

ولأن نجاح أي منظومة إنتاجية يرتبط بكفاءة حركة التداول، اتجه الجهاز إلى تطوير منظومة الخدمات اللوجستية، من خلال إنشاء مركز سفنكس لتداول المحاصيل، الذي يعد أكبر مركز متكامل لتجارة وتداول المحاصيل والسلع الزراعية في الشرق الأوسط.

ويقام المركز على مساحة تبلغ نحو 500 فدان، بطاقة تداول وتخزين تتجاوز 20 مليون طن سنويًا، ويضم بورصة سلعية حديثة، ومحطات للفرز والتعبئة والتغليف، ومخازن وثلاجات، ومركزًا للمال والأعمال، بما يجعله منصة متكاملة لتنظيم حركة التجارة الزراعية، وربط مناطق الإنتاج بالمصانع والأسواق المحلية ومنافذ التصدير.

وتكتسب البورصة السلعية داخل المركز أهمية اقتصادية كبيرة، إذ تسهم في تعزيز الشفافية في تداول السلع، وتحقيق عدالة التسعير، وتنظيم العلاقة بين المنتجين والتجار، وتقليل حلقات الوساطة، بما ينعكس على استقرار الأسواق، وزيادة تنافسية المنتجات المصرية، وتعظيم مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.

شبكة توزيع متكاملة... من الإنتاج إلى المستهلك

ومع اكتمال حلقات الإنتاج والتخزين والتصنيع، اتجه جهاز مستقبل مصر إلى استكمال الحلقة الأخيرة في منظومة الأمن الغذائي، من خلال إنشاء شبكة توزيع واسعة تضمن وصول المنتجات إلى الأسواق بكفاءة وسرعة، بما يقلل حلقات التداول، ويحافظ على استقرار الأسعار، ويزيد من كفاءة سلاسل الإمداد.

وفي هذا الإطار، يدير الجهاز شبكة تضم نحو 1500 منفذ "سوبر توفير" موزعة على مختلف محافظات الجمهورية، لتصبح إحدى أكبر شبكات توزيع السلع الغذائية في مصر، حيث تعمل على توفير السلع الأساسية والمنتجات الغذائية بصورة مستمرة، مع الاعتماد على منظومة مباشرة تربط الإنتاج بالمستهلك دون حلقات وسيطة، بما يسهم في زيادة المعروض، وتحقيق التوازن داخل الأسواق، ودعم جهود الدولة في توفير السلع بأسعار مناسبة.

ولا تمثل هذه المنافذ مجرد منافذ بيع، وإنما تعد امتدادًا طبيعيًا لسلسلة القيمة التي يديرها الجهاز، إذ تبدأ رحلة المنتج من الأرض الزراعية، مرورًا بعمليات الحصاد، والتخزين، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، ثم تنتهي بوصوله إلى المستهلك عبر منظومة توزيع حديثة تحقق أعلى درجات الكفاءة والاستدامة.

تنويع الإنتاج.. منظومة متكاملة لتعزيز الأمن الغذائي

اعتمد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على تنويع مصادر الإنتاج، وعدم قصرها على النشاط الزراعي فقط، انطلاقًا من رؤية تستهدف بناء منظومة غذائية متكاملة تربط بين الإنتاج النباتي والحيواني والداجني والسمكي، بما يعزز قدرة الدولة على تلبية احتياجاتها من السلع الغذائية الاستراتيجية، ويرفع كفاءة سلاسل الإنتاج، ويحقق استدامة الأمن الغذائي.

وفي هذا الإطار، يقود الجهاز منظومة متكاملة للإنتاج الحيواني والداجني تعتمد على أحدث النظم العلمية، تبدأ بتوفير مستلزمات الإنتاج وإنتاج الأعلاف، مرورًا بتحسين السلالات، وتطبيق أعلى معايير الرعاية البيطرية والأمان الحيوي، وصولًا إلى الذبح والتجهيز داخل مجازر حديثة تعمل وفق أحدث المواصفات، بما يضمن إنتاج غذاء آمن وعالي الجودة.

وشهد قطاع الثروة الحيوانية توسعًا ملحوظًا من خلال إنشاء وتشغيل خمس مزارع متخصصة في تسمين الماشية بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 180 ألف رأس سنويًا، بما يسهم في زيادة المعروض من اللحوم الحمراء، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ودعم استقرار الأسواق، مع استهداف مواصلة التوسع خلال السنوات المقبلة.

كما يواصل الجهاز تطوير صناعة الدواجن عبر منظومة إنتاج متكاملة تبدأ من إنتاج الجدود والأمهات، مرورًا بمزارع التسمين، مستهدفًا الوصول إلى 6 ملايين طائر، بما يعزز استدامة الإنتاج المحلي، إلى جانب التوسع في إنتاج بيض المائدة، وإنتاج الألبان من خلال مزارع متخصصة تعتمد على أحدث نظم التشغيل، فضلًا عن إنشاء منظومة حديثة للمجازر تضم مجازر للدواجن والعجول تعمل وفق أعلى المعايير الصحية والبيطرية، بما يرفع القيمة المضافة للمنتجات ويعزز تنافسيتها.

وإيمانًا بأن زيادة الإنتاج ترتبط بجودة السلالات، يعمل الجهاز بالشراكة مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والقطاع الخاص على تنفيذ برامج للتحسين الوراثي، وتطوير الرعاية الصحية للثروة الحيوانية والداجنة، بما يسهم في رفع الإنتاجية، وتقليل معدلات النفوق، وتعزيز كفاءة المنظومة الإنتاجية، في إطار رؤية متكاملة تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، ودعم الصناعات الغذائية، وترسيخ الأمن الغذائي كأحد أهم ركائز التنمية المستدامة.

ولا تقتصر استثمارات الجهاز في هذا القطاع على إنتاج الدواجن التقليدي، بل يدير أيضًا واحدًا من أهم وأكبر مشروعات إنتاج البيض الخالي من مسببات الأمراض (SPF) في الشرق الأوسط، والذي يمثل ركيزة أساسية لدعم صناعة اللقاحات والبحوث الطبية والبيطرية، من خلال توفير بيض مطابق لأعلى المعايير الصحية العالمية، بما يعزز قدرات الدولة في مجالات الأمن الحيوي، والصناعات الدوائية، وإنتاج اللقاحات، ويدعم توجهها نحو توطين الصناعات الحيوية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

نهضة الثروة السمكية... استعادة قيمة البحيرات المصرية

ولم يقتصر دور الجهاز على الإنتاج الزراعي والحيواني، بل امتد ليشمل إعادة بناء منظومة الثروة السمكية، عبر تنفيذ خطة شاملة لتطوير البحيرات الطبيعية، وتعظيم الاستفادة من مواردها، وتحويلها إلى محركات رئيسية لدعم الأمن الغذائي.

وتقود هذه الرؤية أعمال تطوير بحيرات المنزلة والبردويل وناصر، من خلال إزالة التعديات، وتحسين جودة المياه، واستعادة المسطحات المائية، وتطوير الموانئ، ورفع كفاءة خدمات الصيادين، وتعزيز الرقابة البيئية، وإنشاء منظومات حديثة للتبريد والتصنيع والتعبئة، بما يرفع الإنتاج ويحافظ على استدامة المخزون السمكي.

وفي بحيرة المنزلة، نجح الجهاز في إزالة تعديات على مساحة تجاوزت 4700 فدان، وتنفيذ أعمال تطهير وتجريف وتحسين لجودة المياه، بما يمهد لزيادة الإنتاج السمكي بنحو 50% خلال السنوات المقبلة، واستعادة الدور التاريخي للبحيرة باعتبارها إحدى أهم البحيرات المنتجة للأسماك في مصر.

أما بحيرة البردويل، فتشهد تطويرًا شاملًا يشمل تحديث المراسي، وتحسين الخدمات المقدمة للصيادين، وإنشاء ورش الصيانة، وتطوير مصانع الثلج، وتنظيم عمليات الصيد، وحماية المخزون السمكي، بما يحافظ على مكانتها كواحدة من أنقى البحيرات الطبيعية وأكثرها إنتاجًا للأسماك عالية الجودة.

وفي بحيرة ناصر، ينفذ الجهاز رؤية متكاملة تستهدف رفع الإنتاج تدريجيًا إلى 60 ألف طن، مع تطوير الموانئ، وإنشاء مصانع جديدة للأسماك، وتحديث منظومة التبريد، والاستفادة من مفيض توشكى، والتوسع في مشروعات الاستزراع السمكي، بما يعظم الاستفادة من أكبر بحيرة صناعية في العالم، ويزيد مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.

الطاقة... ركيزة لاستدامة التنمية

واتساع حجم المشروعات الإنتاجية استلزم توفير مصادر طاقة قادرة على تلبية احتياجات التشغيل، لذلك اتجه الجهاز إلى تنفيذ مشروعات للطاقة المتجددة ضمن استراتيجية تستهدف خفض تكاليف التشغيل، وتحقيق الاستدامة البيئية، ودعم توجه الدولة نحو الاقتصاد الأخضر.

ويجري تنفيذ مشروعات لإنتاج الطاقة النظيفة بقدرات تصل إلى 2320 ميجاوات، في عدد من المناطق الاستراتيجية، بما يوفر احتياجات المشروعات الزراعية والصناعية واللوجستية من الكهرباء، ويعزز كفاءة التشغيل، ويخفض الانبعاثات الكربونية، ويجعل الطاقة عنصرًا داعمًا لاستمرار التوسع التنموي.

التعدين... تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية

ومع التوسع في تنفيذ المشروعات القومية، اتجه جهاز مستقبل مصر إلى تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، من خلال تطوير قطاع التعدين باعتباره أحد القطاعات الداعمة للتنمية الاقتصادية، ومحركًا رئيسيًا لتوفير الخامات اللازمة لمشروعات البنية التحتية والصناعات الوطنية، إلى جانب زيادة الصادرات وتنويع مصادر الدخل.

ويتبنى الجهاز رؤية تقوم على الإدارة الاقتصادية للثروات التعدينية، بما يحقق أعلى قيمة مضافة للموارد الطبيعية، عبر التوسع في أعمال البحث والاستكشاف واستخراج المعادن والخامات المختلفة، وإدخالها في سلاسل الإنتاج والتصنيع، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، وخفض تكاليف تنفيذ المشروعات القومية، وزيادة تنافسية الصناعات المصرية.

ويشمل نشاط الجهاز الاستثمار في استخراج الذهب والمعادن المصاحبة، وإنتاج خام الفوسفات، واستغلاله في الصناعات الكيماوية والأسمدة، إلى جانب استخراج مواد البناء مثل الرمال والزلط والدولوميت والطفلة والتلك، بما يدعم مشروعات التنمية العمرانية والبنية الأساسية، ويعزز مساهمة قطاع التعدين في دعم الاقتصاد الوطني.

التحول الرقمي.. إدارة التنمية بأحدث التقنيات

بالتوازي مع التوسع في المشروعات، يعمل جهاز مستقبل مصر على بناء منظومة رقمية متكاملة، تعتمد على التكنولوجيا الحديثة في إدارة المشروعات، وتحليل البيانات، ودعم اتخاذ القرار، بما يعزز كفاءة التشغيل ويرفع معدلات الإنتاجية.

ويمثل التحول الرقمي أحد المحاور الاستثمارية الواعدة داخل الجهاز، حيث يجري العمل على إنشاء مراكز بيانات متطورة، والتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر باعتبارها نقطة عبور رئيسية للكابلات البحرية الدولية، بما يدعم تحول الدولة إلى مركز إقليمي للخدمات الرقمية، ويخلق فرصًا جديدة للاستثمار في الاقتصاد الرقمي.

التنمية العمرانية.. مجتمعات جديدة تنطلق من مشروعات التنمية

ومع اكتمال منظومة الإنتاج، اتجه الجهاز إلى توظيف المقومات التي وفرتها المشروعات القومية في إنشاء مجتمعات عمرانية حديثة، تستهدف تعظيم الاستفادة من الأراضي، وربط التنمية الزراعية بالتنمية العمرانية والاستثمارية.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع "جريان" باعتباره أحد أكبر المشروعات العمرانية المتكاملة الجاري تنفيذها في منطقة الدلتا الجديدة، حيث يقدم نموذجًا جديدًا للتنمية العمرانية يرتبط مباشرة بأحد أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعي في مصر، ويجمع بين الاستخدامات السكنية والتجارية والخدمية والترفيهية، بما يسهم في خلق مجتمع عمراني متكامل يدعم خطط التنمية غرب القاهرة.

كما يعمل الجهاز على تنفيذ مشروعات عمرانية واستثمارية أخرى، من بينها مشروع "زمرة" بالقاهرة الجديدة، في إطار رؤية تستهدف تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، وربط التنمية العمرانية بمناطق الإنتاج والخدمات، بما يعكس تحول الجهاز إلى مطور لمجتمعات إنتاجية وعمرانية متكاملة، وليس مجرد منفذ لمشروعات زراعية.

من المشروعات إلى الأسواق المالية

لم يعد دور جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة مقتصرًا على تنفيذ المشروعات القومية، بل امتد ليشمل بناء نموذج اقتصادي متكامل يقوم على تعظيم العائد من الأصول، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وخلق فرص استثمارية مستدامة، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو زيادة مساهمة الاستثمار الخاص في النشاط الاقتصادي، وتعزيز كفاءة إدارة الأصول المملوكة للدولة.

ويعتمد هذا النموذج على الشراكة مع المستثمرين في مختلف القطاعات التي يعمل بها الجهاز، سواء في الزراعة، أو التصنيع الغذائي، أو الخدمات اللوجستية، أو الطاقة، أو التعدين، أو التنمية العمرانية، من خلال نماذج استثمارية مرنة تحقق المنفعة المتبادلة، وتسهم في نقل الخبرات، وزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل.

ويمثل سوق رأس المال أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الجهاز لتمويل النمو، حيث يدرس طرح حصص من بعض الشركات التابعة في البورصة المصرية، بما يوسع قاعدة الملكية، ويتيح للمؤسسات المالية والمستثمرين المشاركة في المشروعات التنموية، ويوفر مصادر تمويل جديدة تدعم خطط التوسع المستقبلية.

ويستهدف هذا التوجه الاستفادة من آليات سوق المال في تعزيز الحوكمة والشفافية، ورفع كفاءة الأداء، وزيادة معدلات الإفصاح، بما يعزز ثقة المستثمرين، ويدعم قدرة الشركات التابعة على النمو والتوسع، وفق أفضل الممارسات المتبعة في الأسواق المالية.

ولا ينظر الجهاز إلى البورصة باعتبارها وسيلة لتمويل المشروعات فقط، وإنما باعتبارها منصة استراتيجية لزيادة مشاركة القطاع الخاص في عملية التنمية، وتعظيم العائد الاقتصادي للأصول، وتحقيق الاستدامة المالية للمشروعات، بما يتوافق مع رؤية الدولة لتمكين القطاع الخاص، وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.

ويعزز هذا التوجه امتلاك جهاز مستقبل مصر حصصًا واستثمارات في عدد من الشركات المقيدة، وتسهم هذه الاستثمارات في تعظيم العائد الاقتصادي من الأصول، ودعم توسع الشركات وزيادة قدرتها التنافسية، مع إخضاعها لقواعد الحوكمة والإفصاح والشفافية المطبقة في سوق رأس المال، بما يعزز ثقة المستثمرين، ويرسخ مبادئ الإدارة الرشيدة، ويوفر بيئة استثمارية أكثر كفاءة واستدامة، تتوافق مع أفضل الممارسات المعمول بها في الأسواق المالية.

الشراء الموحد للسلع الاستراتيجية

في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها أسواق الغذاء العالمية، وما تفرضه من تحديات على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، تبنت الدولة نموذجًا جديدًا لإدارة ملف الأمن الغذائي، يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وتكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة، لضمان توافر السلع الأساسية بصورة مستدامة، والحفاظ على استقرار الأسواق، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات.

وفي هذا الإطار، يتولى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، إدارة منظومة الشراء الموحد للسلع الاستراتيجية، باعتبارها أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة في تأمين احتياجاتها من السلع الأساسية، من خلال رؤية متكاملة تبدأ برصد الأسواق العالمية، وتحليل حركة التجارة الدولية، ودراسة اتجاهات الأسعار، وتنويع مصادر التوريد، وصولًا إلى إدارة التعاقدات، والإشراف على عمليات الشحن والاستلام والتخزين، وضمان تدفق السلع إلى الأسواق وفق احتياجات الدولة.

وتعتمد هذه المنظومة على التخطيط المسبق، وعدم الاكتفاء بردود الفعل تجاه المتغيرات العالمية، حيث يعمل الجهاز بصورة مستمرة على متابعة الأسواق الدولية، وتقييم المخاطر المحتملة، وبناء بدائل متعددة لمصادر الاستيراد، بما يضمن استمرارية الإمدادات، ويقلل من تأثير التقلبات العالمية على السوق المحلية.

ولا يقتصر دور الجهاز على عمليات الاستيراد، بل يمتد ليشمل إدارة سلسلة الإمداد بالكامل، من خلال ربط منظومة الشراء بشبكة الصوامع، والمخازن الاستراتيجية، ومراكز التداول، وثلاجات التبريد، ووسائل النقل، بما يضمن الحفاظ على جودة السلع، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة إدارة المخزون الاستراتيجي للدولة.

كما تتكامل منظومة الشراء الموحد مع المشروعات الإنتاجية التي ينفذها الجهاز في مجالات الزراعة، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، بما يحقق التوازن بين زيادة الإنتاج المحلي وتأمين الاحتياجات التي يتم توفيرها من الأسواق العالمية، ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة منظومة الأمن الغذائي.

ويعكس هذا النموذج تحولًا مؤسسيًا في إدارة السلع الاستراتيجية، يقوم على التكامل بين الإنتاج المحلي، والاستيراد، والتخزين، والتصنيع، والتوزيع، داخل منظومة واحدة تستهدف حماية الأمن الغذائي، وتحقيق استقرار الأسواق، وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، ويدعم مسيرة التنمية المستدامة.

الاستثمار.. شراكات تقود النمو

ويواكب هذا التوسع تبني الجهاز نموذجًا جديدًا للشراكة مع القطاع الخاص، يقوم على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وإشراك المستثمرين في تنفيذ وإدارة المشروعات التنموية، بما يعزز كفاءة التشغيل، ويزيد من القيمة الاقتصادية للأصول.

وفي هذا السياق، يطرح الجهاز فرصًا استثمارية في مجالات الزراعة، والتصنيع الغذائي، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والتحول الرقمي، والتنمية العمرانية، إلى جانب دراسة طرح حصص من بعض الشركات التابعة في البورصة، بما يوسع قاعدة الملكية، ويجذب رؤوس الأموال، ويعزز مساهمة القطاع الخاص في جهود التنمية.

ويعكس هذا النهج رؤية تقوم على أن التنمية المستدامة لا تتحقق بالاستثمار الحكومي فقط، وإنما من خلال شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، بما يضمن استدامة النمو، وزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتعظيم العائد الاقتصادي من المشروعات القومية.

الاستثمار في الإنسان.. كيف يبني جهاز مستقبل مصر كوادر التنمية للمستقبل؟

لم يقتصر توجه جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على التوسع في تنفيذ المشروعات القومية، وإنما امتد إلى الاستثمار في العنصر البشري، انطلاقًا من قناعة بأن استدامة التنمية لا تتحقق فقط من خلال إنشاء المشروعات، وإنما بإعداد كوادر وطنية تمتلك المهارات والخبرات اللازمة لإدارة منظومة إنتاجية تعتمد على التكنولوجيا والابتكار.

وفي هذا الإطار، يشارك الجهاز، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني وأكاديمية ITSAgro الإيطالية، في إنشاء 26 مدرسة مصرية إيطالية للتكنولوجيا التطبيقية الزراعية موزعة على 14 محافظة، لتكون نواة لمنظومة تعليم فني حديثة ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات سوق العمل وقطاعات الإنتاج.

وتقدم المدارس برامج تعليمية متخصصة في مجالات الزراعة الذكية، والتصنيع الغذائي، والميكنة الزراعية، والري الحديث، والطاقة الجديدة والمتجددة، وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، وتطبيقات التكنولوجيا الزراعية، بما يواكب التطور الذي تشهده المشروعات القومية التي ينفذها الجهاز.

ويقوم النموذج التعليمي على الدمج بين الدراسة النظرية والتدريب العملي داخل مواقع الإنتاج والمزارع والمصانع التابعة للجهاز، بما يمنح الطلاب خبرات تطبيقية حقيقية، ويؤهلهم للانخراط مباشرة في سوق العمل عقب التخرج، وفق أحدث النظم التعليمية المطبقة في التعليم التكنولوجي.

ويمثل هذا المشروع أحد أهم نماذج الربط بين التعليم والتنمية، حيث يسهم في إعداد أجيال جديدة من الفنيين والمتخصصين القادرين على قيادة مشروعات التنمية الزراعية والصناعية، وتوفير الكوادر البشرية اللازمة لاستمرار التوسع في المشروعات القومية، بما يدعم رؤية الدولة في بناء اقتصاد إنتاجي قائم على المعرفة والتكنولوجيا.

نحو أفريقيا.. كيف يوسع جهاز مستقبل مصر شراكاته الإقليمية؟

لا تقتصر رؤية جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على تنفيذ المشروعات داخل الحدود المصرية، وإنما تمتد إلى بناء شراكات تنموية واقتصادية مع الدول الأفريقية، انطلاقًا من رؤية الدولة المصرية لتعزيز التعاون مع دول القارة، ودعم جهود التنمية المشتركة، وتحقيق التكامل الاقتصادي والغذائي.

ويعمل الجهاز على نقل الخبرات المصرية في مجالات استصلاح الأراضي، والزراعة الحديثة، وإدارة الموارد المائية، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، إلى عدد من الدول الأفريقية، من خلال التعاون في تنفيذ مشروعات تنموية، وتبادل الخبرات الفنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكة.

ويمثل الأمن الغذائي أحد أهم محاور هذا التعاون، حيث يسعى الجهاز إلى بناء سلاسل إنتاج وتوريد إقليمية تدعم استقرار الأسواق، وتوفر احتياجات الدول الأفريقية من السلع الغذائية، مع الاستفادة من الإمكانات الزراعية والموارد الطبيعية التي تمتلكها القارة، بما يحقق مصالح مشتركة لجميع الأطراف.

كما يولي الجهاز اهتمامًا بتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية والتنموية الإقليمية والدولية، إلى جانب القطاع الخاص، بهدف جذب الاستثمارات، وتطوير مشروعات مشتركة في مجالات الزراعة، والتصنيع، والطاقة، والخدمات اللوجستية، بما يدعم التكامل الاقتصادي بين مصر والدول الأفريقية.

ويعكس هذا التوجه رؤية استراتيجية تستهدف ترسيخ مكانة مصر باعتبارها بوابة رئيسية للاستثمار والتنمية في أفريقيا، وتعزيز دور جهاز مستقبل مصر كمنصة إقليمية للتعاون الاقتصادي، ونقل الخبرات، وبناء مشروعات تنموية مستدامة تسهم في تحقيق الأمن الغذائي ودعم جهود التنمية بالقارة.

جهاز يقود مرحلة جديدة من التنمية

وخلال سنوات قليلة، نجح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في التحول من جهة تقود مشروعًا للتوسع الزراعي، إلى مؤسسة تنموية متكاملة تدير منظومة اقتصادية تضم الزراعة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والتجارة، والطاقة، والتعدين، والثروة الحيوانية والسمكية، والتنمية العمرانية، والتحول الرقمي، والاستثمار، في نموذج غير مسبوق يستهدف بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، وجذب الاستثمارات، ورفع تنافسية الاقتصاد المصري.

ومع استمرار التوسع في هذه المشروعات، يواصل الجهاز ترسيخ مكانته كأحد أهم الأذرع التنفيذية للدولة في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، وبناء منظومة تنموية متكاملة تستند إلى الإنتاج، وتعظيم القيمة المضافة، والإدارة الرشيدة للموارد، بما يتماشى مع مستهدفات الجمهورية الجديدة ورؤية مصر للتنمية المستدامة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق