دار الافتاء توضح حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة ومدى مخالفة ذلك للأعراف والقيم

السبت، 25 يوليو 2026 11:41 ص
دار الافتاء توضح حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة ومدى مخالفة ذلك للأعراف والقيم
منال القاضي

تجيب دار الافتاء على سائل  ، ما حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة ومدى مخالفة ذلك للأعراف والقيم؟ فقد توفي زوجي منذ ستة أشهر، وقد انتهت عدتي، وتقدم لخطبتي رجل مناسب، وأفكر في القبول بعد الاستخارة، لكني مترددة بسبب الخوف من كلام الناس ونظرتهم للزواج بعد وفاة زوجي بمدة قصيرة. فأرجو بيان الحكم الشرع. وجزاكم الله خيرًا.
 
الجواب:
يجوز للسائلة الإقدام على الزواج بعد انتهاء عدتها الشرعية من وفاة زوجها، وهو فعل مشروع ومباح باتفاق، وهو من المعروف الذي استحسنه الشرع، ولا يمثل خروجًا عن القيم الأخلاقية أو الدينية، وتقييد حق الأرملة في الزواج بعد انتهاء عدتها بحجة الولاء لزوجها المتوفى ولو بالضغط النفسي هو عضل لها، وهو منهي عنه في شريعة الله.
 
حكم زواج الأرملة بعد انتهاء العدة ومدى مخالفة ذلك للأعراف والقيم
 
العِدَّة في حقيقتها الشرعية هي حق محض للنكاح السابق، وهي الأثر الباقي له؛ إذ الأصلُ في عقد الزوجية أنه يُعقد ليدومَ مدى العمر، فإذا ما انقضى أجلُ العمر بالوفاة انقضى معه العقدُ ضرورةً وحكمًا، وبقيت العِدَّة خاتمة وفاء لهذا العقد، قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (6/ 30، ط. دار المعرفة): [العِدَّة محض حق النكاح؛ لأن النكاح بالموت ينتهي، فإنه يعقد للعمر، ومضي مدة العمر ينهيه، فتجب العِدَّة حقًّا من حقوقه] اهـ.
 
فصارت العِدَّة هنا هي الحق الأخير من حقوق الزوجية السابقة، وعارضًا بانقضائه تعود المرأة إلى أصل الحلّ؛ لانقطاع علقة النكاح السابقة حقيقة وحكمًا، ويكون للمرأة كامل الأهلية والحرية في إنشاء عقد زواج جديد متى توافرت أركانه وشروطه، وانتفت موانعه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234].
 
قال الإمام الطبري في "تفسيره" (5/ 93، ط. دار التربية والتراث): [يعني تعالى ذكره بذلك: فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهن فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهن -وذلك بعد انقضاء عددهن، ومضي الأشهر الأربعة والأيام العشرة- ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء -أولياء المرأة- فيما فعل المتوفى عنهن حينئذ في أنفسهن، من تطيب وتزين ونقله من المسكن الذي كن يعتددن فيه، ونكاح من يجوز لهن نكاحه، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، يعني بذلك: على ما أذن الله لهن فيه وأباحه لهن] اهـ.
 
فنفي الجناح دليل قوي على انتفاء الحرج، وجواز الزواج بعد انتهاء الأجل، وهو ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما، قال الإمام ابن أبي حاتم في "تفسيره" (2/ 437، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [عن ابن عباس، قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: إذا طلقت المرأة، أو مات عنها، فإذا انقضت عدتها، فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك: المعروف] اهـ.
 
فزواج الأرملة بعد انتهاء عدتها من زوجها المتوفى زواجًا شرعيًّا هو من المعروف، كما فسره أهل العلم، قال الخطيب الشربيني في "السراج المنير" (1/ 151، ط. مطبعة بولاق): [وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفه الشرع ويستحسنه من كونه بعقد حلال] اهـ.
 
فيكون ذلك النكاح من المعروف، ولا يتعارض مع القيم الإسلامية السمحة إطلاقًا، بل هو مشروع ومندوب إليه شرعًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [سورة النور: 32].
 
ويقصد بـ"الأيامى": كل من لم يكن له زوج سواء من الرجال أو النساء، وسواء تزوج قبل ذلك أو لم يتزوج.
 
قال العلامة ابن منظور في "لسان العرب" (12/ 39، ط. دار صادر): [الأَيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء وأصله أيايم، فقلبت لأن الواحد رجل أيم، سواء كان تزوج قبل أو لم يتزوج. ابن سيده: الأيم من النساء التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، ومن الرجال الذي لا امرأة له] اهـ.
 
وقد تزوج رسول الله السيدة سودة رضي الله عنها بعد وفاة زوجها السَّكْرَانِ بن عمرو، وقد تزوج عدد كبير من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أرامل بعد وفاة أزواجهن، ولم يكن في هديه صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه ما يمنع الأرملة من الزواج فور انقضاء عدتها، بل ورد ما يشجع على ذلك؛ فعن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَ…
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق