التنمية والأمن معا.. تحركات مصرية نشطة لتعزيز أمن إفريقيا وترسيخ الشراكات الاستراتيجية

السبت، 25 يوليو 2026 07:00 م
التنمية والأمن معا.. تحركات مصرية نشطة لتعزيز أمن إفريقيا وترسيخ الشراكات الاستراتيجية

 

الرئيس السيسى من تنزانيا: سد "جوليوس نيريري" نموذج ناجح للتعاون القارى ويفتح الباب للشركات المصرية أمام مشاركة أوسع

القاهرة تتحرك لتأمين القرن الإفريقي.. وتؤكد: رفض أية محاولات من أطراف غير مشاطئة للبحر الأحمر لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية

دعم كامل لوحدة إريتريا والصومال والسودان وليبيا ورفض أي إجراءات أحادية للمساس بسيادة الدول أو تقويض أسس الاستقرار بالمنطقة

 

شهد هذا الأسبوع نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا لمصر على الساحة الإفريقية، عكس رؤية متكاملة تقوم على الربط بين التنمية والأمن، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية مع الدول الإفريقية، خاصة الواقعة في دوائر التأثير المباشر على الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي.

 

شراكة استراتيجية مع تنزانيا.. التنمية بوابة الاستقرار

بدأت التحركات بزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا، السبت الماضى، والتي شهدت انعقاد القمة المصرية–التنزانية بمدينة دار السلام، مع الدكتورة سامية صلوحو حسن، رئيسة تنزانيا، وأسفرت عن توقيع مذكرتي تفاهم للتعاون في مجالي الكهرباء والطاقة المتجددة وقطاع النقل، بما يعكس رغبة البلدين في نقل العلاقات إلى مرحلة أكثر عمقًا تقوم على التكامل الاقتصادي والتنموي.

وأكد الرئيس السيسي أن العلاقات المصرية التنزانية تستند إلى تاريخ طويل من التعاون والاحترام المتبادل، مشددًا على أهمية مضاعفة حجم التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات، مع توسيع مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية التحتية والطاقة والزراعة والري والموانئ والدواء.

كما برز مشروع سد "جوليوس نيريري" باعتباره أحد أهم نماذج التعاون الإفريقي الناجح، حيث أكد الرئيس السيسي أن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ المشروع يفتح الباب أمام مشاركة أوسع في مشروعات التنمية التنزانية، إلى جانب بحث إنشاء مشروع زراعي مشترك لتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير ميناء دار السلام، وإنشاء خط ملاحي يربط ميناءي سفاجا ودار السلام، بما يدعم حركة التجارة بين شمال وشرق إفريقيا.

ولم تقتصر الزيارة على الجانب الاقتصادي، بل حملت رسائل سياسية واضحة تؤكد حرص القاهرة على دعم استقرار منطقة حوض النيل وتعزيز التعاون بين دولها بما يحقق المصالح المشتركة ويحافظ على الأمن الإقليمي.

وقال الرئيس السيسى، إن العلاقات بين البلدين، ظلت قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون البناء في مختلف المجالات، معتمدة على روابط مميزة بين الشعبي تمتد عبر قرون من التاريخ المشترك، والتفاعل الثقافي والمجتمعي، وهي الروابط التي أسست لعلاقة شراكة استراتيجية ناجحة بين بلدينا، لافتاً إلى أن الإرادة السياسية نجحت في تطوير علاقات التعاون بين البلدين بصورة غير مسبوقة خلال السنوات القليلة الماضية، سواء في الأطر الثنائية أو على صعيد التشاور السياسي والتنسيق المسبق وتقريب وجهات النظر وتوافق الرؤى حيال مختلف الموضوعات والقضايا الإقليمية والدولية.

وأشار الرئيس السيسى إلى تبادله الرؤي مع رئيسة تنزانيا، حول سُبل إحداث نقلة نوعية في التعاون الثنائي، تحقيقاً للمنفعة المتبادلة، ودعماً للتنمية المشتركة خاصة الدفع قدماً بكافة أوجه التعاون الاقتصادي، بما في ذلك زيادة معدلات التبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات بين البلدين وتكثيف التعاون الثنائي بمشاركة القطاع الخاص في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية والواعدة، مثل التشييد والبناء، والطرق، والنقل البحري والموانئ، والمناطق اللوجيستية، والكهرباء والطاقة، والزراعة واستصلاح الأراضي والري، والدواء والمستلزمات الطبية، وغير ذلك من المجالات التي تحظى باهتمام البلدين.

وأكد الرئيس السيسى أنه وجه بتكثيف نقل الخبرات المصرية، وتوفير الدعم الفني، وزيادة برامج التأهيل والتدريب، التي تهدف إلى بناء وتطوير قدرات الكوادر الوطنية في تنزانيا الشقيقة في مختلف القطاعات والمجالات؛ لإطلاق كل الطاقات الكامنة والواعدة فى علاقاتنا، موضحاً انه تم التباحث بشأن فرص البدء في مشروع استصلاح زراعي في الأراضي التنزانية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي للبلدين، وتلبية الاحتياجات الوطنية من المحاصيل الأساسية والإستراتيجية، مع العمل على توسيع رقعة هذا المشروع، على مراحل متلاحقة، والانتقال به إلى مرحلة التصدير.

وخلال القمة المصرية التنزانية، جدد الرئيس السيسى، الإعراب عن استعداد مصر للانخراط في مشروع توسعة ميناء دار السلام وتطويره، مع ضرورة وضع مخطط تطوير الميناء، ضمن تصور أوسع لمخطط المحاور اللوجيستية الإقليمية، وربطه بدول جوار تنزانيا، كما تم بحث مقترح استحداث خط ملاحي للربط البحري بين مينائي "سفاجا" و"دار السلام"، وإنشاء ممر متعدد الوسائط، يربط بين "القاهرة" و"دار السلام"، عن طريق إقامة عدد من المشروعات التنموية المشتركة.

وأشار الرئيس السيسى، إلى تقدير مصر للمواقف الإيجابية والمتزنة، التي تتبناها تنزانيا في العديد من الملفات الإقليمية، كما أكد تطلع مصر لتعزيز الدور التنزاني الإيجابي والبناء، الذي يقوم على تشجيع إرادة التفاهم، وروح التعاون بين الأشقاء، شركاء النهر في منطقة حوض النيل.

من جانبها أعربت الدكتورة سامية حسن رئيسة تنزانيا عن سعادتها باستقبال الرئيس السيسي على رأس وفد كبير من الوزراء ورجال الأعمال والمستثمرين لدعم التعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات، وقالت إن هذه الزيارة هي الثانية للرئيس السيسي لتنزانيا بعد زيارة عام 2017، مما يعكس قوة التعاون والعلاقات بين البلدين، معربة عن أملها ان تؤتى هذه الزيارة ثمارها للبلدين، مشيرة إلى أن التعاون بين البلدين يرجع لما قبل الاستعمار عندما جاء التجار المصريين لسواحل أفريقيا واستمر التعاون بعد الاستقلال، وأطلقت البلدان لجنة مشتركة لتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والصحة والتعليم والطاقة والأمن.

وأعربت رئيسة تنزانيا عن شكرها لمصر على ما تقدمه من دعم لبلادها في مجالات التدريب والتعليم والمنح المقدمة لمواطنينا وكذلك إيفاد أطباء مصريين إلى تنزانيا، كما أشادت بتنفيذ شركتين مصريتين لمشروع السد التنزاني بتكلفة بلغت 7 تريليونات شلن تنزاني، وهو تم بأيدي وأموال أفريقية مما يعكس قدرة الدول الأفريقية على إقامة المشروعات الكبرى.

وأشارت إلى اتفاقها مع الرئيس السيسي، على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، مشيرة إلى أن مصر تأتي في المركز الثامن ضمن أكبر عشر دول تستثمر في تنزانيا من خلال 61 مشروعا بقيمة 1.4 مليار دولار توفر اكثر من 4 آلاف فرصة عمل في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، مشيرة إلى اتفاقها مع الرئيس السيسي على التعاون في قطاع الزراعة وتربية الماشية لتعزيز الأمن الغذائي في البلدين، لافتة إلى خبرة مصر في مجال الري الحديث وإنتاج التقاوي، كما رحبت بالاتفاق الذي تم توقيعه لإقامة البنية التحتية في قطاع النقل والربط بين موانيء دار السلام وباجامويو وسفاجا، وبناء سكك حديد من باجامويو وكوالا وتخطيط منطقة لوجيستية لمصر لتصدير البضائع المصرية لدول المنطقة، وقالت إن تنزانيا ومصر اتفقتا على أهمية التعاون والحوار بين دول حوض النيل، وأن لا يتحول استخدام المياه إلى سبب للنزاعات بين بلدان المنطقة، مشيرة إلى موافقة مصر على دعم تنزانيا لتحصل على عضوية غير دائمة في مجلس الأمن الدولي لعامي 2028/2029.

وعلى هامش الزيارة، شارك الرئيس السيسي، والدكتورة سامية صلوحو حسن، في الجلسة الختامية لاجتماع رجال الاعمال من البلدين، تحت عنوان "من النيل إلى المحيط الهندي..شراكة صناعية من أجل ازدهار منطقة الساحل"، حيث شارك فيه 26 من كبار المستثمرين المصريين، وحوالي 120 من نظرائهم التنزانيين، وأكد الرئيس السيسى، أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وتنزانيا تستند على أسس واعدة، حيث يتم التعويل على دور القطاع الخاص في البلدين لتعزيز هذه العلاقات وبناء مشروعات تحقق قيمة مضافة، وتفتح أسواق جديدة تدعم أهداف التنمية والرخاء للشعبين المصري والتنزاني الشقيقين.

 

القاهرة تتحرك لتأمين القرن الإفريقي

بالتزامن مع التحرك الرئاسي، استضافت القاهرة سلسلة لقاءات أجراها وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي مع وزراء خارجية إريتريا والصومال، إضافة إلى كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، في إطار تنسيق الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي.

وخلال لقائه بنظيره الإريتري عثمان صالح، أكد وزير الخارجية دعم مصر الكامل لسيادة إريتريا ووحدة أراضيها، والعمل على تعزيز التعاون في مجالات الموانئ والنقل البحري والتعدين والاستثمار وبناء القدرات، مع التشديد على أن أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، والرفض الكامل لأية محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق أو لفرض نفاذها البحري بالمخالفة لأحكام القانون الدولي.

كما أكد عبد العاطى، موقف مصر الثابت تجاه الحفاظ على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري، وأهمية دعم مؤسسات الدولة الوطنية والحفاظ على وحدة وسيادة وسلامة أراضي دول المنطقة ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بسيادة الدول أو تقويض أسس الاستقرار بالمنطقة.

أما في المباحثات مع وزير خارجية الصومال عبد السلام عبدي علي، فجددت مصر على لسان وزير الخارجية، بدر عبد العاطى، دعمها الكامل لوحدة وسيادة الدولة الصومالية، ورفضها لأي إجراءات أحادية تمس سلامة أراضيها، وإدانة مصر للخطوة غير القانونية والمرفوضة المتمثلة في إقدام إقليم شمال غرب الصومال ما يسمى بمنطقة أرض الصومال على افتتاح سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وبما يمثل مساسًا مباشرًا بالوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة، مع التأكيد على استمرار التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب، وبناء مؤسسات الدولة، وتطوير البنية التحتية والطاقة والزراعة، بما يعزز قدرة الصومال على تحقيق الاستقرار والتنمية.

وأشاد وزير الخارجية الصومالي بالدعم المصري المتواصل للصومال على المستويات السياسية والتنموية والأمنية، مثمناً المواقف المصرية الثابتة الداعمة لوحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه، ومؤكداً الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور مع مصر بشأن مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك بما يحقق المصالح المشتركة.

 

تنسيق مع الولايات المتحدة بشأن أزمات الإقليم

وشملت التحركات أيضًا لقاء وزير الخارجية مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، حيث تناول الجانبان تطورات الأوضاع في السودان وليبيا والقرن الإفريقي، إلى جانب ملف الأمن المائي، وأكدت مصر خلال اللقاء ثوابتها تجاه دعم وحدة السودان، والحفاظ على مؤسسات الدولة الليبية، ورفض أي إجراءات أحادية في حوض النيل تمس الحقوق المائية المصرية، باعتبار الأمن المائي قضية وجودية ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري.

وأشاد مسعد بولس بالدور الذي تضطلع به مصر في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة، مؤكداً أهمية مواصلة التنسيق والتشاور مع مصر إزاء مختلف القضايا الإقليمية، بما يخدم المصالح المشتركة ويسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

التنمية والأمن.. مساران متوازيان

وتكشف التحركات المصرية هذا الأسبوع عن استراتيجية متكاملة لا تنظر إلى الأمن بمعناه العسكري فقط، وإنما تربطه بالتنمية الاقتصادية، والاستثمار، والربط اللوجستي، وبناء القدرات، بما يحقق الاستقرار المستدام في القارة، وتعكس التحركات كذلك تركيز السياسة الخارجية المصرية على دوائرها الإفريقية الأكثر ارتباطًا بالأمن القومي، وفي مقدمتها حوض النيل، والقرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وهي مناطق تمثل امتدادًا مباشرًا للمصالح الاستراتيجية المصرية في ظل التحديات المرتبطة بالإرهاب، وأمن الملاحة، والأمن المائي، والاستقرار الإقليمي.

وتؤكد التحركات المصرية خلال الأسبوع أن القاهرة تواصل ترسيخ حضورها داخل القارة الإفريقية عبر دبلوماسية نشطة تجمع بين الشراكات الاقتصادية والدعم السياسي والتنسيق الأمني، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار إفريقيا، وخاصة دول الجوار الاستراتيجي، يمثل ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي المصري، ودعم جهود التنمية والازدهار في القارة بأسرها.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة