الحكومة تنهي جدل ما بعد "صندوق النقد الدولى" وتستعد ببرنامج اقتصادي وطني

السبت، 25 يوليو 2026 10:00 م
الحكومة تنهي جدل ما بعد "صندوق النقد الدولى" وتستعد ببرنامج اقتصادي وطني
هبة جعفر

تشكيل مجموعة عمل للانتهاء من إعداد البرنامج وفق رؤية متكاملة تعكس أولويات الدولة وعرضه على الحوار المجتمعي

تتسلم مصر خلال اغسطس المقبل الشريحة السابعة والأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 1.65 مليار دولار، والتي تتضمن 136 مليون دولار ضمن قرض برنامج المرونة والاستدامة، وبموجب هذه الشريحة يكون انتهت قيمة القرض الذي حصلت عليه مصر من الصندوق لتدخل في مرحلة جديدة من الانطلاق نحو تأسيس برنامج اقتصادي وطني، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الأسواق والمؤسسات المالية على الحفاظ على مكتسبات الاستقرار النقدي وضبط مستويات الدين العام دون وجود "غطاء" مباشر أو سيولة مشروطة من المؤسسة الدولية.

ولقراءة المشهد الاقتصادي وتحليله والتعرف على مرحلة ما بعد إنتهاء قرض الصندوق فلابد من النظر إلى الالتزامات المفروضة على الاقتصاد المصري وفترات السداد المستحقة، والنظر إلى البرنامج الاقتصادي الذي اعلنت الدولة عن بنوده من خلال اطلاق السردية الوطنية الشاملة والتي تتضمن عدة محاور تُشكل معًا إطارًا تحليليًا متكاملًا يركز على تعزيز تنسيق السياسات والإصلاحات الهيكلية، كما يتضمن تحليلاً معمقًا لمسارات النمو والتشغيل في مصر، وأبرز محركات النمو، تأخذ في الاعتبار المساواة بين الذكور والإناث وقضايا التغير المناخي، نجد إن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية تُحدد مسار الاقتصاد المصري في المرحلة المقبلة

سيناريو الانطلاق الهيكلي

يقوم هذا المسار على نجاح الدولة في تحويل مكتسبات التحرير النقدي والإصلاح المالي إلى قوة دفع حقيقية للقطاع الخاص، من خلال تسريع برنامج الطروحات الحكومية وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الإنتاجية (الصناعة، التصدير، الطاقة المتجددة)، وتحقيق معدلات نمو مستدامة تعتمد على الموارد الذاتية للنقد الأجنبي، مما يعزز استقرار العملة الوطنية ويخفف حدة التضخم دون الحاجة لتمويلات استثنائية.

وهناك سيناريو الاستقرار الحذر الذى يعتمد على استمرار التحسن التدريجي مع الحفاظ على وتيرة ضبط الإنفاق، حيث تنجح السياسات النقدية والمالية في احتواء الدين وخدمته ضمن الحدود الآمنة، مع تحقيق نمو متوازن مستهدف، ويظل الاقتصاد مع ذلك عرضة لتأثيرات التقلبات الجيوسياسية الإقليمية وتكاليف التمويل مرتفعة الفائدة، مما يجعل معدلات النمو تحت ضغط التكيف المستمر.

أما سيناريو الاختبارات الضاغطة، فإنه يفترض ظهور تباطؤ في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية أو تباطؤ في جذب الاستثمارات الأجنبية، بالتوازي مع أزمات خارجية غير محسوبة، وقد يؤدي ذلك إلى تجدد الضغوط على ميزان المدفوعات ومرونة سعر الصرف، مما يضع السياسة النقدية أمام اختبار صعب لتوفير السيولة الدولارية المطلوبة لسداد أصل القروض وخدمة الدين.

وفيما يتعلق بالتصريحات الحكومية فقد حسمت الدولة أمر الاقتراض مرة أخرى من الصندوق بالنفي القاطع والاعتماد خلال الفترة المقبلة على برنامج اقتصادى وطنى، وأكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الحكومة، بالتنسيق الكامل مع البنك المركزي، تعمل على إعداد البرنامج الاقتصادي الوطني لمرحلة ما بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، أن هناك مجموعة عمل تضم مسئولي مختلف الجهات المعنية؛ للانتهاء من إعداد البرنامج وفق رؤية متكاملة تعكس أولويات الدولة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

واستعرض مدبولى، الملامح الرئيسية للبرنامج الاقتصادي الوطني الجاري إعداده، إلى جانب أولوياته ومستهدفاته، مشيرًا إلى أن البرنامج تتم صياغته في إطار تنسيق كامل بين الحكومة والبنك المركزي، بما يضمن اتساق السياسات الاقتصادية والنقدية، وتحقيق مستهدفات الدولة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، كما استعرض أيضًا الدروس المستفادة من تجارب عدد من الدول التي نفذت برامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد، والسياسات والاستراتيجيات التي تبنتها تلك الدول في مرحلة ما بعد انتهاء هذه البرامج، بما يسهم في صياغة برنامج وطني يستند إلى أفضل الممارسات الدولية، ويراعي في الوقت ذاته خصوصية الاقتصاد المصري وأولويات التنمية الوطنية، حيث تم التأكيد على أن ضرورة الاستفادة مما تم إنجازه في البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية، وكذا السردية الوطنية للتنمية الشاملة، ورؤية مصر 2030.

ووجه مدبولى، بأن تتم صياغة البرنامج الاقتصادي الوطني بأسلوب يخاطب مختلف الفئات، بحيث يكون واضحًا ومفهومًا للمواطن وللرأي العام، وفي الوقت ذاته يلبي احتياجات الخبراء والمتخصصين والمؤسسات الاقتصادية، مؤكدًا ضرورة أن يتضمن البرنامج محددات واضحة، وأهدافًا قابلة للقياس، وتقييمًا موضوعيًا للأداء، بما يعزز من وضوح الرؤية ويُسهم في متابعة تنفيذ مستهدفات، وسيتم طرح البرنامج للحوار المجتمعي مع الخبراء والمتخصصين؛ للاستماع إلى آرائهم  والاستفادة من مقترحاتهم وأفكارهم، قبل إعلانه في صورته النهائية.

وحرصت وزارة التخطيط على اعداد السردية الوطنية الشاملة باعتبارها إطارًا شاملًا يُحقق التكامل والتناسق بين برنامج عمل الحكومة، ورؤية مصر 2030 في ضوء المتغيرات المتسارعة التي فرضتها المستجدات الإقليمية والدولية، بهدف استمرار مسار الإصلاح الاقتصادي، والتوجه بشكل أكبر إلى القطاعات الأعلى إنتاجية، والأكثر قدرة على النفاذ للأسواق التصديرية، مستفيدة مما تم إنجازه من بنية تحتية متطورة تمثل قاعدة داعمة للتصنيع والاستثمار، وإعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، بما يعزز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري ويحفز مشاركة القطاع الخاص وترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي، وتعزيز الاستدامة المالية من خلال طرح السياسات المالية والنقدية، وحوكمة الاستثمارات العامة، والتمويل من أجل التنمية.

كما تتضمن تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي، بما في ذلك دور الهيئة العامة لقناة السويس، وزيادة جاذبية سوق المال غير المصرفي، إلى جانب تقديم حوافز للاستثمار العقاري، تطوير منظومة التجارة الخارجية، ودعم التنمية الصناعية، ورفع كفاءة ومرونة سوق العمل.

وتولي هذه المحاور اهتمامًا خاصًا بالقطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها الصناعة والسياحة والزراعة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فضلًا عن الطاقة والموارد المائية والري باعتبارهما ركائز تمكينية لتعزيز القدرة على التوسع والنمو،  كما تشمل التخطيط المكاني لتوطين التنمية الاقتصادية، والتحول الأخضر، وترسيخ التعاون الدولي والشراكات بما في ذلك السياسة الخارجية الداعمة للتنمية، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي أكثر إنتاجية وشمولًا واستدامة.

وتستند السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية إلى البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية من خلال السياسات الداعمة للنمو والتشغيل متضمنة في محاوره الثلاثة: تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، زيادة قدرة التنافسية الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال، ودعم الانتقال الأخضر، كما تشمل الاستراتيجيات الخاصة بالاستثمار الأجنبي المباشر، والتنمية الصناعية، والتجارة الخارجية، والتشغيل بما يعزز كفاءة ومرونة سوق العمل، مع التركيز على القطاعات ذات الأولوية، منها الصناعة التحويلية والسياحة، والزراعة، والطاقة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ويأتي هذا مع طرح السياسات.

وجاء إطلاق «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، التي تُحقق هذا التكامل، وتُترجم أولويات الإصلاح الهيكلي إلى مجموعة متسقة من المستهدفات الكمية والقابلة للقياس حيث  اتخذت الحكومة  إجراءات متتالية لتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي منذ مارس 2024، وأسهمت هذه الإجراءات في ترسيخ استقرار الاقتصاد الكلي، وتحقيق تطور في المؤشرات على صعيد النمو، والموازنة العامة للدولة، والسياستين النقدية والمالية، ولكن في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، بات لزامًا وضع برنامج إصلاح اقتصادي يُحقق التكامل بين برنامج الحكومة والرؤى والاستراتيجيات القطاعية، ورؤية مصر 2030.

وفي ظل التحولات المتسارعة في النظام الاقتصادي العالمي والتحديات الهيكلية المتراكمة، يتبنّى الاقتصاد المصري مسارًا جديدًا للنمو يرتكز على نموذج اقتصادي يقوم على تمكين القطاع الخاص ليصبح المحرك الرئيسي للنمو وخلق فرص العمل، مع إعادة توجيه الموارد نحو القطاعات القابلة للتبادل التجاري بما يعزز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

وفي هذا السياق، يرتكز النموذج الاقتصادي الجديد في مصر على ثلاث ركائز مترابطة، استقرار الاقتصاد الكلي كمرتكز للنمو المستدام، وتحول هيكلي نحو القطاعات القابلة للتبادل التجاري، وأخيراً إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص.

يأتي هذا التوجه كمرحلة متقدمة في مسار تنموي بدأ منذ أكثر من عقد، حيث ضخت الدولة استثمارات ضخمة في البنية التحتية، شملت تطوير شبكات الطرق، والطاقة، والموانئ، والنقل الذكي، بهدف تهيئة بيئة مواتية للنشاط الاقتصادي، ورفع الإنتاجية، وجذب الاستثمارات.

وأرست هذه الاستثمارات الأساس الضروري لبناء اقتصاد أكثر ديناميكية قادر على امتصاص الصدمات الخارجية وخلق قيمة مضافة حقيقية. ويهدف النموذج الاقتصادي الجديد إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد موارد ذاتية، ورفع كفاءة تخصيصها، وتقليص الفجوة التمويلية المزمنة، من خلال تحفيز النشاط الإنتاجي التنافسي، وتوسيع قاعدة الصادرات، زيادة التعقيد الاقتصادي، وتحقيق معدلات نمو مستدامة.

وتعد والسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية ليست طرحًا منفصلًا عن الاستراتيجيات الوطنية الأخرى، ولا تعارض بينها بل تكامل، لذلك فإنها تُحقق التكامل بين ورؤية مصر 2030، وبرنامج عمل الحكومة المصرية، من خلال مراعاة المتغيرات المتسارعة والمستجدات على الصعيدين الإقليمي والدولي، ووضع مستهدفات حتى عام 2030 والمستهدف والمأمول بحلول 2050، استنادًا إلى المعطيات الحالية للاقتصاد المصري، وسياسات وإجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة على تنفيذها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة