نواب: البرنامج الوطنى خيار الضرورة

السبت، 25 يوليو 2026 07:02 م
نواب: البرنامج الوطنى خيار الضرورة
هبة جعفر

 

الدكتور سمير صبرى: الإصلاح الاقتصادي أصبح خيارًا وطنيًا وليس مجرد التزام مرتبط باتفاق تمويلي مع مؤسسة دولية

عضو لجنة الخطة والموازنة: لابد من اصدار تشريعات اقتصادية قوية وبناء الصناعة والاعتماد علي الصناعات الصغيرة والمنتجة

 

الإعلان عن قرب انتهاء الاتفاق مع صندوق النقد الدولى، فتح الباب للحديث عن المرحلة المقبلة، وهو ما أكده نائبان في مجلس النواب، متخصصان في الشأن الاقتصادى، حيث شددا لـ"صوت الأمة" على أهمية الاستعداد الجيد للمرحلة المقبلة.

الدكتور سمير صبرى، الخبير الاقتصادى وعضو مجلس النواب، أكد أن الاتفاق الحالي لمصر مع صندوق النقد الدولي يمثل محطة بارزة في مسار ممتد من الشراكة التي استمرت على مدار عقد كامل (2016 -2026)؛ حيث بدأ هذا المسار بتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل (2016-2019) بقيمة 12 مليار دولار، تلاه برنامج الدعم الطارئ لمواجهة تداعيات جائحة كورونا (2020-2021)، وصولاً إلي البرنامج الحالي الذي بدأ في ديسمبر 2022 وتم توسيعه في مارس 2024 ليصل إلى نحو 8 مليارات دولار والممتد حتى عام 2026، ولم يكن الهدف من البرنامج الحالي (2022-2026) هو تحقيق النمو الاقتصادي بقدر ما كان يستهدف استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي بعد واحدة من أصعب الفترات التي مر بها الاقتصاد العالمي والمحلي، فقد جاءت الأزمة في أعقاب جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم اضطرابات البحر الأحمر، وأخيرًا التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهي عوامل فرضت ضغوطًا غير مسبوقة على الاقتصاد المصري مثلما أثرت على معظم الاقتصادات الناشئة.

وأشار صبرى لـ"صوت الامة" إلى أن تقييم البرنامج يجب أن يكون موضوعيًا ومتوازنًا، فلا يمكن القول إنه كان نجاحًا مطلقًا، ولا يمكن أيضًا اعتباره فشلًا، لأن أي برنامج إصلاح اقتصادي من هذا النوع تكون له مكاسب اقتصادية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تكاليف اجتماعية لا يمكن تجاهلها، موضحاً أن البرنامج نجح بدرجة كبيرة في تحقيق مستهدفاته على مستوى الاستقرار الاقتصادي الكلي، وهو ما تؤكده المؤشرات الرسمية، فعلى مستوى استقرار الأسعار، نجحت السياسة النقدية في كبح التضخم بصورة واضحة، كما واصلت الحكومة تحقيق فوائض أولية للموازنة ومستهدف فائض أولي 5% للعام المالي المقبل، مع استمرار تراجع العجز الكلي بصورة تدريجية ومستهدفة خفضه إلى نحو 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في الموازنة الجديدة، ليسجل أدنى مستوى مقارنة بالعشر سنوات السابقة، وهو ما يعكس تحسن إدارة المالية العامة، وإن ظل عبء خدمة الدين يمثل التحدي الأكبر أمام الموازنة، كذلك عاد الاقتصاد إلى تحقيق معدلات نمو جيدة. فقد سجل معدل النمو الحقيقي نحو 5% خلال الربع الثالث من العام المالي 2025/2026، بينما بلغ متوسط النمو خلال الأشهر التسعة الأولى 5.2%، مدفوعًا بتحسن أداء قطاعات الصناعة، والسياحة، والاتصالات، والنقل، والخدمات المالية.

ولفت صبرى إلى أنه بالتوازى مع ذلك نجح البنك المركزي في استعادة مرونة سوق الصرف، والقضاء على السوق الموازية للعملة، وهو ما أعاد الثقة إلى المستثمرين، وساعد على عودة تدفقات النقد الأجنبي، وقال إنه إذا نظرنا إلى الجانب النقدي والمالي، يمكن القول إن البرنامج حقق نتائج إيجابية واضحة، وأعاد قدرًا كبيرًا من الاستقرار للاقتصاد المصري. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تقييم البرنامج من هذه الزوية فقط، فالبرامج الاقتصادية لا تُقاس فقط بما تحققه من استقرار مالي ونقدي، وإنما أيضًا بمدى تأثيرها على حياة المواطنين.

وحول إعلان الحكومة إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، قال الدكتور سمير صبرى، إنه يحمل رسالة مهمة للغاية، وهي أن الإصلاح الاقتصادي في مصر أصبح خيارًا وطنيًا، وليس مجرد التزام مرتبط باتفاق تمويلي مع مؤسسة دولية، لكن البرنامج الجديد، في تقديري، يجب أن يختلف في أولوياته عن البرنامج السابق. فالبرنامج المنتهي كان هدفه الأساسي استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي. أما البرنامج القادم، فيجب أن يكون هدفه الرئيسي تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، لافتاً إلى عدة محاور ينبغي أن تشكل العمود الفقري لهذا البرنامج، منها الانتقال الحقيقي إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وليس اقتصادًا يعتمد بصورة كبيرة على الاستهلاك أو التدفقات المالية قصيرة الأجل، وجعل القطاع الخاص القائد الرئيسي للنمو الاقتصادي، ومضاعفة الصادرات المصرية، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة المكون المحلي في الصناعة، مع إعطاء أولوية غير مسبوقة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، والاستمرار في تحقيق الانضباط المالي، ولكن مع التركيز على رفع كفاءة الإنفاق وليس مجرد خفضه، بحيث يتم توجيه الموارد إلى التعليم، والصحة، والبحث العلمي، والبنية الأساسية الإنتاجية، وأخيراً التوسع في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، باعتبارها القطاعات الأسرع نموًا عالميًا.

وشدد صبرى على أن نجاح البرنامج المصري الجديد لن يقاس بانتهاء العلاقة التمويلية مع صندوق النقد، وإنما بقدرة الاقتصاد المصري على الاستمرار في النمو دون الحاجة إلى برامج تمويل جديدة، مؤكداً أن الرسالة الأساسية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون واضحة، وهى الانتقال من اقتصاد يعتمد على الإصلاح المالي والنقدي إلى اقتصاد يقوده الإنتاج، والاستثمار، والتصدير، والابتكار، والقطاع الخاص، واذا نجحت مصر في تحقيق هذا التحول، فإن مرحلة ما بعد صندوق النقد لن تكون مجرد نهاية لاتفاق دولي، وإنما ستكون بداية مرحلة جديدة من النمو المستدام، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، وتحقيق التنمية التي يشعر المواطن بعائدها الحقيقي في حياته اليومية.

وحول المحاور التي يتم بناءً عليها صياغة استراتيجية اقتصادية قوية لدعم الصناعة المصرية، قال صبرى أن بناء استراتيجية اقتصادية صلبة لن يتحقق إلا بوجود رؤية هيكلية شاملة تحرك كل مفاصل الدولة الإنتاجية في اتجاه واحد، بدءاً من البنية التشريعية، ووصولاً إلى تعميق الإنتاج والتكامل مع سلاسل الإمداد العالمية.

من جانبه قال النائب عوض أبو النجا، عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن الحكومة تبدو غير راغبة في الدخول في اتفاق جديد مع الصندوق، استنادًا إلى تصريحات رسمية ترى أن الاتفاقات السابقة أضافت أعباء على الاقتصاد المصري، موضحاً أن هذه الأعباء ترتبط بالإصلاحات التي يوجه إليها الصندوق، مثل التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، إلى جانب متطلبات أخرى تخص البنية التحتية والسياسات الاقتصادية.

وأشار أبو النجا لـ"صوت الأمة" إلى أن الواقع الاقتصادي قد يفرض أحيانًا مسارًا مختلفًا، لأن الحاجة إلى العملة الصعبة قد تجعل اللجوء إلى الصندوق خيارًا مطروحًا إذا لم تتوافر بدائل حقيقية، مضيفاً: السؤال الأهم في حال عدم التجديد هو: هل نملك مصادر كافية للنقد الأجنبي؟ وهل توجد بيئة استثمارية وتشريعية قادرة على جذب الاستثمارات؟ وهل هناك حوكمة فعالة لإدارة أصول الدولة؟

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حزمة تشريعات استراتيجية، تشمل قانونًا لحوكمة وإدارة أصول الدولة، وقانونًا موحدًا للاستثمار، وتشريعات تدعم الصناعة المحلية، وتحفز التصدير، وتزيد القيمة المضافة، إلى جانب دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وربطها بسلاسل الإنتاج. وأضاف أن مراجعة قوانين الجمارك تعد أيضًا من الأولويات، وقال إن من الضروري وضع مستهدفات واضحة لخفض الدين العام، مؤكدًا أن حجم الدين الحالي يمثل عبئًا كبيرًا على الاقتصاد. وأضاف أن الدولة إذا كانت لا تنوي التجديد مع الصندوق، فعليها أن تمتلك بدائل واضحة ومتكاملة.

كما أشار أبو النجا إلى أهمية دعم الصناعة الوطنية وتعميق التصنيع المحلي، مع تمكين القطاع الخاص الذي ما يزال يواجه تحديات كبيرة. وأضاف أن ترشيد الإنفاق العام ضرورة، مع توجيه جانب معتبر من الإنفاق إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية، موضحا إن التركيز الصناعي يجب أن ينصب على الصناعات القادرة على تقليل فاتورة الاستيراد والاعتماد على المكون الأجنبي. وأضاف أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل عنصرًا رئيسيًا في هذه الرؤية، لأنها تمثل النسبة الأكبر من النشاط الاقتصادي، كما أشار إلى أن فكرة “القرية المنتجة” تمثل نموذجًا مهمًا، لأنها تقوم على تحديد المزايا النسبية لكل منطقة، وتوجيهها إلى الصناعات التي تناسبها، بما يساعد على تصنيع منتجات يجري استيرادها حاليًا من الخارج. وأضاف أن هذا التوجه يمكن أن يخلق قاعدة إنتاجية أوسع وأكثر كفاءة.

وقال إن مجلس النواب له دور مهم في إصدار التشريعات الداعمة للإصلاح الاقتصادي، وفي الرقابة على تنفيذها، والتأكد من أن لكل تشريع أثرًا اقتصاديًا ملموسًا. وأضاف أن تقييم أثر التشريع بعد فترة من تطبيقه أمر ضروري لمعرفة مدى نجاحه في معالجة المشكلات، مشيراً إلى أنه تم بالفعل إصدار حزمة من التشريعات الضريبية والتسهيلات، مؤكدًا أن عملية تطوير التشريعات ستظل مستمرة كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة