جمال نزال المتحدث باسم حركة فتح الفلسطينية لـ"صوت الأمة": إسرائيل تنفذ مشروعًا ممنهجًا لنقل مركز الصراع وتغيير خريطة الضفة الغربية وترسيخ الاستيطان

السبت، 01 أغسطس 2026 11:00 م
جمال نزال المتحدث باسم حركة فتح الفلسطينية لـ"صوت الأمة": إسرائيل تنفذ مشروعًا ممنهجًا لنقل مركز الصراع وتغيير خريطة الضفة الغربية وترسيخ الاستيطان
محمود علي

اليمين الإسرائيلي يوظف التصعيد مع الفلسطينيين لكسب الانتخابات منذ التسعينيات

مقاطعة بضائع المستوطنات السلاح الأكثر فاعلية لكبح المشروع الاستيطاني

الاصطفاف العربي والدولي خلف منظمة التحرير هو السبيل لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية

 

تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو الضفة الغربية، التي تشهد تصعيدًا غير مسبوق يتمثل في توسع الاستيطان، واعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ومصادرة الأراضي، والإغلاقات العسكرية، واقتحامات المدن والبلدات الفلسطينية بشكل شبه يومي. تطورات تثير تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تنفذ خطة لإعادة رسم الواقع الجغرافي والسياسي في الضفة، وفرض معادلات جديدة على الأرض قبل أي مسار سياسي مستقبلي، في ظل اتهامات فلسطينية للحكومة الإسرائيلية باستغلال الحرب والتوترات الأمنية لتحقيق أهداف اليمين وتعزيز المشروع الاستيطاني.

وفي المقابل، تتصاعد الدعوات العربية والدولية لزيادة الضغوط على إسرائيل، سواء عبر المقاطعة الاقتصادية أو التحركات الدبلوماسية، بينما يواجه المجتمع الدولي انتقادات واسعة لعجزه عن وقف الانتهاكات أو كبح سياسات الاحتلال، وبين استمرار الانتهاكات في غزة، واتساع رقعة المواجهة في الضفة الغربية، تبرز تساؤلات عديدة حول مستقبل المشهد الفلسطيني، واحتمالات اتساع الصراع، وفرص التوصل إلى أي تسوية سياسية خلال المرحلة المقبلة.

للحديث عن أبعاد هذا المشهد، وأهداف التصعيد الإسرائيلي، ورؤية حركة فتح للتطورات الميدانية والسياسية، وانعكاسات المتغيرات الإقليمية والدولية على القضية الفلسطينية، أجرينا حوارا خاصا مع الدكتور جمال نزال، المتحدث باسم حركة فتح الفلسطينية. وإلى نص الحوار.

 

تشهد الضفة الغربية تصعيدًا هو الأخطر منذ سنوات، وسط توسع غير مسبوق للاستيطان واعتداءات المستوطنين.. كيف تفسر ما يجرى؟ وهل نحن أمام تحول في طبيعة الصراع داخل الضفة؟

هذا برنامج من التصعيد الإسرائيلي تنفذه حكومة أُتيح لها البقاء في الحكم لأربع سنوات، وقد تعمدت خلالها توفير حصانة أمنية وسياسية وقانونية للمستوطنين، ووزعت عليهم الأسلحة، ووسعت مناطق نفوذهم جغرافيًا، وساعدتهم على إقامة بؤر استيطانية جديدة وشق طرق في الضفة الغربية.

ومن خلال تسليحهم، منحتهم هامشًا واسعًا للتحرك خارج نطاق المساءلة، حتى من قبل السلطات الإسرائيلية نفسها، كما أن اقتحاماتهم للبلدات الفلسطينية تتم بإشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي.

 

لماذا هذا التصعيد؟

لأن إسرائيل تعتمد على تسخين الأوضاع مع اقتراب الانتخابات، إذ يستفيد اليمين الإسرائيلي تاريخيًا من التوتر الميداني وتصاعد الاحتكاك مع الشعب الفلسطيني، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، وهذا نهج اعتادت عليه الحكومات الإسرائيلية منذ منتصف التسعينيات.

 

هناك من يرى أن إسرائيل تحاول نقل مركز المواجهة من غزة إلى الضفة الغربية وفتح جبهة جديدة.. إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟ وما أهدافه؟

نعم، إسرائيل تسعى إلى نقل مركز الصراع إلى الضفة الغربية، فأعتقد أن هذا التوجه قائم بالفعل، فإسرائيل ترى أن معظم أهدافها في قطاع غزة قد تحققت، خاصة مع احتلال ما يقارب 71% من أراضي القطاع، وإبعاد الكتلة السكانية عن المناطق المحاذية للسياج الحدودي.

وفي المقابل، عندما تقول حركة حماس إن المعركة الرئيسية يجب ان تصبح الآن في الضفة الغربية، فإن ذلك يُعد إقرارات منها بقبول واقع غزة كما هو وأن تسعى لنفس النتيجة في الضفة، فغزة، بعد احتلال نحو 71% من أراضيها وتدمير معظم مقومات الحياة فيها، لم تعد ساحة الصراع الرئيسية كما كانت، وهناك، إلى حد كبير، تواز بين الطرحين يقترب من التطابق.

لذلك، تبدو إسرائيل معنية بالفعل بنقل مركز الصراع إلى الضفة الغربية، وهو ما ينعكس في قراراتها اليومية بمصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، إلى جانب التوسع الاستيطاني وتصعيد الإجراءات الميدانية.

 

بالتوازي مع ما يشهده غزة من انتهاكات يومية، هناك تغيير ميداني متسارع في الضفة، سواء عبر الاستيطان أو السيطرة على الأراضي أو الإغلاقات.. هل تعتقد أن إسرائيل تسعى إلى فرض خريطة سياسية وجغرافية جديدة قبل أي تسوية مستقبلية؟

بالفعل تسعى إسرائيل إلى تغيير الخارطة الجغرافية والديموغرافية في الضفة الغربية، عبر تعميق الوجود الاستيطاني وتوسيع رقعته العمرانية، إلى جانب زيادة المساحات التي يُحظر على الفلسطينيين دخولها، وتشمل هذه المناطق أراضي زراعية وأخرى تُصنفها إسرائيل على أنها "أراضي دولة"، حيث يُمنع الفلسطينيون من البناء فيها أو حتى الوصول إليها بغرض الزراعة أو العناية بمحاصيلهم وحماية ممتلكاتهم.

هذا مشروع استعماري يتقدم بوتيرة متسارعة وعلى أكثر من مسار في آن واحد، ويبقى الرهان على أن تنتهي هذه الحكومة عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بما يضع حدًا لهذا النهج التصعيدي.

 

عادت الدعوات العربية والدولية لتفعيل المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، كما شهدنا خطوات مثل قانون حظر استيراد بضائع المستوطنات في إيرلندا.. برأيكم، هل يمكن أن تتحول المقاطعة الاقتصادية إلى أداة ضغط مؤثرة، أم أن تأثيرها سيظل محدودًا؟

مقاطعة بضائع المستوطنات تعتبر أحد المحاور الرئيسية التي عملنا عليها، وطالبنا بها دول الاتحاد الأوروبي منذ عشرات السنين، وإن كان تجاوبها حتى الآن لا يزال محدودًا ومترددًا، وهذه الخطوة بالغة الأهمية، لأن المشروع الاستيطاني، من دون شركاء في التجارة الدولية، لن يجد الفرصة للتوسع والنمو بالشكل الذي تريده الحكومة الإسرائيلية والقوى الاستيطانية الداعمة له.

لذلك، تمثل المقاطعة حجر الزاوية في مواجهة مشروع الاستيطان، وربما تكون من أكثر الوسائل فاعلية في التصدي له، عبر وقف أي تعامل اقتصادي مع المستوطنات. وهذا الواجب لا يقتصر على الدول الأوروبية، بل يقع على عاتق جميع دول العالم، بما فيها بعض الدول في منطقتنا التي لا تزال تتعامل مع بضائع المستوطنات كما لو كانت بضائع مستوردة من دولة عادية.

هذه المنتجات، من وجهة نظرنا، مرتبطة بأراضٍ فلسطينية مصادرة وبواقع الاحتلال القائم، ولذلك فإن استمرار التجارة معها يكرس المشروع الاستيطاني ويمنحه دعمًا اقتصاديًا لا يستحقه، كما أن هذه التجارة مرفوضة أخلاقيًا ولا يمكن تبريرها أو القبول بها.

 

تتهم القيادة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية بتوظيف الأوضاع الأمنية وخطاب التصعيد لخدمة أجندات اليمين والانتخابات.. إلى أي مدى أصبح الملف الفلسطيني جزءًا من الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل؟

اليمين الإسرائيلي يعتمد، تاريخيًا، على تصعيد وتيرة العنف مع اقتراب أي انتخابات، باعتبار أن التوتر الأمني يخدم أجندته الانتخابية، وهناك أيضًا مخاوف داخل إسرائيل، بمعزل عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من أن هذه الحكومة قد لا تكون مستعدة لتسليم السلطة حتى في حال فقدان أغلبيتها، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا في الأوساط الإسرائيلية.

وفي المقابل، يرى البعض أن أطرافًا في الساحة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، أسهمت منذ مطلع التسعينيات في خدمة أجندة اليمين الإسرائيلي في محطات مختلفة. فمن جهة، دعت في بعض الفترات الفلسطينيين داخل إسرائيل، الذين يملكون حق التصويت، إلى مقاطعة الانتخابات، وهو ما اعتُبر عاملًا يصب في مصلحة اليمين، ومن جهة أخرى، جرى الانخراط في جولات تصعيد في توقيتات وُصفت بأنها منحت اليمين الإسرائيلي مكاسب سياسية، قبل أن تنتهي بتفاهمات جديدة تحصل بموجبها حماس على تهدئة مؤقتة وبعض التسهيلات.

وانطلاقًا من هذا التقدير، يرى أصحاب هذا الرأي أن حماس لم تكن معنية بوصول حكومات إسرائيلية قد تنخرط في مسار سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية، وهو مسار يعتبرون أن اليمين الإسرائيلي يرفضه أيضًا، ولذلك، يعتقدون أن الحكومات اليمينية ظلت، عبر سنوات طويلة، الخيار الأقل تهديدًا لمواقف الطرفين تجاه أي أفق سياسي قائم على حل الدولتين.

 

في ظل استمرار الحرب على غزة والتصعيد في الضفة، كيف تقيم أداء النظام العربي والمجتمع الدولي؟ وهل تعتقد أن المواقف الحالية قادرة على كبح السياسات الإسرائيلية؟

إذا كان هناك اصطفاف عربي ودولي في مواجهة السياسات الإسرائيلية، فإنه سيكون قادرًا على ممارسة ضغط حقيقي على الولايات المتحدة للاستماع إلى هذه المطالب، وللأسف، تمتلك إسرائيل نفوذًا مؤثرًا في دوائر صنع القرار الأمريكية، ونحن نتحدث في وقت تتزامن فيه هذه التطورات مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن، في ظل ما يُعرف بتأثيره في الساحة السياسية الأمريكية.

لكن، على أقل تقدير، ينبغي للدول الأوروبية، بدعم من الدول العربية، أن تتمسك بالعنوان الشرعي للشعب الفلسطيني وألا تقبل أي مساومة عليه، فـمنظمة التحرير الفلسطينية تمثل الإطار الذي انطلقت منه المطالب الوطنية الفلسطينية بالاستقلال، وهي التي بلورت مشروع إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وطرحت هذا البرنامج على الساحة الدولية باعتباره أساسًا للحل السياسي.

وإن هذا البرنامج يشكل، في نظر كثيرين، أحد أهم السدود في مواجهة الطروحات اليمينية الإسرائيلية، ولذلك ينبغي الإبقاء على دعمه وإسناد الطرف الفلسطيني الذي صاغ هذه الرؤية، وبنى على أساسها جسور شراكة مع المجتمع الدولي، وجعل منها مرجعية للمطالبة بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

 

إذا استمرت التطورات الحالية بالوتيرة نفسها، ما السيناريو الأقرب من وجهة نظرك؟ هل نحن أمام مرحلة تصعيد مؤقت، أم أمام إعادة تشكيل شاملة للمشهد الفلسطيني سياسيًا وميدانيًا؟

هناك أكثر من مفصل سياسي وزمني يرتبط بنهاية الخريف الحالي، أولها الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، التي ستعيد توزيع موازين القوى والصلاحيات داخل المؤسسات الأمريكية من خلال انتخابات الكونجرس، وهو ما سيكشف مدى تأثير نتائجها في الإدارة الأمريكية وسياساتها تجاه إسرائيل.

كما يبرز استحقاق الانتخابات الإسرائيلية المقررة في شهر نوفمبر، إلى جانب محطة نعدها، نحن الفلسطينيين، بالغة الأهمية، وهي انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني، وبناءً على نتائج هذه الاستحقاقات المتوقعة خلال الخريف المقبل، ستتشكل قراءات سياسية جديدة، قد تسلط مزيدًا من الضوء على ما هو ممكن وما هو متوقع خلال المرحلة المقبلة.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق