من نجريج إلى طرابزون.. "الفرعون المصري" يعيد رسم خريطة الكرة التركية

السبت، 08 أغسطس 2026 09:30 م
من نجريج إلى طرابزون.. "الفرعون المصري" يعيد رسم خريطة الكرة التركية
إسلام ناجي

تركيا تراهن على محمد صلاح لتغيير وجه الدوري ورفع نسب متابعة المباريات وجذب شركات الرعاية وتوسيع القاعدة الجماهيرية

لم يكن انتقال محمد صلاح إلى نادى طرابزون سبور التركى، مجرد صفقة في سوق الانتقالات الصيفية، بل حدثًا تجاوز حدود المنافسة داخل المستطيل الأخضر، بعدما نجح النادي التركي في استقطاب أحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم، في خطوة اعتبرها كثيرون نقطة تحول في تاريخ الدوري التركي الحديث، ليس بسبب القيمة المالية للصفقة فقط، وإنما لأنها منحت المسابقة لاعبًا صنع اسمه بين كبار اللعبة في أوروبا، وارتبطت مسيرته بالبطولات والأرقام القياسية على مدار أكثر من عقد.

ومنذ اللحظة الأولى لارتباط اسم قائد المنتخب المصري بطرابزون سبور، تحولت الصفقة إلى محور اهتمام الصحافة والجماهير في تركيا، وسط قناعة بأن التعاقد مع لاعب بحجم محمد صلاح لا يمثل مكسبًا للنادي وحده، بل للدوري التركي بأكمله، الذي يسعى منذ سنوات إلى تعزيز مكانته بين الدوريات الأوروبية، واستعادة بريقه من خلال استقطاب أسماء تمتلك قيمة فنية وتسويقية عالمية.

ورغم أن الإعلان الرسمي جاء بعد مفاوضات مكثفة، فإن ما حدث لم يكن وليد أيام أو أسابيع، بل نتيجة مكانة صنعها اللاعب المصري عبر رحلة طويلة بدأت من قرية صغيرة في دلتا مصر، وانتهت به إلى أن يصبح أحد أكثر الأسماء تأثيرًا في كرة القدم العالمية.

 

حلم بدأ من نجريج

في قرية نجريج التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية، بدأت أولى خطوات لاعب لم يكن يدرك وقتها أن اسمه سيصبح بعد سنوات عنوانًا لأحد أكبر النجاحات في تاريخ الرياضة المصرية، ولم يكن الطريق سهل أمام الفتى القادم من الغربية، إذ اعتاد منذ صغره السفر لساعات طويلة بين قريته والقاهرة من أجل حضور التدريبات، في رحلة يومية شاقة صنعت داخله شخصية مختلفة، اعتادت تحمل المشقة، ورسخت لديه قناعة بأن الوصول إلى القمة يبدأ بالالتزام قبل الموهبة.

بدأ صلاح مشواره في نادي عثمان طنطا، قبل أن ينتقل إلى قطاع الناشئين بالمقاولون العرب، وهناك ظهرت موهبته بصورة لافتة، حيث أن سرعته الكبيرة، وقدرته على المراوغة، وشخصيته داخل الملعب، دفعت الجهاز الفني إلى تصعيده للفريق الأول، لتبدأ مرحلة جديدة فتحت أمامه أبواب الاحتراف.

ومع تألقه في صفوف المقاولون العرب، لفت صلاح أنظار بازل السويسري، الذي ضمه عام 2012، لتبدأ أولى محطات الاحتراف الأوروبي"، دون أن يدرك أن تلك الخطوة ستكون بداية رحلة تقوده بعد سنوات إلى قمة الكرة العالمية.

ولم يكن الانتقال إلى بازل مجرد تغيير في النادي، بل بداية مشروع لاعب قرر أن يصنع اسمه بين الكبار، مستفيدًا من كل محطة يمر بها، حتى عندما واجه لحظات التعثر، وهو ما ظهر بوضوح في المراحل التالية من مسيرته.

ومثل انتقال محمد صلاح إلى بازل السويسري نقطة التحول الحقيقية في مسيرته، وفي أولى خطواته داخل الملاعب الأوروبية، أثبت سريعًا أنه لا يملك الموهبة فقط، بل يمتلك أيضًا القدرة على التأقلم والتطور، ليصبح أحد أبرز لاعبي الفريق، ويخطف الأنظار في البطولات الأوروبية، خاصة بعد مستوياته المميزة أمام أندية الصف الأول، وهو ما دفع كشافي الدوري الإنجليزي إلى متابعته عن قرب.

ولم يتأخر تشيلسي في حسم الصفقة، لينتقل صلاح إلى "البريميرليج" عام 2014، وسط توقعات كبيرة، لكن التجربة لم تسر كما كان يأمل اللاعب، فالمنافسة القوية داخل الفريق حدت من مشاركاته، ليجد نفسه أمام أصعب اختبار في مشواره الاحترافي، إلا أن ما بدا للبعض نهاية مبكرة للحلم، تحول بالنسبة إليه إلى بداية جديدة، بعدما رفض الاستسلام، وقرر البحث عن فرصة تمنحه دقائق لعب تعيد اكتشاف قدراته.

وجاءت المحطة الإيطالية لتغير كل شيء، في فيورنتينا، ثم روما، استعاد صلاح ثقته بنفسه، وقدم مستويات لافتة جعلته واحدًا من أبرز نجوم الدوري الإيطالي، بعدما جمع بين السرعة والفاعلية أمام المرمى، ليعود مجددًا إلى دائرة اهتمام كبار أوروبا، لكن هذه المرة كلاعب أكثر نضجًا وخبرة.

وفي صيف 2017، عاد إلى الدوري الإنجليزي عبر بوابة ليفربول، لتبدأ المرحلة الأهم في مسيرته، فمنذ موسمه الأول، فرض نفسه كأحد أعمدة الفريق، وقاد "الريدز" إلى سلسلة من الإنجازات، بعدما ساهم في التتويج بدوري أبطال أوروبا، والدوري الإنجليزي الممتاز، وكأس العالم للأندية، إلى جانب بطولات أخرى، كما توج أكثر من مرة هدافًا للدوري الإنجليزي، ودخل قائمة الهدافين التاريخيين للنادي، ليصبح أحد أبرز أساطيره في العصر الحديث.

وبفضل إنجازاته مع ليفربول، تحول صلاح إلى أحد أبرز الأسماء في كرة القدم العالمية، ليجمع بين القيمة الفنية والتسويقية، ويصبح هدفًا للأندية الباحثة عن مشروع رياضي متكامل.

وعندما اقتربت رحلته مع ليفربول من نهايتها، بدأت الأندية في البحث عن فرصة للفوز بتوقيعه، وكان الصراع الأكبر داخل تركيا، حيث دخل بشكتاش بقوة في المفاوضات، قبل أن تتعثر بسبب بعض التفاصيل المالية والتجارية، وفي مقدمتها حقوق الصور وبعض بنود التعاقد.

 

كيف حسم طرابزون الصفقة؟

استغل طرابزون سبور تعثر المفاوضات مع بشكتاش، وتحرك سريعا لحسم الصفقة، مقدمًا عرضًا ماليًا يعد الأضخم في تاريخ الكرة التركية، وتشير التقديرات إلى أن العقد يتضمن راتبًا سنويًا يقارب 17 مليون يورو، إضافة إلى مكافأة توقيع وحوافز مالية، فضلًا عن امتيازات تسويقية تشمل حقوق الصور ونسبة من عائدات مبيعات القمصان، إلى جانب مشروع رياضي يمنح قائد المنتخب المصري دور النجم الأول والواجهة الرئيسية للنادي في المرحلة المقبلة، وهو ما رجح كفة طرابزون في سباق التعاقد مع "الفرعون المصري".

وكانت الرسالة التي نقلتها إدارة النادي واضحة؛ فالتعاقد مع قائد المنتخب المصري لم يكن بهدف تدعيم الفريق فنيًا فقط، بل لإطلاق مرحلة جديدة يعاد خلالها تقديم طرابزون سبور والدوري التركي إلى العالم عبر اسم يمتلك تأثيرًا يتجاوز حدود الملاعب.

ومن هنا، لم يعد السؤال.. لماذا اختار صلاح طرابزون؟ بل أصبح.. ماذا سيضيف محمد صلاح إلى الكرة التركية؟، وهو السؤال الذي فرض نفسه منذ لحظة وصوله إلى تركيا..

 

استقبال تجاوز حدود كرة القدم

لم يكن وصول محمد صلاح إلى تركيا، الأربعاء الماضى، مشهدًا معتادًا لاستقبال لاعب جديد، بل بدا أقرب إلى احتفال جماهيري كبير، فمنذ الإعلان عن موعد وصوله، احتشدت جماهير طرابزون سبور في المطار لاستقبال قائد المنتخب المصري، وامتلأت الساحات المحيطة بالمشجعين الذين حرصوا على الترحيب بالنجم الذي طال انتظاره، بينما تصدرت صوره وشعارات النادي عناوين الصحف ونشرات الأخبار، وحرص صلاح على التفاعل مع الجماهير منذ اللحظة الأولى، قبل أن يوجه رسالة مقتضبة أكد فيها حماسه لبداية التجربة الجديدة، وهو ما زاد من حالة التفاؤل داخل المدينة التي رأت في الصفقة بداية مرحلة مختلفة في تاريخ النادي.

كما لفت الأنظار اختياره ارتداء القميص الذي يحمل الرقم 61، وهو الرقم الذي يمثل مدينة طرابزون، ويحمل قيمة رمزية لدى جماهيرها، في خطوة اعتبرها كثيرون رسالة احترام لتاريخ النادي ورغبة في الاندماج سريعًا مع جماهيره.

 

أكبر من صفقة... مشروع للدوري التركي

ولم تتعامل وسائل الإعلام التركية مع انتقال محمد صلاح باعتباره خبرًا رياضيًا عابرًا، بل باعتباره حدثًا استثنائيًا يعكس قدرة الدوري التركي على استقطاب نجوم الصف الأول في كرة القدم العالمية، وتحولت الصفقة إلى حديث الصحافة والبرامج الرياضية، التي رأت أن التعاقد مع لاعب بحجم صلاح يمنح البطولة دفعة فنية وتسويقية غير مسبوقة.

كما حظيت الصفقة باهتمام واسع داخل الأوساط الرسمية والإعلامية، باعتبارها فرصة لتسليط الضوء على الكرة التركية وتعزيز حضورها على الساحة الدولية، وهو ما يفسر حجم التغطية التي صاحبت الإعلان عنها والاستقبال الكبير الذي حظي به اللاعب منذ وصوله.

ولا يراهن طرابزون سبور على أهداف محمد صلاح فقط، بل على ما يمثله اسمه من قيمة اقتصادية وتسويقية، فالنادي يدرك أن التعاقد مع أحد أشهر لاعبي العالم سيزيد من مبيعات القمصان، ويرفع نسب متابعة مباريات الفريق، ويجذب شركات الرعاية، إلى جانب توسيع القاعدة الجماهيرية داخل تركيا وخارجها.

كما يتوقع أن ينعكس وجوده على حقوق بث الدوري التركي، خاصة في الأسواق العربية والأفريقية، حيث يتمتع صلاح بشعبية استثنائية، وهو ما يجعل الصفقة مكسبًا يتجاوز حدود النادي إلى البطولة بأكملها.

 

هل يظل "الفرعون" في القمة؟

ورغم انتقاله إلى الدوري التركي، فإن مكانة محمد صلاح لا تبدو مرتبطة باسم البطولة التي يشارك فيها، بقدر ارتباطها بما حققه على مدار سنوات طويلة في أوروبا، فالأرقام والبطولات التي حققها بقميص ليفربول، إلى جانب حضوره المستمر بين أفضل لاعبي العالم، صنعت إرثًا يصعب أن يتأثر بتغيير وجهته.

ولهذا، ينظر كثيرون إلى التجربة التركية باعتبارها فصلًا جديدًا في مسيرة لاعب اعتاد البحث عن تحديات مختلفة، وليس نهاية لرحلة التألق التي بدأت قبل سنوات من قرية صغيرة في دلتا مصر.

 

امتداد للحضور المصري

ويضيف محمد صلاح فصلًا جديدًا إلى علاقة اللاعبين المصريين بنادي طرابزون سبور، بعدما سبقه إلى ارتداء قميص الفريق كل من أيمن عبد العزيز، وسيد معوض، ومحمود حسن تريزيجيه، إلا أن الصفقة الحالية تختلف عن كل ما سبقها، لأن النادي تعاقد مع لاعب وصل بالفعل إلى قمة الكرة العالمية، ولم يعد يبحث عن إثبات نفسه، بل عن تحد جديد يضيفه إلى مسيرته.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق