رحلة الشائعة: مسار تدليس الخبر من غرف الإخوان حتى منصات التواصل

الأحد، 09 أغسطس 2026 07:37 م
رحلة الشائعة: مسار تدليس الخبر من غرف الإخوان حتى منصات التواصل
محمد الشرقاوي

 
لا تولد الشائعة على منصات التواصل الاجتماعي من العدم، ولا تصل إلى آلاف المستخدمين مصادفة، بل تمر في كثير من الأحيان بمسار يبدأ من دوائر مغلقة تصنع الرواية وتحدد زاوية تقديمها، ثم تنتقل إلى منصات وواجهات إعلامية تابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، قبل أن تجد طريقها إلى حسابات وصفحات تتولى إعادة النشر والتضخيم، حتى يتحول الخبر المفبرك أو المضلل من مجرد منشور مجهول المصدر إلى «حقيقة متداولة» يصعب على البعض التمييز بينها وبين المعلومات الموثوقة.
 
هذه هي الرحلة التي يمكن تتبعها في كثير من حملات التضليل: رواية أولية يجري إعدادها بعناية، ثم تغليفها بعنوان مثير وصورة قادرة على جذب الانتباه، وبعدها ضخها في دوائر محددة تمهيدًا لإطلاقها على المجال العام. 
 
ولا تحتاج ماكينة الشائعة الإخوانية إلى اختراع قصة كاملة من البداية؛ ففي كثير من الأحيان يكون الأسلوب الأكثر فاعلية هو اقتطاع جزء من حقيقة، أو إعادة استخدام صورة قديمة، أو اجتزاء مقطع فيديو من سياقه، ثم تركيب تفسير جديد عليه، بحيث يبدو المحتوى في ظاهره مستندًا إلى واقعة حقيقية، بينما تكون النتيجة التي يقدمها للجمهور مضللة.
 
وتأتي هنا واحدة من أخطر أدوات صناعة الشائعة: خلط الحقيقة بالكذب، فالمعلومة الصحيحة تمنح الرواية المضللة قدرًا من المصداقية، بينما يتولى الجزء المختلق توجيه المتلقي نحو النتيجة المراد الوصول إليها. 
 
ويزداد تأثير هذه الطريقة عندما تُقدم المادة باعتبارها «تسريبًا» أو «معلومة خاصة» أو «خبرًا يجري التعتيم عليه»، لأن الإيحاء بوجود شيء تحاول جهة ما إخفاءه يدفع المستخدم إلى التعامل مع الشائعة باعتبارها كشفًا لحقيقة ممنوعة، لا مجرد ادعاء يحتاج إلى التحقق.
 
وبمجرد خروج الرواية من دوائر الإعداد، تبدأ مرحلة إعادة التعبئة الإعلامية. تنتقل المعلومة إلى منصات وقنوات وصفحات مرتبطة أو محسوبة على جماعة الإخوان، حيث لا يجري الاكتفاء بإعادة نشرها، وإنما يعاد إنتاجها في صورة أكثر إثارة وقدرة على الانتشار. 
 
ويتحول العنوان من «معلومة غير مؤكدة» إلى «فضيحة»، ومن ادعاء إلى «كارثة»، ومن مقطع قديم إلى «دليل جديد»، بينما تختفي في كثير من الأحيان التفاصيل التي يمكن أن تكشف حقيقة المحتوى أو تضعه في سياقه الصحيح.
 
ثم تبدأ المرحلة الأخطر عندما تصل الرواية إلى منصات التواصل الاجتماعي، وهنا تتولى اللجان الإخوانية إعادة نشرها بصيغ متعددة، فتظهر القصة نفسها عشرات المرات خلال فترة قصيرة، بأسماء مختلفة وعناوين مختلفة وصور مختلفة. 
 
وقد يبدو للمستخدم أن تعدد المنشورات يعني تعدد المصادر، بينما يكون الواقع في أحيان كثيرة مجرد تكرار للمادة نفسها، وهكذا يحاول التكرار أن يؤدي وظيفة الدليل، فكلما رأى المستخدم الرواية أمامه أكثر من مرة، زاد احتمال اعتقاده بأنها صحيحة، حتى لو لم يظهر مصدر أصلي واحد يمكن الرجوع إليه.
 
وتساعد طبيعة المنصات الرقمية على تضخيم هذه الظاهرة، لأن الخوارزميات لا تقيس صدق المحتوى بقدر ما تقيس مستوى التفاعل معه، والمحتوى الذي يثير الغضب والخوف والصدمة يمتلك فرصة أكبر في الانتشار من معلومة هادئة تحتاج إلى قراءة وتدقيق. لذلك يصبح الخبر الأكثر استفزازًا أحيانًا أكثر انتشارًا من الخبر الأكثر دقة، وتتحول المشاركة والتعليق وإعادة النشر إلى وقود يحافظ على الشائعة حية حتى بعد ظهور ما ينفيها.
 
ولا تتوقف خطورة هذه المنظومة عند محاولة إقناع الجمهور برواية كاذبة، بل تتجاوز ذلك إلى هدف أكثر خطورة: إرباك المجال العام وضرب الثقة. فحين يتعرض المواطن بصورة متكررة لأخبار متناقضة، وروايات مجهولة المصدر، ومقاطع مبتورة، وصور خارج سياقها، يبدأ في فقدان القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. 
 
ومع الوقت تصبح النتيجة الأخطر هي مساواة المعلومة الموثقة بالشائعة، وتحويل كل حقيقة إلى «وجهة نظر» وكل نفي إلى «محاولة للتغطية».
 
وهنا تظهر الوظيفة السياسية للشائعة داخل منظومة الدعاية الإخوانية؛ فالمطلوب ليس بالضرورة أن يصدق الجميع الرواية التي يجري الترويج لها، وإنما يكفي أن تنتشر، وأن تثير الشك، وأن تخلق حالة من الغضب أو الإحباط أو فقدان الثقة، فكلما زاد الارتباك، أصبح من الصعب على الجمهور الوصول إلى صورة واضحة للواقع، وكلما تراجعت الثقة في مصادر المعلومات، زادت مساحة تأثير الروايات البديلة.
 
وتزداد خطورة الأمر عندما تستهدف الشائعات مؤسسات الدولة أو الشخصيات العامة أو الملفات السياسية والاقتصادية الحساسة، لأن المحتوى المضلل يتحول في هذه الحالة من مجرد مادة للنقاش إلى أداة للتأثير في المزاج العام، وقد يبدأ الأمر بخبر مجهول المصدر، لكنه ينتهي بحالة من الاستقطاب، أو حملة غضب، أو إعادة تداول واسعة لمعلومة ثبت عدم صحتها.
 
ورغم أن الأدوات تغيرت، فإن جوهر الدعاية لم يتغير كثيرًا؛ انتقلت المعركة من غرف البث التقليدية إلى الهواتف، ومن المذيع إلى الحساب المجهول، ومن البرنامج التلفزيوني إلى الفيديو القصير والمنشور، لكن الهدف يظل في بعض الحالات واحدًا: صناعة رواية بديلة للواقع، ثم دفع الجمهور إلى استهلاكها وتداولها قبل أن تتاح له فرصة التحقق منها.
 
ولهذا فإن مواجهة الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، وإنما تبدأ قبل الضغط على زر «مشاركة». تبدأ بالسؤال عن المصدر، وتاريخ الصورة، وسياق الفيديو، والجهة التي نشرت المعلومة للمرة الأولى، وما إذا كانت هناك مصادر مستقلة تؤكدها، فالمعركة الحقيقية ليست مع منشور واحد، وإنما مع منظومة تستفيد من السرعة والانفعال والتكرار.
 
في النهاية، تكشف رحلة الشائعة من غرف الإعداد إلى منصات التواصل أن أخطر ما في التضليل ليس الكذبة نفسها، وإنما قدرتها على ارتداء ملابس الحقيقة، صورة حقيقية بتعليق كاذب، فيديو حقيقي بسياق مزيف، معلومة صحيحة باستنتاج مختلق، ثم شبكة من الحسابات تعيد تدوير المحتوى حتى يبدو وكأنه رأي عام.
 
وهنا تتحول الشائعة من مجرد خبر مضلل إلى سلاح يستهدف الوعي؛ سلاح لا يحتاج إلى أكثر من رواية مصطنعة، وعنوان صادم، وصورة قابلة للانتشار، وجمهور يشارك قبل أن يسأل السؤال الذي يمكن أن يهدم القصة كلها: من أين جاء هذا الخبر؟

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة