تزييف الإخوان للذاكرة الوطنية: محاولة فاشلة لاختطاف عقول الأجيال عبر التلاعب بالحقائق والأرقام
الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 03:31 م
هانم التمساح
تمثل الذاكرة الوطنية لأي أمة الحصن الأخلاقي والتاريخي الذي تستلهم منه شعوبها هويتها، وتستند إليه في بناء مستقبلها. ومن هذا المنطلق، دأبت التنظيمات والجماعات المتطرفة – وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين – على استهداف هذه الذاكرة باعتبارها الهدف الأثمن لاختراق المجتمعات من الداخل. ولم تكن محاولات الجماعة لتزوير التاريخ مجرد أخطاء تفسيرية عابرة، بل كانت منهجية ممنهجة ومقصودة تهدف إلى التلاعب بالحقائق والأرقام، واختطاف عقول الأجيال الجديدة وتشويه وعيهم الجمعي.
واعتمدت آلة الدعاية الإخوانية على أساليب تضليل متقدمة لإعادة كتابة التاريخ السياسي والاجتماعي وفق مقاسات أيديولوجية ضيقة، وتتلخص أبرز هذه الأساليب في اجتزاء السياقات التاريخية ،و فصل الأحداث عن ظروفها الزمانية والمكانية لخدمة سردية مظلومية مزيفة أو تبرير مواقف تاريخية اتسمت بالصدام مع الدولة الوطنية والمجتمع.
واعتمد اعلام الجماعة على تلفيق الأرقام والإحصاءات اختلاق بيانات ومعلومات غير دقيقة تتعلق بحجم المشاركة الشعبية، أو نسب التأثير، أو أحداث مفصلية في تاريخ الدولة الحديثة، بهدف تضخيم الدور المزعوم للجماعة أو النيل من شرعية مؤسسات الدولة.وشيطنة الرموز الوطنية والعمل المنهجي على تشويه الشخصيات التاريخية والفكرية التي أسهمت في بناء الدولة الوطنية الحديثة، وتقديم قيادات الجماعة في صورة "الأبطال" أو "المصلحين المظلومين".
ولم يكن العبث بالوعي التاريخي عبثاً عشوائياً، بل حُددت غاياته بدقة لتحقيق أهداف تنظيمية خبيثة ،وضرب الانتماء الوطني و محاولة إحلال الولاء التنظيمي والجماعي فوق الولاء الوطني، عبر تصوير الدولة الوطنية الحديثة على أنها عدو للهوية أو الدين.
وخلق "جيل ممزق الهوية" استهداف الشباب والنشء الذين لم يعاصروا الأحداث بشكل مباشر، عبر زرع روايات كاذبة تغذي روح السخط والانقسام وتبث الأفكار الظلامية.ومحاولة غسل اليد من جرائم العنف والتخريب التي ارتكبتها الجماعة عبر عقود، وإلقاء التبعية على الأطراف الأخرى من خلال إعلام مضلل.
ورغم ضخامة الأموال والجهود التي أُفردت للمصنوعات الإعلامية والحملات الرقمية الموجهة لتزييف التاريخ، إلا أن هذه المحاولات مُنيت بفشل ذريع على أرض الواقع للأسباب التالية وصلابة الذاكرة التاريخية للشعوب واحتفاظ المجتمعات العربية بوعي حقيقي وموثق لتجاربها ومحطاتها الفارقة، ورفضها الانجرار خلف الأكاذيب المفضوحة.وانكشاف حقيقة الخطاب الإخواني أمام الجماهير إثر ممارسات العنف والإرهاب وسعي الجماعة المستمر للسلطة على حساب دماء الأوطان واستقرارها.
ويروج إعلام الجماعة الإرهابية باستمرار لادعاءات تزعم أن الدولة تُقصى الشباب أو تغلق أمامهم أبواب المشاركة، فى محاولة لتصدير صورة مغايرة للواقع وإقناع الأجيال الجديدة بأن الإخوان يمثلون البديل.
و الوقع العملى يكذب هذه المزاعم، فالدولة المصرية توسعت خلال السنوات الأخيرة فى برامج تمكين الشباب وتأهيلهم، وفتحت المجال أمام مشاركتهم فى العديد من المبادرات والبرامج الوطنية، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال، وإطلاق منصات للحوار والتواصل، بما يعكس توجها واضحا نحو الاستثمار فى الإنسان وبناء الكوادر الشابة.
و تعاملت الدولة مبكرا مع حروب المعلومات باعتبارها أحد أخطر التحديات التى تواجه الأمن الفكرى، واتجهت إلى تعزيز الثقافة الرقمية، ونشر الوعى الإعلامى، حتى يصبح الشباب أكثر قدرة على كشف الأخبار الزائفة والتعامل معها بوعى.
وواصلت الدولة إطلاق المبادرات التى تستهدف رفع وعى الشباب، وإعدادهم للتعامل مع تحديات العصر الرقمى، بما يحد من تأثير الحملات المنظمة التى تعتمد على التلاعب بالمعلومات وصناعة الأكاذيب.
وخلال السنوات الأخيرة أثبتت الأحداث الوطنية أن جماعة الإخوان الإرهابية لم تعد قادرة على التأثير فى الشريحة التى كانت تراهن عليها، بعدما أصبح الشباب أكثر إدراكا لأساليب التنظيم فى استغلال الأزمات، وأكثر وعيا بحجم الأكاذيب التى تروجها منصاته الإعلامية.
وبات واضحا أن الشائعة لم تعد تجد البيئة التى كانت تبحث عنها، وأن الوعى المجتمعى أصبح السلاح الأقوى فى مواجهة حملات التحريض، وهو ما أفقد الجماعة واحدة من أهم أدواتها فى استهداف الداخل.
وتؤكد المؤشرات أن معركة الوعى حُسمت لصالح الدولة والمجتمع، وأن محاولات جماعة الإخوان الإرهابية لاختراق عقول جيل "Gen Z" تتهاوى تباعا أمام جيل يجيد التحقق، ويرفض الانسياق وراء الدعاية السوداء، ويملك من الوعى ما يكفى لإسقاط أكاذيب الجماعة قبل أن تتحول إلى واقع.
وبالتالى فإن معركة الوعى الوطنى تتطلب اليقظة المؤسسية والثقافية فى دور المؤسسات الوطنية والباحثين والمؤرخين ووسائل الإعلام المهنية في تفكيك السرديات الزائفة وتقديم الحقائق الموثقة للرأي العام والأجيال الناشئة.
ومن ثم فإن حماية الذاكرة الوطنية هي خط دفاع أول ضد محاولات الاختراق الفكري والتنظيمي. كما أن وعي الأجيال الجديدة بحقيقة التاريخ، وقدرتهم على التمييز بين الحقائق الدامغة والأكاذيب الممنهجة هما الحصن الأقوى في وجه كل محاولات التزييف والاختطاف العقلي.