من ميادين القتال إلى منظومة الحرب.. ورشة للمركز المصري للفكر والدراسات تناقش الدروس المستفادة من الحروب الراهنة؟
الأربعاء، 12 أغسطس 2026 05:29 م
لم تعد متابعة الحروب الراهنة تقتصر على رصد نتائج المعارك أو التعرف إلى الأسلحة الجديدة التي تدخل ميدان القتال، إذ كشفت الخبرات المتراكمة عن تحولات تتجاوز أدوات القتال نفسها، وتمس طريقة إدارة الحرب، وسرعة انتقال الخبرة من ميدان إلى آخر، وتداخل المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والمعلوماتية.
وتبرز هذه التحولات في عدد من الحروب والصراعات التي شهدتها السنوات الأخيرة، بدءًا من الحرب الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، مرورًا بالحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وصولًا إلى الحرب بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، التي بدأت جولتها الأولى في يونيو 2025، واستؤنفت جولتها الثانية خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026، مع استمرار استخدام العمل العسكري على نطاقات مختلفة.
وفي هذا السياق، عقد المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ورشة عمل لمناقشة الدروس المستفادة من الحروب الراهنة، في ضوء التطورات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية، وما ترتب عليها من تسارع في التحولات المرتبطة بطبيعة الحروب المعاصرة، وتنامي دور التكنولوجيا المتقدمة في إدارة العمليات العسكرية.
وانطلقت الورشة من قناعة أساسية مفادها أن هذه الحروب لا تمثل أحداثًا عسكرية منفصلة، وإنما تعكس مؤشرات على تحولات بنيوية في طبيعة القوة والصراع. ولذلك، لم تستهدف أعمالها دراسة كل حرب بصورة منفردة، وإنما ركزت على تحليل القضايا المشتركة التي أفرزتها هذه الحروب، واستخلاص الأنماط العامة التي يمكن الاستفادة منها في تطوير الفكر الاستراتيجي.
واستندت الورشة إلى مفهوم «الدروس المستفادة» باعتباره عملية تحليل منهجية للخبرات العملية بهدف تحويلها إلى سياسات ومبادئ وإجراءات قابلة للبحث والتنفيذ، بما يتيح كذلك مراجعة عدد من الافتراضات والمبادئ التي حكمت التفكير العسكري والاستراتيجي خلال العقود الماضية.
ولتحقيق هذا الهدف، ناقشت الورشة، عبر ثلاث جلسات عمل، عددًا من التساؤلات الرئيسية، من بينها: ما الذي تغير فعليًا في طبيعة الحرب وأدواتها، وما الذي ظل ثابتًا؟ وما الدروس الاستراتيجية التي ينبغي استخلاصها من خبرة الحروب الراهنة على المستويين التكتيكي والاستراتيجي؟ وكيف يمكن أن تظهر هذه الدروس في الحروب المحتملة مستقبلًا؟
وتناولت أعمال الورشة مجموعة من الأوراق البحثية التي قدمها خبراء وعسكريون وفنيون متخصصون، وجمعت هذه الأوراق في تحليلاتها بين المستوى العام، من خلال رصد الاتجاهات الرئيسية للتغيرات التي طرأت على الحروب، وتحليل أهم العوامل النوعية المكملة للعمل العسكري، قبل الانتقال إلى المستوى التخصصي لتحليل واستخلاص الدروس المستفادة على مستوى الأفرع الرئيسية للعمل العسكري، برًا وجوًا وبحرًا وتقنيًا وغيرها.
واتسع النقاش خلال جلسات الورشة ليشمل حالة من العصف الذهني والثراء المعرفي، وبرز من خلالها تساؤل أكثر عمقًا حول ما إذا كانت الحرب قد تغيرت بالفعل، أم أن الذي تغير هو أدواتها ووسائطها وأساليب إدارتها.
ولم تقتصر أهمية الورشة على الأوراق البحثية المقدمة، وإنما امتدت إلى النقاشات والتفاعلات التي شهدتها جلساتها، والتي أتاحت الانتقال من عرض الخبرات إلى مراجعة ومناقشة بعض التصورات التقليدية حول الحرب، وبحث ما إذا كانت الظواهر التي كشفت عنها الحروب الراهنة تمثل تحولات مؤقتة فرضتها ظروف محددة، أم أنها تعبر عن اتجاهات أعمق يمكن أن تؤثر في شكل الحروب المقبلة.
وشهدت الورشة حضورًا ومشاركة من عدد من القيادات والخبراء والمتخصصين في مجالات الأمن والدفاع، من بينهم مستشارا الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء أركان حرب دكتور أشرف فارس، واللواء أركان حرب دكتور محمد ذكي الألفي.
كما شارك من مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للقوات المسلحة، العميد دكتور مراد معتصم، رئيس المركز، واللواء دكتور أسامة إبراهيم، مستشار المركز، إلى جانب عدد من ممثلي وزارة الدفاع والأجهزة المختصة، فضلًا عن الخبراء والمتخصصين المشاركين في أعمال الورشة.
وعكس هذا التنوع في الحضور تعدد الخبرات والرؤى، وأتاح مساحة واسعة للحوار حول طبيعة التحولات التي كشفت عنها الحروب الراهنة، وما يمكن استخلاصه منها من دروس.
وتعددت واتسعت الاستخلاصات التي انتهت إليها أعمال الورشة، وكان من أبرزها أن التغيرات التي أحدثتها هذه الحروب لم تُلغِ الثوابت الأساسية للحرب، إذ لا تزال الأهداف السياسية والقيادة والجغرافيا والإرادة والقدرة على الاستمرار والصمود عناصر مؤثرة في نتائج الصراعات.
وخلصت المناقشات إلى أن أهمية الحروب الراهنة ربما لا تكمن في أنها أوجدت «حربًا جديدة» بصورة كاملة، وإنما في أنها أعادت صياغة العلاقة بين الثوابت والمتغيرات، وأظهرت أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يضمن وحده تحقيق النتيجة الاستراتيجية، ما لم يقترن بأهداف سياسية واضحة ومحددة وممكنة، وقدرة على التكامل والتكيف، وموارد تتيح الاستمرار.
كما أظهرت المناقشات أن الحروب لم تعد مجرد مواجهات عسكرية بين جيوش نظامية، وإنما أصبحت تجمع بين العمليات العسكرية التقليدية وغير التقليدية، والعمليات السيبرانية، والحروب النفسية والإعلامية، والضغوط الاقتصادية. وأضافت التكنولوجيا الحديثة أبعادًا وتأثيرات جديدة إلى هذه العمليات، بما أدى إلى تداخل الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والنفسية، وخلط الأهداف العسكرية والمدنية بصورة غير مسبوقة.
وكان من أبرز الموضوعات التي ناقشتها الورشة كذلك الاختلاط المتزايد بين «العسكري» و«المدني» في الحروب الراهنة، وما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة في بناء الجاهزية للحرب، وتشكيل مناعة الدولة، وبنوك الأهداف وحمايتها، وتعزيز القدرات العسكرية دفاعًا وهجومًا.
وأكدت المناقشات في هذا السياق أن «المكون المدني» بات يكتسب قيمة وتأثيرًا أكبر بكثير مما كان عليه في السابق، سواء في الإعداد للحرب أو إدارتها أو تحديد نتائجها وحصدها.
وخلصت الورشة إلى أن الدرس الأعمق الذي تفرضه الحروب الراهنة يتمثل في أن الحرب لا تتغير فقط عندما تظهر أسلحة جديدة، وإنما عندما تتغير الطريقة التي تفكر بها الدول في القوة والحرب والنصر.
فالتكنولوجيا قد تمنح الجيوش سرعة أكبر ومدى أوسع ودقة أعلى، لكنها لا تستطيع وحدها حسم حرب، كما أن التفوق في معركة لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق غاية سياسية أو تحمل حرب طويلة.
ومع تغير الأدوات بسرعة غير مسبوقة، تظل الأسئلة الكبرى للحرب قائمة: من يملك القدرة على التعلم بشكل أسرع؟ ومن يستطيع التكيف مع مفاجآت الميدان؟ ومن يمتلك القدرة على الاستمرار عندما تطول الحرب وتستنزف الموارد؟
وبناءً على ذلك، فإن الدرس الأهم من حروب اليوم لا يتمثل فقط في كيفية خوض الحرب المقبلة بأسلحة الحاضر، وإنما في كيفية بناء القدرة على فهم حرب لم تأتِ بعد، والتكيف معها قبل أن تفرض قواعدها.
وتشير خلاصات الورشة إلى أن التاريخ العسكري لا يكافئ دائمًا من امتلك السلاح الأفضل، بقدر ما يكافئ من أدرك مبكرًا أن قواعد اللعبة بدأت تتغير.