في الذكرى الـ 13.. اللواء مصطفى رجائي قائد فض اعتصام النهضة يكشف لـ«صوت الأمة» تفاصيل فض أكبر بؤرة للإرهاب

السبت، 15 أغسطس 2026 05:01 م
في الذكرى الـ 13.. اللواء مصطفى رجائي قائد فض اعتصام النهضة يكشف لـ«صوت الأمة» تفاصيل فض أكبر بؤرة للإرهاب
الزميلة دينا الحسيني مع اللواء مصطفي رجائي
دينا الحسيني

اللواء مصطفى رجائي:

عثرنا على ترسانة من الأسلحة والذخائر مدفونة داخل حديقة الأورمان.. ومخابئ سرية داخل كلية الهندسة

الاعتصام المسلح هدد أمن المواطنين وعطّل المرافق.. والقرار كان مواجهة الفوضى والإرهاب بالحسم والقانون

"الإرهابية" حاولت الضغط على الأجهزة الأمنية وتشتيتها بتوسيع نطاق المواجهة في عدة بؤر بالجيزة في توقيتات متقاربة

تلقينا تكليف واضح بفض التجمهر وتوفير ممر آمن لخروج المعتصمين الراغبين في المغادرة بصورة سلمية ودون ملاحقة

أول طلقة خرجت من داخل الأعتصام تجاه القوات.. والمواجهة كانت شديدة التعقيد بسبب السواتر والتحصينات

وجدنا كميات من الأسلحة والذخائر مخبأة ومدفونة في الأرض داخل حديقة الأورمان وعثرنا على وسائل اتصال وأدوات ومخططات كانت تستخدم في إدارة الاعتصام

"الإرهابيين" استخدموا مبانى كلية الهندسة "مخابئ سرية" وخزنوا الأسلحة فى المدرجات الخشبية والدواليب

حازم أبو إسماعيل قاد حصار مدينة الإنتاج للسيطرة على الاستوديوهات وفرض تأثير مباشر على المحتوى الإعلامي

كرداسة وناهيا من أخطر البؤر المسلحة.. ونفذنا عملية متزامنة لتطويق العناصر ومنع انتقالها بين المنطقتين

"الجماعة الإرهابية" يضللون الأجيال الجديدة برواية «مظلومية رابعة والنهضة».. والتاريخ لا يقبل التزوير

في أغسطس 2013، لم تكن منطقة النهضة بالجيزة، مجرد موقع اعتصام انتهى بعملية فض، وإنما كانت واحدة من النقاط التي تداخلت حولها اعتبارات أمنية وميدانية معقدة، بحكم موقعها في قلب الجيزة وقربها من جامعة القاهرة وكلية الهندسة وحديقة الأورمان وحديقة الحيوان وشارع الجامعة، إلى جانب اتصالها بعدد من المناطق الحيوية التي شهدت خلال الفترة نفسها أحداثًا ومواجهات متزامنة.

وبينما كانت قوات الأمن تستعد لتنفيذ قرار النيابة العامة بفض الاعتصام، كانت الجيزة تعيش مشهدًا أوسع من المواجهات، امتد من النهضة إلى مدينة الإنتاج الإعلامي والواحات والدقي وإمبابة والحوامدية والبدرشين، ثم إلى كرداسة وناهيا، في وقت كانت فيه أجهزة الأمن تتعامل مع أحداث متعددة في توقيتات متقاربة، وهو ما جعل تأمين المحافظة وإعادة السيطرة على المناطق التي شهدت اضطرابات تحديًا كبيرًا.

وفي هذا الحوار، يستعيد قائد عملية فض اعتصام النهضة اللواء مصطفى رجائي مساعد وزير الداخلية للأمن المركزي في الجيزة سابقاً، تفاصيل الاستعداد للعملية، وطبيعة المعلومات التي كانت متوافرة لدى الأجهزة الأمنية، وما واجهته القوات منذ اللحظات الأولى للتحرك، متحدثًا عن إطلاق النار الذي تعرضت له القوات، وعن العناصر التي اعتلت مباني مرتفعة مطلة على منطقة الاعتصام، واستخدمتها، في رصد تحركات القوات وإطلاق النار عليها.

كما يكشف تفاصيل وجود كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر داخل محيط الاعتصام، وما عثرت عليه القوات في حديقة الأورمان من أسلحة مدفونة وأماكن مخصصة للإخفاء، إلى جانب ما يقول إنه تم العثور عليه داخل مباني كلية الهندسة من مخابئ وأماكن سرية لإخفاء الأسلحة والذخائر.

ومن النهضة، ينتقل الحوار إلى المشهد الأمني الأوسع في الجيزة، بدءًا من حصار مدينة الإنتاج الإعلامي، الذي يصفه رجائي بأنه كان محاولة للوصول إلى بوابات المدينة والاستوديوهات والقنوات، وصولًا إلى أحداث مسجد الاستقامة، ثم كرداسة وناهيا، وما شهدته تلك المناطق من مواجهات مع قوات الشرطة.

ويتطرق الحوار كذلك إلى الدور الذي لعبه القيادي الإخواني حازم صلاح أبو إسماعيل في التحرك تجاه مدينة الإنتاج الإعلامي، وإلى ما يصفه بمحاولات فتح جبهات متعددة في وقت واحد لإرباك الأجهزة الأمنية وتشتيت قواتها.

وفي شهادة تمتد من تفاصيل الميدان إلى ما جرى بعده، يتحدث قائد عملية فض النهضة عن الطريقة التي يرى أن جماعة الإخوان الإرهابية طورت بها أدواتها خلال السنوات التالية؛ من السلاح والتحصينات والسيطرة الميدانية عام 2013، إلى استخدام الفضاء الإلكتروني والشائعات وتزييف الوعي ومحاولات التأثير في الرأي العام.. وإلى نص الحوار..

عندما تستعيد اليوم تفاصيل عملية فض اعتصام النهضة.. ما أول مشهد أو إحساس يعود إلى ذاكرتك

أول ما أتذكره هو توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم حجم الإعداد الدقيق الذي سبق تنفيذ العملية. لم يكن التعامل مع اعتصام النهضة قرارًا ارتجاليًا أو تحركًا مفاجئًا، وإنما سبقه إعداد طويل ودقيق، وكنا نعقد اجتماعات تنسيقية بصورة شبه يومية لمراجعة الموقف وتحديث المعلومات، وكان شغلنا الشاغل منذ البداية هو الحفاظ على الأرواح؛ أرواح المعتصمين، وأرواح القوات، وكذلك أرواح المواطنين الذين لا علاقة لهم بالأحداث.

وكانت عقيدتنا واضحة: مواجهة الفوضى والإرهاب لا تعني التخلي عن القانون، وإنما تعني إنفاذه بحسم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأرواح وصون كرامة المواطنين وهيبة الدولة وسيادة القانون.

كيف كانت الصورة الأمنية في محافظة الجيزة خلال تلك الفترة؟ ولماذا كانت من أصعب المحافظات في التعامل الأمني؟

الجيزة كانت من أصعب المحافظات أمنيًا، ليس فقط بسبب اتساع نطاق الأحداث، وإنما بسبب طبيعتها الحدودية مع عدة محافظة، وهو ما كان يسهل حركة الدخول والخروج وعمليات الدعم اللوجستي، ويجعل السيطرة على أي بؤرة توتر داخل المحافظة مرتبطة في الوقت نفسه بتأمين مناطق ومحاور أخرى.

وفي تلك الفترة، شهدت المحافظة شللًا في عدد من الشوارع والمحاور الرئيسية، من بينها شارع مراد وشارع الجامعة وكوبري ثروت، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حركة المواطنين وحرية التنقل، فضلًا عن وجود حالة من التوتر الأمني امتدت إلى مناطق مختلفة داخل المحافظة.

ولم تكن الأحداث محصورة في منطقة النهضة وحدها، وإنما كانت هناك جبهات متزامنة ومتباعدة جغرافيًا، من مدينة الإنتاج الإعلامي والواحات، مرورًا بالدقي وشارع جامعة الدول العربية وإمبابة والحوامدية والبدرشين وبشتيل، وصولًا إلى كرداسة وناهيا.

وهذا التوزيع الواسع للأحداث كان يمثل ضغطًا كبيرًا على الأجهزة الأمنية، لأن القوات لم تكن تتعامل مع نقطة واحدة، وإنما مع عدة بؤر في توقيتات متقاربة، وهو ما كان يستهدف، من وجهة نظرنا، تشتيت القوات وإرباك منظومة الأمن وإجبارها على توزيع إمكاناتها على أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.

متى وصلت الأجهزة الأمنية إلى قناعة بأن استمرار اعتصام النهضة لم يعد ممكنًا، وأن فضه أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل؟

عندما تحول الاعتصام من مجرد تجمع إلى مصدر تهديد مباشر للأمن والاستقرار، وامتد تأثيره إلى حياة المواطنين وحركة المرور والمرافق الحيوية في المنطقة المحيطة. فقد أدى استمرار الاعتصام إلى تعطيل عدد من الطرق والمحاور الرئيسية، وفرض قيود على حركة المواطنين، وأصبح الوضع يمثل خطرًا على أمن الأهالي وسلامتهم، فضلًا عن الوقائع والجرائم التي كانت تُرتكب داخل الاعتصام وحوله.

وفي هذا السياق، صدر قرار مجلس الوزراء، ثم أمر النيابة العامة باتخاذ الإجراءات اللازمة لضبط الجرائم التي كانت تُرتكب داخل الاعتصام، وقرار الفض لم يكن مفاجئًا أو وليد اللحظة، فقد سبقته محاولات عديدة لإنهاء الاعتصام بالطرق السلمية، واستمرت هذه المحاولات لفترة، إلا أنها لم تُفضِ إلى نتيجة، في ظل تمسك قيادات الجماعة بمطالبها السياسية ورفضها إنهاء الاعتصام.

ما طبيعة التكليف الذي صدر إليكم قبل التنفيذ، وكيف جرى التخطيط لعملية فض اعتصام النهضة لضمان تنفيذ القرار مع تقليل احتمالات المواجهة؟

كان التكليف واضحًا: فض التجمهر وفقًا للقانون، مع توفير ممر آمن لخروج المعتصمين الراغبين في المغادرة بصورة سلمية ودون ملاحقة، باستثناء من كانت صادرة بحقهم قرارات من النيابة العامة.

وبناءً على هذا التكليف، خضعت القوات لتدريبات شاقة ومحاكاة عملية للسيناريوهات المختلفة التي يمكن أن تواجهها أثناء التنفيذ، خاصة ما يتعلق بالمباني المرتفعة وكلية الهندسة والمواقع والمنشآت المحيطة بالاعتصام، لأننا كنا ندرك طبيعة المنطقة وضرورة التعامل مع أكثر من احتمال في الوقت نفسه.

كما جرى تجهيز سيارات دفع رباعي مزودة بمنظومات صوتية حديثة، لاستخدامها في إطلاق النداءات وتحذير الموجودين داخل الاعتصام، وحثهم على الخروج بصورة سلمية وسلوك الممر الآمن في اتجاه ميدان الجيزة وجامع الاستقامة.

وتقدمت القوات من اتجاهين رئيسيين، مع ترك الاتجاه الثالث مفتوحًا باعتباره ممرًا آمنًا لخروج المعتصمين، وكان التخطيط قائمًا منذ البداية على تقليل احتمالات المواجهة قدر الإمكان، وإتاحة فرصة حقيقية للراغبين في الخروج السلمي لمغادرة الاعتصام بأمان.

ماذا حدث في اللحظات الأولى لبدء تنفيذ عملية فض اعتصام النهضة، وكيف تعاملتم مع مصادر إطلاق النار التي كانت تستهدف القوات من المباني المرتفعة وكلية الهندسة؟

بمجرد وصول القوات إلى مواقع التحرك، بدأنا في إطلاق النداءات والتحذيرات وتوجيه الموجودين داخل الاعتصام إلى الممر الآمن، إلا أننا فوجئنا منذ اللحظات الأولى بإطلاق نار مباشر وكثيف باتجاه القوات، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة.

وكانت المواجهة شديدة التعقيد بسبب السواتر والتحصينات التي أُقيمت داخل محيط الاعتصام، إلى جانب وجود مصادر لإطلاق النار من أماكن مرتفعة، فقد اعتلت عناصر مسلحة تابعة لجماعة الإخوان أسطح عدد من المباني المطلة على منطقة النهضة، واستخدمتها في رصد تحركات القوات وإطلاق النار عليها، كما اعتلت عناصر مسلحة أسطح ومباني كلية الهندسة، واستغلت طبيعة المباني وبروزاتها الخرسانية كنقاط تحصن ومواقع لإطلاق النار.

وكانت كلية الهندسة تمثل تحديًا خاصًا بسبب طبيعتها المعمارية وتعدد مبانيها واتجاهاتها، فضلًا عن وجود أماكن مرتفعة يمكن استخدامها في مراقبة القوات واستهدافها، ولذلك لم يكن من الممكن التعامل مع الميدان بمعزل عن هذه المباني، واصلت قوات فض التجمهر تنفيذ الخطة الموضوعة، مع الالتزام بالتدرج في استخدام القوة وعدم اللجوء إلى القوة المسلحة إلا في مواجهة مصادر إطلاق النار التي استهدفت القوات.

ماذا كشفت عملية التأمين والتفتيش داخل حديقة الأورمان وكلية الهندسة عن طبيعة الاعتصام، وكيف تعاملتم مع الأسلحة والمتحصنين داخل مباني الكلية؟

وجدنا داخل حديقة الأورمان كميات من الأسلحة والذخائر كانت مخبأة ومدفونة في الأرض، خاصة في المناطق المحيطة بالحمامات، إلى جانب أماكن مخصصة للإقامة والمعيشة ودورات المياه ومستشفى ميداني، وكان حجم ما تم إخفاؤه داخل الحديقة لافتًا، بما يؤكد أن المكان لم يكن مجرد مساحة مفتوحة للاعتصام، وإنما استُخدمت أجزاء منه في تخزين الأسلحة والذخائر إلى جانب توفير احتياجات المعيشة والإقامة.

كما عثرنا على وسائل اتصال وأدوات ومخططات كانت تستخدم في إدارة الاعتصام، وهو ما كشف عن درجة كبيرة من التنظيم في إدارة المكان، سواء فيما يتعلق بالإقامة أو الاتصالات أو تخزين المعدات والذخائر.

أما كلية الهندسة فكانت من أكثر النقاط تعقيدًا، ليس فقط بسبب تحصن عدد من المُسلحين داخلها بعد السيطرة على الميدان، وإنما أيضًا بسبب ما عُثر عليه من أماكن لإخفاء الأسلحة والذخائر داخل أجزاء من المباني، من بينها الأسقف والجدران والمدرجات الخشبية والدواليب وأماكن أخرى جرى استغلالها كمخابئ سرية.

كما واجهت القوات أسلحة نارية وذخائر حية ورشاشات، إلى جانب أنابيب بوتاجاز كانت موجودة داخل الخيام، وهو ما كان يتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر أثناء التعامل والتفتيش، نظرًا لما يمكن أن تسببه من انفجارات متتالية إذا تم التعامل معها بصورة خاطئة.

وبعد السيطرة على الميدان، تحصن عدد من المعتصمين داخل كلية الهندسة وأغلقوا المنافذ على أنفسهم. وهنا كان القرار واضحًا بالنسبة لنا: لا نريد اقتحامًا يؤدي إلى سقوط ضحايا طالما أن هناك فرصة لإنهاء الموقف بالتفاوض، وعندما طلب المتحصنون الأمان، تعاملنا معهم وفق القانون، واستعنا بمحافظ الجيزة، وجرى توفير وسائل نقل وسيارات إسعاف لتأمين خروجهم، وكان بإمكاننا التعامل مع الموقف باعتباره مواجهة واقتحام المكان، لكننا اخترنا الطريق الذي يحقن الدماء ويحافظ على الأرواح، حتى انتهى الموقف بخروج المتحصنين وتأمينهم.

كيف كان الاعتصام يُدار من الداخل، وهل امتدت منظومة إدارته إلى الجانب الإعلامي؟

كان هناك تنظيم واضح ومتعدد المستويات؛ فداخل الاعتصام وُجد مستشفى ميداني، وأماكن للإقامة والمعيشة، ومرافق ودورات مياه، إلى جانب وسائل اتصال وأدوات لإدارة الميدان، وهو ما عكس وجود منظومة متكاملة لإدارة الاعتصام وليس مجرد تجمع داخل خيام.

وفي الوقت نفسه، كان هناك تنظيم للجانب الإعلامي، من خلال لجنة تولت إدارة المنصة الرئيسية وإصدار البيانات والتواصل مع وسائل الإعلام، بالتوازي مع محاولة توجيه الصورة التي تصل إلى الخارج.

وماذا عن حصار مدينة الإنتاج الإعلامي.. وما الذي كان يستهدفه هذا التحرك؟

كان حصار مدينة الإنتاج الإعلامي أحد أبرز التحركات التي شهدتها الجيزة خلال تلك الفترة، حيث تجمعت أعداد كبيرة من أنصار جماعة الإخوان الإرهابية أمام المدينة، وبدأت محاولات لاقتحام البوابات والوصول إلى استوديوهات البث والقنوات الفضائية، في محاولة للسيطرة على ما يخرج من المدينة من رسائل إعلامية والتأثير على التغطية الإعلامية للأحداث.

وكان حازم صلاح أبو إسماعيل من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا التحرك، وفق ما كانت أجهزة الأمن تتابعه في ذلك الوقت، وكان الهدف، من وجهة نظرنا، الضغط على المدينة ومحاولة الوصول إلى الاستوديوهات وفرض تأثير مباشر على المحتوى الإعلامي الذي يُبث منها.

واستمرت المواجهات لساعات، قبل أن تصل التعزيزات الأمنية وتفرض السيطرة على شارع الواحات وبوابات المدينة، وتمنع المتجمهرين من اقتحامها أو الوصول إلى استوديوهات البث، وتم تأمين المدينة بالكامل دون أن تتعرض منشآتها لأي أضرار.

وماذا عن أحداث مسجد الاستقامة ومحاولات فتح جبهات متعددة لإرباك الأجهزة الأمنية؟

كانت أحداث مسجد الاستقامة من الوقائع التي واجهنا خلالها محاولات واضحة لإرباك القوات وجرها إلى أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، وخلال تأمين المنطقة، أقدمت عناصر من جماعة الإخوان على إلقاء عبوات ناسفة من أعلى كوبري الجيزة المعدني باتجاه قوات التأمين، في محاولة لاستهداف القوات وإجبارها على التعامل مع مصدر تهديد مرتفع ومباشر.

وكانت خطورة هذا الأسلوب أنه لم يكن مجرد تجمع أو اشتباك في نقطة واحدة، وإنما محاولة لخلق حالة من الفوضى حول القوات وفتح مسار جديد للمواجهة، بالتزامن مع أحداث كانت تقع في مناطق أخرى من الجيزة.

وبالنسبة لنا، كان التحدي هو ألا نسمح بتحويل هذه الأحداث إلى جبهات تستنزف القوات أو تشتت قدرتها على السيطرة، لذلك كان التعامل يتم بصورة متزامنة مع كل بؤرة، مع الحفاظ على تأمين المواطنين والمنشآت والمحاور الرئيسية ومنع انتقال المواجهات إلى مناطق جديدة.


ننتقل إلى كرداسة وناهيا.. كيف تعاملتم مع واحدة من أخطر بؤر المواجهة المسلحة في الجيزة؟

كرداسة لم تكن حادثة عابرة، وإنما شهدت هجومًا مسلحًا على مركز الشرطة، حيث قاومت القوات داخل المركز حتى اللحظات الأخيرة، واستشهد عدد من الضباط والمجندين، وعلى رأسهم مأمور المركز العميد محمد جبر، وكان المشهد مؤلمًا للغاية بالنسبة لي، خاصة أنني كنت أعرف العميد محمد جبر من قبل، وكان من الضباط الذين أعتز بهم.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك تحركات مرتبطة بين كرداسة وناهيا، مع استخدام العناصر المسلحة للمباني المرتفعة ونشر الأسلحة لإعاقة تقدم القوات ومواجهة عمليات التأمين، ولذلك لم يكن التعامل مع كرداسة وناهيا باعتبارهما منطقتين منفصلتين، وإنما باعتبارهما بؤرتين مترابطتين تحتاجان إلى تحرك أمني متزامن لمنع انتقال العناصر من منطقة إلى أخرى.

وكانت الخطورة أيضًا في وجود عناصر وقيادات تنظيمية مؤثرة داخل هذه المناطق، وهو ما تطلب تطويق البؤر المسلحة وقطع مسارات الحركة بينها، ثم التعامل مع العناصر المتورطة وضبطها وإحالتها إلى جهات التحقيق والمحاكمة، وبالتنسيق بين القوات، تمت استعادة السيطرة الأمنية على المنطقتين وإنهاء حالة التمركز المسلح بهما.

بعد عملية الفض، واجهت وزارة الداخلية اتهامات واسعة، ولا تزال الروايات المتضاربة حول ما جرى حاضرة حتى اليوم.. كيف تعاملتم معها؟
 

بصفتي شاهد عيان على ما جرى، وكنت موجودًا أثناء عملية الفض، وشاهدت ما تم ضبطه وتحريزه داخل الاعتصام، فإنني أستغرب استمرار جماعة الإخوان الإرهابية حتى اليوم في الترويج لروايات مضللة ومغايرة لما شهدناه على أرض الواقع، فالحقيقة أنه منذ اللحظات الأولى بعد الفض، كانت هناك محاولات لتقديم صورة مختلفة تمامًا عما حدث، والتشكيك في إجراءات القوات وما تم العثور عليه داخل الاعتصام، رغم أن الوقائع لم تعتمد على رواية أمنية فقط، وإنما كانت هناك مضبوطات وأحراز ومحاضر وتحقيقات وإجراءات رسمية يمكن الرجوع إليها.

والشرطة في التعامل مع الاعتصام كانت تعمل تحت مظلة القانون، وكان استخدام القوة يتم وفق قواعد وضوابط محددة، مع الحرص على توفير ممر آمن لخروج من يرغب في المغادرة، وهو ما تم بالفعل، كما أن التعامل مع المتحصنين داخل كلية الهندسة انتهى بالتفاوض وتأمين خروجهم بدلًا من اقتحام المكان.

أما استمرار الروايات المتضاربة حتى اليوم، فأعتقد أن سببه محاولة الإبقاء على ما يسمى بـ«رواية المظلومية» واستخدامها سياسيًا وإعلاميًا. لكن الروايات مهما تكررت لا تغير ما هو ثابت في الأحراز والتحقيقات والتقارير الرسمية والأحكام القضائية وشهادات من كانوا موجودين في موقع الأحداث.

بعد سنوات من تلك الأحداث، ماذا تقول لأسر شهداء الشرطة الذين فقدوا أبناءهم أثناء أداء واجبهم؟

أقول لهم إن أبناءكم أدوا واجبهم في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الدولة المصرية، وإن تضحياتهم ستظل محل تقدير واعتزاز، لأنهم قدموا أرواحهم من أجل حماية الدولة والمواطنين والحفاظ على الأمن والاستقرار.

وأستعيد بكل تقدير أسماء الشهداء الذين فقدناهم خلال تلك الأحداث، ومن بينهم الشهيد ساطع النعماني، والملازم أول محمد عبد العزيز، وكل ضباط وأفراد الشرطة الذين قدموا أرواحهم وهم يؤدون واجبهم الوطني.

وأود أن أوجه الشكر والتقدير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، لما يوليه من اهتمام ورعاية لأسر الشهداء وأبنائهم، والتأكيد الدائم على أن تضحياتهم محل تقدير الدولة ولن تُنسى.

كما أوجه الشكر إلى وزارة الداخلية، التي لم تدخر جهدًا في رعاية أبناء الشهداء وأسرهم، وتقديم أوجه الدعم والرعاية لهم، وفاءً لتضحيات من قدموا أرواحهم أثناء أداء واجبهم. وما تقدمه الوزارة لأسر الشهداء هو بمثابة رد للجميل وتأكيد على أن تضحيات أبنائهم لم تذهب هدرًا.

وأعرف أن الكلمات لا يمكن أن تعوض أسرة عن فقدان ابنها، لكن ما أستطيع قوله إن أبناءكم لم يذهبوا إلى مواقع الأحداث بحثًا عن مواجهة، وإنما كانوا يؤدون تكليفًا وطنيًا، ودفعوا ثمنًا غاليًا من أجل أن تبقى الدولة ومؤسساتها قادرة على حماية المواطنين.

وستظل أسر الشهداء محل تقدير واحترام، وسيظل أبناؤهم في ذاكرة الوطن بما قدموه من تضحيات أثناء أداء واجبهم.

أخيرًا.. ماذا تقول للشباب الذين لم يعايشوا أحداث 2013 وتحاول الجماعة الإرهابية تضليلهم من خلال الترويج لما تسميه «مظلومية رابعة والنهضة»؟

أقول لهم إن الوعي هو خط الدفاع الأول عن الوطن، وإن التعامل مع أحداث بهذه الأهمية لا يكون من خلال رواية واحدة يجري تكرارها لسنوات، وإنما بالبحث عن الحقائق والعودة إلى ما هو موثق من وقائع وأدلة وشهادات.

وأقول لكل شاب لم يعايش أحداث 2013: لا تجعل ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي مصدرَك الوحيد لمعرفة ما جرى. فرواية «المظلومية» جرى توظيفها على مدار سنوات، وإعادة تقديم الأحداث بصورة مختلفة عما شهدناه على أرض الواقع، ولذلك يجب التفريق بين المعلومة الموثقة وبين المحتوى الذي يستهدف التأثير في الوعي وصناعة صورة ذهنية مغايرة للحقيقة.

واليوم لم تعد أدوات التأثير كما كانت في 2013؛ فقد انتقلت المواجهة بدرجة كبيرة إلى الفضاء الإلكتروني، وأصبحت الشائعة والصورة والمقطع المجتزأ قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص في وقت قصير. ولذلك فإن مسؤولية الشباب تزداد في التحقق من مصادر المعلومات وعدم إعادة نشر أي محتوى قبل التأكد من حقيقته وسياقه.

وأقول لهم أيضًا إن استقرار الدولة ليس أمرًا مسلمًا به، وإنما نتيجة تضحيات وجهود تبذلها مؤسسات الدولة والمواطنون معًا، وإن الحفاظ عليه يبدأ بالوعي، واحترام القانون، والتمسك بالدولة ومؤسساتها.

ومن لم يعش أحداث 2013 عليه أن يقرأها من مصادرها وشهادات من عايشوها، لا من الروايات التي أُعيد إنتاجها بعد ذلك؛ لأن التاريخ لا ينبغي أن يُترك لمن يريد أن يكتبه بالشائعات أو بتكرار رواية واحدة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق