هل تنجح الصكوك الضريبية في النزول بالدين العام إلى أقل من 80%؟
السبت، 15 أغسطس 2026 08:30 م
الثلاثاء الماضى، وخلال جولته التفقدية لعدد من المشروعات التنموية والخدمية ضمن المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» بمحافظة الغربية، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن تقديرات المؤسسات الدولية تشير إلى أنه اعتبارًا من العام المقبل ستصبح نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر، للمرة الأولى، أقل من متوسط نسبة الدين في الدول الناشئة والدول النامية، مؤكدًا أن الدولة وضعت الدين العام على مسار نزولي، وتستهدف مواصلة خفضه خلال السنوات الثلاث المقبلة، متناولاً في الموقت نفسه موافقة الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال اجتماعه الأثنين الماضى، مع رئيس الوزراء ووزير المالية، على مقترح إصدار صكوك ضريبية يتم تمويلها من قبل الممولين، والعائد من إصدار تلك الصكوك، ودورها في خفض تكلفة خدمة الدين.
ما قاله مدبولى، يؤكد اتجاه الحكومة إلى تكثيف جهودها لخفض الدين العام وتقليل تكلفة خدمته، بالتزامن مع طرح آلية "الصكوك الضريبية"، في خطوة تستهدف توفير سيولة للدولة بتكلفة أقل من الاقتراض التقليدي.
ومنذ سنوات، نلاحظ ان الدولة تضع ملف الدين العام أمام مرحلة جديدة من الإدارة المالية، مع تأكيد الحكومة أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تسير في اتجاه هبوطي، وأن المستهدف خلال العام المقبل هو النزول بها إلى أقل من 80%، وصولًا إلى مستويات السبعينيات خلال السنوات التالية.
والصكوك الضريبية، المطروحة حالياً، فكرتها تقوم على تشجيع الممولين على سداد جزء من مستحقاتهم الضريبية في وقت مبكر، بدلًا من الانتظار حتى موعد الاستحقاق، ومقابل ذلك يحصل الممول على عائد نظير السداد المعجل، بينما تحصل وزارة المالية على السيولة في وقت مبكر يمكن استخدامها في تلبية احتياجاتها التمويلية.
والمستهدف من هذه الفكرة، أن يكون العائد الذي تدفعه الحكومة للممول أقل من تكلفة الاقتراض التي تتحملها عند اللجوء إلى البنوك أو طرح أذون وسندات الخزانة، وهو ما يعني أن الدولة تستطيع الحصول على السيولة بتكلفة أقل، وبالتالي، فإن الآلية لا تستهدف زيادة الإيرادات الضريبية بقدر ما تستهدف إدارة توقيت تحصيلها بصورة أكثر كفاءة وتقليل تكلفة التمويل.
ومن الواضح أن فكرة الصكوك الضريبية، تأتى ضمن مساعى أوسع لتقليل الاحتياجات التمويلية للدولة وخفض فاتورة خدمة الدين، فكل جنيه تستطيع وزارة المالية توفيره من تكلفة الاقتراض يمكن أن يخفف الضغط على الموازنة العامة، ويوفر مساحة أكبر لتوجيه الموارد إلى قطاعات أخرى مثل الاستثمار والخدمات العامة وبرامج الحماية الاجتماعية، وهنا تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، التي تجعل إدارة الدين لا تتعلق فقط بحجم المديونية، وإنما أيضًا بسعر الفائدة وآجال الاستحقاق ومصادر التمويل.
وبالعودة إلى ما قاله الدكتور مدبولى في الغربية، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من نحو 96% قبل عامين إلى ما يتراوح حاليًا بين 81% و82%، وتستهدف الحكومة النزول بالنسبة إلى أقل من 80% خلال العام المقبل، ثم مواصلة الانخفاض إلى مستويات السبعينيات خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ويمثل الانتقال من مستوى يقترب من 100% من الناتج المحلي إلى مستويات أقل من 80% تحولًا مهمًا في مؤشر المديونية، إلا أن الحفاظ على هذا الاتجاه يتطلب استمرار النمو الاقتصادي، إلى جانب ضبط الإنفاق وتحسين إدارة الموارد والتمويل.
ولا تقتصر أهمية التطور على انخفاض نسبة الدين محليا، إذ تشير تقديرات المؤسسات الدولية التي استند إليها رئيس الوزراء إلى أن مصر قد تصبح، اعتبارًا من العام المقبل، عند نسبة دين إلى الناتج المحلي أقل من متوسط الدول الناشئة والدول النامية للمرة الأولى.
ويمثل نمو الناتج المحلي أحد العوامل الأساسية في خفض نسبة الدين، فالمعادلة لا تعتمد فقط على حجم الدين، وإنما على العلاقة بين الدين وحجم الاقتصاد، وكلما نما الاقتصاد بوتيرة أسرع من نمو الدين، انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، لهذا، فإن تحقيق المستهدفات الحكومية لن يعتمد فقط على أدوات التمويل الجديدة، وإنما يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على معدلات نمو قوية، وزيادة الاستثمار والإنتاج والصادرات، بما يرفع حجم الاقتصاد ويعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وفي حال تمكنت الحكومة من الجمع بين النمو الاقتصادي، وزيادة الإيرادات، وخفض تكلفة الاقتراض، وتحسين إدارة آجال الدين، وتقليل الاحتياجات التمويلية، فإن انخفاض نسبة الدين يمكن أن يتحول من مجرد مؤشر مالي إلى مساحة حقيقية أكبر أمام الدولة لتمويل التنمية، وبذلك تدخل مصر مرحلة جديدة في إدارة ملف الدين، عنوانها الرئيسي ليس فقط الاقتراض أقل، وإنما الاقتراض بتكلفة أقل، وإدارة السيولة بكفاءة أكبر، وخفض نسبة الدين تدريجيًا إلى مستويات أكثر استدامة، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، إذ إن أي انخفاض في تكلفة التمويل يمكن أن ينعكس على قدرة الموازنة العامة على توجيه المزيد من الموارد إلى الإنفاق التنموي والخدمات الأساسية.
ومعلوم للجميع أن خدمة الدين تعد من أكثر البنود ضغطًا على الموازنة العامة، ولذلك فإن خفض تكلفة الاقتراض لا يقل أهمية عن خفض حجم الدين نفسه، فعندما تتمكن الحكومة من الحصول على السيولة بتكلفة أقل، فإنها تقلل من حجم الموارد التي يتم توجيهها سنويًا إلى فوائد وأعباء الدين، بما يتيح مساحة أكبر للإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية وبرامج الحماية الاجتماعية والاستثمارات العامة، ومن هنا تأتي أهمية الصكوك الضريبية المقترحة، باعتبارها محاولة لتنويع مصادر التمويل والاستفادة من السيولة المتاحة لدى مجتمع الأعمال، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض المصرفي أو إصدار أدوات دين جديدة بأسعار فائدة مرتفعة.
كل ما سبق، يعد أحد الحلول المهمة لتقليل نسبة الدين العام، لكن الحقيقة أن الحكومة امام تحدى مهم، وهو الحفاظ على الاتجاه النزولي للدين من خلال البحث عن حلول أخرى بديلة، خاصة في ظل استمرار تعرض الاقتصاد العالمي لتقلبات قد تؤثر على أسعار الفائدة وأسعار الطاقة وأسعار الصرف وتدفقات الاستثمار، لذلك فإن خفض الدين يحتاج إلى مجموعة متكاملة من السياسات، تشمل زيادة الإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخفض تكلفة الاقتراض، بالإضافة إلى إدارة أفضل لآجال الدين ومصادر التمويل، وهذا هو التحدى الذى يواجه الحكومة، وعليها أن تواصل دراسته، بحثاً دوماً عن حلول من خارج الصندوق.