حرب الوهم.. كيف تدير الجماعة الإرهابية حرب تزييف الذاكرة الوطنية وإثارة الرأي العام؟

السبت، 15 أغسطس 2026 06:58 م
حرب الوهم.. كيف تدير الجماعة الإرهابية حرب تزييف الذاكرة الوطنية وإثارة الرأي العام؟
محمد الشرقاوي

تفاصيل خطة الإغراق وإطالة عمر الشائعات لإجبار المتابعين على رؤية الأحداث من عدسة إخوانية واحد

الخطة تبدأ بالسطو على السردية وتحويلها إلى بركان شائعات تتلقفها اللجان الإلكترونية لصناعة إجماع وهمي

لجان الجماعة تصنف الأزمات وقودًا جاهزًا لمعركة سياسية لضرب الثقة بين المواطنين والدولة وصناعة الإحباط

في معركة تدور على الوعي قبل أن تدور على المواقف، تحاول جماعة الإخوان الإرهابية إعادة صياغة صورة الواقع المصري داخل عقول المواطنين، عبر ماكينة رقمية تعرف كيف تلتقط الأزمة، وتعيد إنتاجها، وتمنحها تفسيرًا سياسيًا، ثم تدفع بها إلى دوائر أوسع حتى تتحول الواقعة المحدودة إلى حالة عامة، والحادثة العابرة إلى دليل مزعوم على الانهيار.

وتتحرك هذه الماكينة وفق مسار محسوب يبدأ من صناعة الرسالة، ويمر عبر إعادة التدوير والتضخيم، وينتهي بصناعة انطباع جماعي يبدو أحيانًا أكبر من الحدث نفسه، فما بين خبر مبتور، صورة خارج سياقها، مقطع مجتزأ، عنوان صادم، حساب مجهول، ثم شبكة من الصفحات والمنصات تعيد نشر المادة ذاتها بصيغ مختلفة؛ لتمنحها قوة التكرار، وتخلق وهم الانتشار، وتدفع المتلقي إلى التعامل معها باعتبارها حقيقة متداولة لا تحتاج إلى كثير من التدقيق.

وتستغل الجماعة الإرهابية في هذه المعركة كل ما يلامس الحياة اليومية للمصريين؛ من الأسعار والخدمات والقرارات الاقتصادية إلى الحوادث والقضايا العامة، فتضع الأحداث في إطار واحد يعزز الغضب والقلق وفقدان الثقة.

وهنا يصبح الهدف أوسع من تمرير شائعة بعينها؛ إذ تتراكم الرسائل حتى تصنع حالة ذهنية ترى الأزمات منفصلةً عن سياقاتها، وتقرأ كل تطور باعتباره حلقة جديدة في رواية واحدة، بل هي حرب على إدراك الواقع نفسه، تسعى إلى إرباك البوصلة التي يفرّق بها المواطن بين المعلومة والتفسير، وبين النقد المشروع والتضليل، وبين الحقيقة والرواية التي يجري تصميمها لخدمة هدف سياسي.

 

كيف تصنع الجماعة الرواية الكاذبة؟

تبدأ معركة الإخوان عند اللحظة التي يقررون فيها كيف يجب أن يرى المواطن الحدث، لا ماذا حدث بالفعل، فالمعلومة بالنسبة إلى ماكينة الجماعة المتطرفة ليست نهاية القصة، وإنما خامتها الأولى؛ تُنتزع منها قطعة، ويُهمل السياق، وتُحمّل الواقعة معنى سياسيًا، ثم يعاد تقديمها للجمهور باعتبارها جزءًا من مشهد أكبر يستهدف ترسيخ صورة واحدة: دولة تفشل، ومؤسسات تعجز، ومجتمع يتجه إلى أزمة مفتوحة.

وهنا تعمل الجماعة المتطرفة على هندسة الرواية قبل نشرها، تختار الواقعة الأكثر قابلية لإثارة الغضب، ثم تصوغ لها عنوانًا يسبق التفاصيل، وتنتقي من الحدث ما يخدم الرسالة، بينما تترك ما قد يضعفها خارج الصورة، فقط أزمة محدودة تتحول إلى «انهيار»، قرار اقتصادي يصبح «دليلًا على الإفلاس»، مشكلة في قطاع خدمي تُقدم باعتبارها نتيجة حتمية لـ«فساد الإدارة»، وحادثة فردية تتحول إلى نموذج لما تسميه الجماعة المتطرفة «حالة عامة»، وبهذه الطريقة يجري نقل المواطن من متابعة حدث محدد إلى تبني حكم شامل دون أن يشعر باللحظة التي حدث فيها هذا الانتقال.

وتزداد خطورة الاستراتيجية عندما يتم ربط وقائع لا علاقة سببية مباشرة بينها داخل قصة واحدة. فبدل أن يتعامل الجمهور مع ارتفاع الأسعار أو أزمة خدمات أو قرار حكومي أو حادث اجتماعي باعتبارها ملفات منفصلة لكل منها أسبابه وسياقه، يجري وضعها في سلة واحدة ثم تقديمها كأدلة متتابعة على الرواية نفسها.

ومع تكرار الربط، يبدأ العقل في استقبال الأحداث الجديدة باعتبارها تأكيدًا لما سبق، حتى لو لم تكن هناك علاقة حقيقية بينها؛ وهكذا تصنع الجماعة المتطرفة ما يشبه «السلسلة السردية»؛ كل واقعة جديدة لا تُناقش بذاتها، وإنما تُستخدم لتقوية الوقائع السابقة.

ولا تحتاج هذه العملية دائمًا إلى اختلاق خبر من الصفر، فأخطر أدوات التضليل هي «الحقيقة المنقوصة»؛ رقم صحيح يوضع بلا سياق، تصريح حقيقي يُقتطع من بدايته أو نهايته، صورة أصلية تُرفق بحدث مختلف، فيديو قديم يعاد تقديمه باعتباره حديثًا، أو معلومة صحيحة يجري تحميلها استنتاجًا لا تقوله أصلًا، وفي جميع هذه الحالات يكون مدخل التضليل قائمًا على حقيقة جزئية، وهو ما يمنح الرسالة قدرة أكبر على الانتشار ويجعل اكتشاف التلاعب أكثر صعوبة.

وتعتمد هندسة الرواية كذلك على تعدد الواجهات، فالرسالة قد تظهر أولًا في منصة إخوانية، ثم يعاد إنتاجها في صفحات سياسية، وحسابات مجهولة، ومقاطع قصيرة، ومنشورات غاضبة، لتعود في مرحلة لاحقة باعتبارها «معلومة متداولة»، ففي 2020 أعلنت شركة «ميتا» إزالة شبكة من الحسابات والصفحات قالت إنها مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، واستخدمت سلوكًا زائفًا منسقًا لاستهداف النقاش العام في مصر ودول أخرى، بما يؤكد أن توظيف البنية الرقمية لم يعد نشاطًا عشوائيًا، وإنما يمكن أن يأخذ شكل عمليات منظمة تستهدف التأثير في الجمهور.

والهدف النهائي من هذه الهندسة ليس إقناع المواطن بتفصيلة واحدة، بل إجباره على رؤية الواقع من خلال عدسة واحدة، فعندما تتكرر الرواية نفسها عبر وقائع مختلفة، تتحول من مجرد محتوى متداول إلى إطار ذهني جاهز، يستقبل من خلاله المواطن الحدث الجديد، وعندها لا تحتاج الجماعة المتطرفة إلى صناعة قصة جديدة كل مرة؛ يكفيها أن تضيف واقعة جديدة إلى القصة القديمة، لتواصل بناء واقع موازٍ يتشكل بالتراكم، ويصبح تفكيكه أكثر صعوبة كلما طال بقاؤه في المجال العام.

 

استراتيجية التكرار والتضخيم

بعد صناعة الرواية، تبدأ معركة أخرى لا تقل خطورة: دفعها إلى أكبر مساحة ممكنة داخل المجال العام، وإبقاؤها حاضرة لأطول فترة ممكنة، حتى يتجاوز تأثيرها مضمونها الأصلي، وهنا يصبح التكرار أداة مستقلة للتأثير؛ فالمعلومة لا تحتاج إلى تقديم أدلة جديدة عليها في كل مرة، بل تحتاج إلى الظهور المستمر حتى تصبح مألوفة لدى الجمهور.

وتقوم هذه الاستراتيجية على "إغراق" النقاش العام بالرسالة نفسها خلال فترة زمنية قصيرة أو على مراحل متتابعة، بحيث يصعب على المستخدم تجاهلها، وقد تظهر الفكرة نفسها عشرات المرات في يوم واحد، ثم تختفي مؤقتًا، قبل أن تعود مع أزمة جديدة أو مناسبة سياسية أو واقعة اجتماعية، فتستعيد حضورها من جديد، وبهذا يتحول الانتشار من عملية عفوية إلى إدارة مستمرة لعمر الرسالة داخل المنصات الرقمية.

ويؤدي هذا التكرار إلى صناعة ما يمكن تسميته «الأهمية الوهمية»؛ فالموضوع الذي يحتل مساحة كبيرة من النقاش يبدو للمستخدم أكثر أهمية وخطورة من حجمه الحقيقي، فكثافة التداول تصبح في حد ذاتها مؤشرًا نفسيًا على أهمية الخبر، بصرف النظر عن مصدره أو دقته، وهنا تنجح ماكينة التضليل الإخوانية في نقل الجمهور من سؤال «هل المعلومة صحيحة؟» إلى سؤال مختلف: «لماذا يتحدث الجميع عن هذا الأمر»؟

وتستفيد هذه العملية من طبيعة المنصات الرقمية التي تكافئ المحتوى القادر على جذب التفاعل، فالرسائل المثيرة للغضب أو الخوف أو الصدمة تملك فرصًا أكبر في الانتشار من المحتوى الهادئ الذي يحتاج إلى قراءة وتدقيق، ومع كل تعليق أو مشاركة أو جدل جديد تحصل الرسالة على فرصة إضافية للظهور أمام مستخدمين آخرين، وهنا يتحول التفاعل نفسه إلى وقود لإعادة انتشار المحتوى، حتى عندما يكون معظم هذا التفاعل رافضًا له أو ساخرًا منه.

وتظهر هنا وظيفة أخرى للتضخيم، تتمثل في صناعة وهم الإجماع، فعندما يرى المستخدم آلاف التفاعلات حول ادعاء معين، قد يتشكل لديه انطباع بأن هذا الادعاء يعبر عن اتجاه واسع داخل المجتمع، ولا يشترط أن يكون هذا الانتشار حقيقيًا على هذا النحو؛ إذ يمكن لشبكات مترابطة من الحسابات والصفحات أن تمنح موضوعًا محددًا حضورًا يفوق حجمه الطبيعي.

كما تعتمد استراتيجية التضخيم على إطالة عمر الشائعة، فبدل أن تنتهي الرسالة بمجرد كشف عدم صحتها، يعاد فتحها في توقيت جديد، أو ربطها بواقعة لاحقة، أو طرحها في صورة سؤال جديد، وبهذا تنتقل الشائعة من دورة انتشار واحدة إلى دورات متكررة، بحيث يصبح نفيها الأول جزءًا من تاريخها، ثم يعاد استخدامها باعتباره دليلًا على أن «الموضوع ما زال مثارًا للجدل»، وهذه الآلية تمنح الرسالة قدرة على البقاء حتى بعد سقوط مضمونها الأصلي.

والأكثر خطورة أن زخم التداول قد يسبق عملية التحقق بأيام، فالمحتوى المضلل ينتشر في دقائق، بينما يحتاج التصحيح إلى جمع المعلومات، والتحقق من المصادر، وشرح السياق، ثم الوصول إلى الجمهور نفسه، ومع كل ساعة تمر قبل التصحيح، تكون الشائعة قد قطعت مسافة جديدة داخل المجال العام، وانتقلت من شاشة الهاتف إلى النقاشات الخاصة، ومن وسائل التواصل إلى الأحاديث اليومية.

وهكذا لا يكون الهدف من التكرار أن يقتنع الجميع بالكذبة، وإنما أن تصبح الكذبة جزءًا من البيئة المعلوماتية المحيطة بالمواطن، ويكفي أن تصبح مألوفة، وحاضرة، وقابلة للاستدعاء عند كل أزمة، حتى تنجح في أداء وظيفتها. فعندما تصبح الشائعة من أكثر الموضوعات تداولًا، يتحول انتشارها ذاته إلى جزء من قوتها؛ ويصبح حضورها في الوعي العام أكبر من قدرتها على الصمود أمام التحقق.

 

استغلال الأزمات وتزييف الوعي

تجد جماعة الإخوان الإرهابية في كل أزمة مساحة جديدة للضرب، لا لأنها تصنع الأزمات في أصلها، وإنما لأنها تتعامل معها باعتبارها وقودًا جاهزًا لمعركة سياسية تستهدف الدولة المصرية، فارتفاع الأسعار، أو تعثر خدمة، أو قرار اقتصادي صعب، أو حادث مؤسف، يصبح بالنسبة إلى خطاب الجماعة أكثر من واقعة تحتاج إلى معالجة؛ يتحول إلى فرصة لإعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة، ودفعه إلى النظر إلى أي مشكلة باعتبارها دليلًا على فشل شامل لا استثناء فيه.

وتعمل الجماعة هنا على تغيير طبيعة الأزمة داخل وعي الجمهور، فالواقعة التي لها أسباب اقتصادية أو إدارية أو دولية متعددة، يجري اختزالها في سبب واحد شديد البساطة: «الدولة فشلت»، والقرار الذي اتخذته الحكومة في سياق ضغوط أو تحديات محددة، يجري تجريده من أسبابه ونتائجه المحتملة، ثم تقديمه بوصفه اعترافًا بالعجز، أما الأزمات الخدمية، مهما كانت محدودة أو قابلة للحل، فتُسحب من نطاقها الزمني والجغرافي لتقدم باعتبارها انعكاسًا لطبيعة النظام كله.

وهنا تنتقل الجماعة من استثمار الأزمة إلى احتكار تفسيرها. فالإخوان لا ينافسون الدولة فقط على إدارة الأزمة، وإنما يحاولون انتزاع حق تفسيرها من الأساس، يريدون أن يحددوا للمواطن ماذا يرى في المشهد، ومن المسؤول عنه، وما الذي يجب أن يستنتجه، وحين يترسخ التفسير الإخواني، تصبح كل معلومة لاحقة مجرد مادة لتأكيده، حتى لو كانت تدل في الواقع على تحسن جزئي أو معالجة تدريجية للأزمة.

وتزداد خطورة هذا الأسلوب عندما يجري توسيع نطاق الأزمة زمنيًا ونفسيًا. حادثة وقعت بالأمس تُعاد إلى الواجهة بعد أسابيع، وقرار انتهى أثره يتحول إلى عنوان دائم، ومشكلة في قطاع محدد تقدم باعتبارها عنوانًا لحياة المصريين كلها، وبهذا لا تعود الأزمة حدثًا له بداية ونهاية، وإنما تتحول إلى حالة ذهنية مستمرة، يعيش المواطن داخلها تحت إحساس بأن الأزمات تتكاثر بلا توقف وأن المستقبل لا يحمل سوى المزيد منها.

وتستغل الجماعة الإرهابية أيضًا أكثر لحظات المجتمع حساسية؛ اللحظة التي يكون فيها المواطن غاضبًا من ارتفاع تكلفة المعيشة، أو قلقًا على دخله، أو متوترًا بسبب خدمة أساسية، ففي هذه اللحظة لا تحتاج الرسالة الإخوانية إلى صناعة غضب جديد، بل تحتاج إلى توجيه الغضب الموجود أصلًا نحو نتيجة سياسية محددة، ويتحول الاحتجاج الطبيعي على مشكلة إلى رفض شامل، ويتحول السؤال عن الحل إلى حكم على الدولة، وتتحول المعاناة الفردية إلى شهادة مزعومة على انهيار المنظومة بأكملها.

والأخطر أن الجماعة الإرهابية تعمل على جمع الأزمات في ملف واحد. أسعار، خدمات، بطالة، حوادث، قرارات اقتصادية، ملفات خارجية؛ ثم تقدمها في صورة متوالية واحدة، بحيث لا يرى المواطن كل مشكلة بأسبابها وحدودها، وإنما يرى لوحة سوداء متكاملة صممت لإنتاج استنتاج مسبق: «كل شيء ينهار»، وفي هذه اللحظة تحديدًا تنجح الجماعة في الانتقال من استغلال الحدث إلى إعادة تشكيل إدراك الواقع الاجتماعي نفسه.

ويخدم هذا الأسلوب هدفًا سياسيًا واضحًا: تحويل أي إنجاز إلى استثناء، وأي أزمة إلى قاعدة، فإذا حدث تحسن في قطاع، جرى تجاهله أو وصفه بأنه مؤقت، بينما تمنح الأزمة تغطية أكبر ومساحة أوسع واستمرارًا أطول، وإذا أعلنت الدولة إجراءات للمواجهة، يتحول النقاش سريعًا من مضمون الإجراء إلى التشكيك في دوافعه، ثم إلى توقع نتائج كارثية منه قبل ظهورها، وبذلك تصبح الأزمة، في الخطاب الإخواني، قضية لا يمكن للدولة أن تربحها حتى عندما تتدخل لمعالجتها.

وتكشف هذه الاستراتيجية أن جماعة الإخوان الإرهابية لا تحتاج إلى انتظار أزمة مثالية لتخوض معركة ضد الدولة؛ كلما وُجدت مشكلة حقيقية، وجدت الجماعة مادة جاهزة لإعادة توظيفها سياسيًا، ومن هنا تتحول معاناة المواطن، التي يفترض أن تكون محل نقاش وحلول، إلى أداة في يد جماعة انتهازية تسعى إلى تحويل الغضب الاجتماعي إلى رأس مال سياسي، وإلى استخدام المشكلات اليومية في بناء صورة ذهنية عن مصر تقوم على الفشل الدائم والعجز المستمر وانسداد الأفق.

وعندما تنجح هذه المعادلة، تصبح الأزمة أكبر من حجمها الحقيقي؛ ليس بسبب تداعياتها المباشرة، وإنما بسبب الرواية التي تحيط بها، فالمشكلة تنتهي، لكن الصورة التي صنعتها الجماعة عنها تبقى، وتنتقل من أزمة مؤقتة إلى قناعة مستقرة، ومن واقعة محددة إلى حكم شامل على الدولة، وهنا تبلغ معركة تزييف الوعي واحدة من أخطر مراحلها: حين يُستخدم وجع المواطن الحقيقي لبناء حقيقة سياسية زائفة.

 

التلاعب بالعاطفة قبل المعلومة

تدرك جماعة الإخوان الإرهابية أن الوصول إلى عقل المواطن يمر في أحيان كثيرة عبر مشاعره أولًا، ولذلك لا تتعامل مع المحتوى باعتباره مجرد حامل للمعلومات، وإنما باعتباره أداة لتوجيه الحالة النفسية للجمهور، وفي هذه المعركة يصبح الغضب أهم من الحقيقة، والخوف أسرع من التحقق، والإحباط أكثر تأثيرًا من التفاصيل؛ لأن المتلقي المنفعل يكون أكثر استعدادًا لقبول الرسالة التي توافق مشاعره، وأقل ميلًا إلى التوقف لفحص مصادرها وسياقها.

ولهذا تبني المنظومة الدعائية المرتبطة بالجماعة خطابها على مفردات تستهدف الأعصاب مباشرة: «كارثة»، «انهيار»، «صدمة»، «خطر»، «مأساة»، «المصريين يدفعون الثمن»، مجرد كلمات قليلة تكفي لتحويل واقعة عادية أو مشكلة محدودة إلى محتوى شديد الاستثارة، ثم تأتي الصور والفيديوهات لتمنح الانفعال دليلًا بصريًا يبدو أكثر إقناعًا من النص، حتى عندما تكون الصورة قديمة، أو من مكان آخر، أو مقتطعة من سياق مختلف.

وتكتسب الصورة هنا قوة خاصة لأنها تسبق عملية التفكير. فمشهد الازدحام، أو طوابير المواطنين، أو منزل متضرر، أو طفل يبكي، أو رفوف متجر فارغة، يمكن أن يثير استجابة عاطفية فورية قبل أن يسأل المتلقي: متى التقطت الصورة؟ وأين؟ وما سبب الواقعة؟ وهل تعكس الحالة العامة فعلًا أم حالة فردية؟ وفي البيئة الرقمية، قد يكون الانطباع الأول هو الانطباع الأكثر رسوخًا، بينما يأتي التصحيح لاحقًا بعد أن يكون المحتوى قد أدى مهمته النفسية.

وتعرف الدعاية الإخوانية كذلك كيف تحول الفرد إلى طرف داخل القصة، فبدل أن تخاطب المواطن باعتباره متابعًا لحدث سياسي، تخاطبه باعتباره شخصًا مهددًا في رزقه أو أسرته أو مستقبله، وترتبط الأزمة المادية بحياته اليومية، والخبر الأمني بخوفه على الاستقرار، والقرار الحكومي بمصروفات منزله، ثم تقدم كل هذه العناصر في رسالة واحدة تقول له بصورة ضمنية: ما يحدث حولك يستهدفك أنت، وهنا يصبح التفاعل مع الرسالة شخصيًا، ويتراجع المجال أمام القراءة الهادئة والتحليل الموضوعي.

وتستخدم الجماعة أيضًا السخرية والإهانة والتشفي كأدوات للتأثير. فالمحتوى الساخر لا يقدم دائمًا معلومة، لكنه يزرع صورة ذهنية ويمنح الجمهور إطارًا عاطفيًا للحكم على الأشخاص والمؤسسات، ومع تكرار السخرية يتحول المسؤول أو المؤسسة إلى شخصية كاريكاتورية في وعي المتلقي، بحيث يصبح أي تصريح لاحق عرضة للرفض قبل مناقشة مضمونه، وبذلك تنتقل المعركة من تقييم الأداء إلى إسقاط الهيبة والثقة.

أما أخطر مستويات هذه الاستراتيجية فيتمثل في صناعة الخوف من المستقبل، فبدل الاكتفاء بوصف مشكلة قائمة، يجري تقديمها باعتبارها بداية لسلسلة من الكوارث المقبلة: ارتفاع جديد، أزمة أكبر، نقص محتمل، انفجار اجتماعي، أو انهيار اقتصادي، ولا يكون المطلوب هنا إثبات ما سيحدث، وإنما دفع المواطن إلى توقع الأسوأ، وحين يعيش الجمهور تحت ضغط التوقع الدائم للخطر، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي معلومة تؤكد مخاوفه.

وتؤدي هذه العملية في النهاية إلى ما هو أخطر من تصديق شائعة بعينها: تكوين مزاج عام غاضب ومتشائم وفاقد للثقة، فحين يعتاد المواطن استقبال الأخبار من خلال صور الصدمة ولغة الكارثة، يبدأ في قراءة الوقائع الجديدة من داخل الحالة النفسية التي جرى بناؤها مسبقًا، ويصبح الخبر الذي كان يمكن أن يثير سؤالًا، سببًا جديدًا للغضب؛ والقرار الذي يحتاج إلى تفسير، مناسبة جديدة للشك؛ والأزمة التي تحتاج إلى حل، دليلًا إضافيًا على أن «الأمور تسير إلى الأسوأ».

وهنا تتكشف وظيفة التلاعب بالعاطفة في استراتيجية الإخوان: لا يشترط أن يقتنع المواطن بكل رواية، يكفي أن يصبح غاضبًا بما يكفي لرفضها، وخائفًا بما يكفي لتصديقها، ومحبطًا بما يكفي ليتوقف عن البحث عن الحقيقة أصلًا، وفي هذه النقطة تحديدًا تتحول المعركة من نشر معلومات مضللة إلى هندسة الحالة النفسية للمجتمع، لأن الجمهور الذي فقد توازنه العاطفي يصبح أكثر قابلية لأن تقوده الروايات الأكثر إثارة، لا المعلومات الأكثر دقة.

 

ضرب الثقة في الحقيقة نفسها

هنا تصل ماكينة الإخوان إلى أخطر نقطة في معركة تزييف الوعي: لم تعد تريد من المواطن أن يصدقها، وإنما تريد أن تمنعه من تصديق أي شيء آخر، فحين تسقط الثقة في مصادر المعرفة، تصبح الحقيقة نفسها عاجزة عن الوصول إلى الجمهور، وتتحول الساحة إلى مجال مفتوح تتساوى فيه الوثيقة مع المنشور المجهول، والتصريح الموثق مع الادعاء، والمعلومة مع الشائعة.

وهذه هي النقلة الأخطر في استراتيجية الجماعة؛ لأن الشائعة يمكن تفكيكها، والمقطع المفبرك يمكن كشفه، والصورة القديمة يمكن تحديد تاريخها، لكن ماذا يحدث عندما يقتنع المواطن بأن كل ما أمامه قابل للكذب؟ عندها يفقد التحقق قيمته، ويصبح الكشف عن التضليل أقل تأثيرًا من التضليل نفسه؛ فالمشكلة لم تعد في أن هناك رواية كاذبة، وإنما في أن الجمهور لم يعد يملك معيارًا واضحًا يثق به للحكم بين الروايات المتنافسة.

وتسعى الجماعة إلى تكريس هذه الفوضى عبر إغراق المجال العام بروايات متناقضة، ودفع النقاش من سؤال «أين الدليل؟» إلى سؤال «من يدعي أنه يمتلك الحقيقة؟»، وبذلك يجري نقل المعركة من ميدان الحقائق إلى ميدان الشك، فإذا ظهرت معلومة موثقة، خرجت رواية مضادة؛ وإذا صدر توضيح رسمي، ظهرت عشرات التأويلات حول دوافعه؛ وإذا ثبت خطأ إحدى الشائعات، جرى الانتقال فورًا إلى شائعة أخرى قبل أن يستعيد الجمهور توازنه.

وهكذا تتحول كثرة الروايات إلى سلاح في حد ذاتها. فالجمهور الذي يواجه عشرات التفسيرات للحدث الواحد قد لا يقتنع بأي منها، وهذه النتيجة تخدم ماكينة التضليل أكثر مما يبدو؛ لأن عدم التصديق لا يعني الحياد، بل قد يتحول إلى غضب وشك ورفض عام لكل ما يصدر عن المؤسسات والمصادر التقليدية.

وتعتمد الجماعة كذلك على استثمار الأخطاء الحقيقية، مهما كانت محدودة، وتحويلها إلى أحكام شاملة. تصريح غير دقيق، تأخر في معلومة، خطأ إعلامي أو تناقض في التفسير؛ كلها وقائع يمكن تصحيحها ومراجعتها، لكن ماكينة التضليل تعيد تقديمها باعتبارها دليلًا على أن المنظومة كلها تكذب، ومن خطأ محدد تُبنى إدانة عامة، ومن واقعة جزئية تُصنع قناعة بأن «كل شيء مخفي»، وأن «الحقيقة دائمًا وراءها شيء آخر».

وهنا يظهر أحد أخطر أسلحة الجماعة: خلط النقد بالتشكيك، والتشكيك بالاتهام، والاتهام بالتضليل، فالنقد المشروع لأداء الدولة يصبح مدخلًا لخطاب يسعى إلى هدم الثقة في الدولة نفسها، والتحقق من معلومة مجهولة المصدر يُصور باعتباره محاولة لإسكاتها، وتصحيح شائعة يتحول إلى «دليل» جديد على وجود ما يريدون إخفاءه، وبذلك تُغلق دائرة التضليل على نفسها: كل محاولة لكشف الكذب يمكن إعادة تفسيرها باعتبارها دليلًا على صحة الكذب.

ومع الوقت، يجري دفع المواطن إلى منطقة رمادية خطيرة، لا يثق فيها بالكامل بما يراه، ولا بما يسمعه، ولا بما تنقله وسائل الإعلام، ولا بما تقدمه المصادر الرسمية، لكنه في المقابل لا يملك أدوات بديلة للتحقق، وهنا يصبح الأكثر إثارة هو الأكثر قابلية للتصديق؛ لأن المتلقي الذي فقد الثقة في المصدر يبحث عن الإحساس، وعن الرواية التي تفسر له غضبه، لا عن الوثيقة التي تختبر ادعاءها.

إنها المرحلة التي تتحول فيها معركة الإخوان من صناعة الأكذوبة إلى صناعة بيئة مناسبة للأكاذيب، فالجماعة الإرهابية لا تحتاج إلى السيطرة على كل المنصات ولا إلى إقناع كل المصريين برواية واحدة؛ يكفيها أن تدفع جزءًا من الجمهور إلى الاعتقاد بأن الحقيقة مستحيلة، وأن كل طرف يخفي شيئًا، وأن كل رواية لها نقيضها، وأن لا أحد يمكن الوثوق به.

وعندما يصل المجتمع إلى هذه الحالة، يصبح المواطن أمام أخطر معادلة في الحرب على الوعي: قد لا يصدق الإخوان، لكنه أيضًا لا يصدق الدولة؛ وقد لا يقتنع بالشائعة، لكنه لا يملك ثقة كافية لرفضها، وهذه المنطقة تحديدًا هي الهدف الأثمن لماكينة التضليل؛ لأنها تفرغ الحقيقة من قوتها قبل أن تصل إلى الجمهور.

لهذا لا تتمثل الغاية النهائية في أن يخرج المصري مقتنعًا بأن «رواية الإخوان هي الحقيقة»، وإنما أن يخرج مقتنعًا بأن الحقيقة نفسها غير موجودة، وأن الجميع يكذب، وأن الشائعة ربما تكون صحيحة مثلها مثل أي معلومة أخرى، عند هذه النقطة تنتصر ماكينة التضليل حتى دون أن تربح روايتها؛ لأن المجتمع الذي يفقد ثقته في معايير الحقيقة يصبح ساحة مفتوحة لمن يملك القدرة على رفع صوته، وتكرار رسالته، واستثمار خوفه وغضبه.

وهنا تصبح المعركة أخطر من مجرد حرب شائعات، إنها محاولة لهدم البوصلة التي يميز بها المجتمع بين الحقيقة والوهم؛ فإذا سقطت البوصلة، لم تعد المشكلة في الاتجاه الذي تقود إليه الرواية الإخوانية، وإنما في أن الطريق كله أصبح مفتوحًا أمام التضليل.

 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة