من رأس الحكمة إلى علم الروم.. «الساحل» في قبضة التنمية.. وحقوق المصريين أولًا

السبت، 15 أغسطس 2026 08:20 م
من رأس الحكمة إلى علم الروم.. «الساحل» في قبضة التنمية.. وحقوق المصريين أولًا
محمد فزاع

قواعد واضحة لاستخدام الشواطئ بتوجيهات رئاسية تواكب أكبر موجة استثمار على البحر المتوسط

لجنة رئاسية لضمان حرية نفاذ المواطنين إلى البحر.. وحظر إقامة أي منشآت أو أعمال لمسافة 200 متر من خط الشاطئ

 

لم يعد الساحل الشمالي الغربي مجرد شريط ساحلي يرتبط في أذهان المصريين بموسم الصيف، أو مجموعة من القرى والمنتجعات التي تنشط خلال شهور محددة من العام، ثم تهدأ الحركة فيها مع انتهاء الموسم، فالمشهد الذي يتشكل اليوم على امتداد الساحل، من العلمين الجديدة إلى رأس الحكمة ومرسى مطروح، يقول إن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة تمامًا، تتحول فيها الأرض الممتدة على البحر المتوسط إلى مركز متكامل للسكن والسياحة والاستثمار والصناعة والخدمات والنقل.

وفي خضم الطفرة الاستثمارية، تأتي التوجيهات الرئاسية بشأن ضمان حقوق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ لتضع إطارًا واضحًا للعلاقة بين الاستثمار والحق العام، فقد جرى التأكيد على الالتزام بالقوانين والتشريعات والقرارات المنظمة لاستغلال الأراضي المخصصة للأنشطة السياحية المطلة على الشواطئ، وتشكيل لجنة من أجهزة الدولة المعنية للتفقد الميداني وضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ وفق الضوابط، مع حظر إقامة منشآت أو أعمال لمسافة 200 متر من خط الشاطئ دون الحصول على الموافقات المسبقة من الجهات المختصة.

يوم الاثنين الماضى، اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمدينة العلمين الجديدة، مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وأحمد كجوك وزير المالية، وخلال الاجتماع شدد الرئيس على ضرورة الالتزام بالتنفيذ الصارم للقوانين والتشريعات والقرارات الجمهورية ذات الصلة باستغلال الأراضي المخصصة للأنشطة السياحية المطلة على الشواطئ المصرية، حيث وجه الرئيس السيسى، بالتشكيل الفوري للجنة من أجهزة الدولة المعنية تقوم بتفقد الوضع على الأرض لضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ وفقًا للضوابط ذات الصلة، وحظر إقامة أي منشآت أو أعمال لمسافة 200 متر من خط الشاطئ، وذلك دون الحصول على موافقة مسبقة من جهات الدولة المعنية.

كما وجه الرئيس السيسى بتشكيل لجنة تقوم بتفقد المشاريع العقارية المختلفةالجارية في كافة محافظات الجمهورية لضمان التأكد من تسليم الوحدات في المواعيد المحددة دون تأخير، واحترام العقود ذات الصلة المبرمة مع المشترين، وإتمام إنشاء البنية الأساسية الخاصة بالمشروعات، مع ضمان محاسبة المخالفين، واطلاع الرئيس على كل الإجراءات المتخذة في هذا الصدد بشكل دوري

وهذه النقطة مهمة في قراءة مستقبل الساحل، فالهدف ليس الاستثمار من أجل الاستثمار، وإنما بناء مناطق سياحية وعمرانية حديثة مع الحفاظ على القواعد المنظمة وحقوق المواطنين.

 

رأس الحكمة.. صفقة غيرت قواعد اللعبة

كانت صفقة رأس الحكمة في فبراير 2024 نقطة تحول فارقة في خريطة الاستثمار المصرية، بعدما أعلنت الحكومة المصرية توقيع أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ البلاد لتطوير المدينة بالشراكة مع الإمارات.

المشروع لا يتعامل مع رأس الحكمة باعتبارها منتجعًا سياحيًا جديدًا، وإنما يستهدف إنشاء مدينة كاملة، لتبلغ مساحة المشروع نحو 170 مليون متر مربع، وتضم المخططات مناطق سكنية وفنادق ومنتجعات ومناطق ترفيهية ومدارس وجامعات ومستشفيات ومبانٍ إدارية وخدمية، فضلًا عن منطقة حرة تشمل أنشطة تكنولوجية وصناعات خفيفة وخدمات لوجستية ومنطقة مركزية للأعمال، كما يتضمن المشروع مارينا دولية لليخوت والسفن السياحية، مع مخطط لإنشاء مطار دولي يخدم المدينة والمنطقة المحيطة بها.

والأهم اقتصاديًا أن الصفقة لا تقتصر على تدفق مالي أولي، فالاتفاق تضمن دخول استثمار أجنبي مباشر بقيمة 35 مليار دولار، إلى جانب حصة الدولة المصرية البالغة 35% من صافي أرباح المشروع، فضلًا عن توقعات بضخ استثمارات تصل إلى 150 مليار دولار خلال فترة التطوير.

وهنا تظهر أهمية رأس الحكمة باعتبارها أكثر من مشروع عقاري، فهي جزء من رؤية أوسع لإعادة توزيع التنمية على مستوى الجمهورية، والاستفادة من الأصول والأراضي غير المستغلة، وجذب رأس المال الأجنبي والشراكات مع القطاع الخاص.

 

مشروع علم الروم

وفي علم الروم، تتكرر الفكرة ولكن بحجم جديد، فالمشروع الذي دخل مرحلة التنفيذ بالشراكة مع شركة الديار القطرية يستهدف منه أن يكون مجتمعًا عمرانيًا واقتصاديًا متكاملًا، يعتمد على السياحة والإقامة والخدمات والأنشطة التجارية والترفيهية.

ويستهدف المشروع إقامة مدينة ساحلية متكاملة لا تغلق أبوابها بانتهاء الصيف، وإنما تعمل طوال العام، وتجمع بين المكونات السكنية والسياحية والتجارية والثقافية والترفيهية والتعليمية والصحية، على مساحة إجمالية تبلغ نحو 20.58 مليون متر مربع، بواجهة بحرية وممشى يصل طوله إلى 7.2 كيلومتر.

وتبلغ مساحة المرحلة الأولى نحو 4 ملايين متر مربع، بإجمالي مساحات بناء تصل إلى 1.4 مليون متر مربع، مع تخصيص نحو 85% من مساحة المرحلة للمساحات المفتوحة.

وتضم المرحلة الأولى أربعة فنادق بأكثر من ألف غرفة، ومرسى لليخوت يستوعب 50 مرسى، ومراكز رياضية ومطاعم ومحال تجارية، مع استهداف توفير نحو 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

أما عند اكتمال المشروع بالكامل، فمن المستهدف توفير أكثر من 250 ألف فرصة عمل، وإنشاء مرسى دولي بطاقة 370 مرسى، ومرسى محلي بطاقة 120 مرسى، وملعب جولف عالمي، وأكثر من 3500 غرفة فندقية.

 

العلمين الجديدة.. نموذج مدينة تعمل طوال العام

إذا كانت رأس الحكمة وعلم الروم تمثلان مستقبل الاستثمارات الكبرى على الساحل، فإن العلمين الجديدة تقدم النموذج الأكثر وضوحًا لما تعنيه فكرة «الساحل الذي يعمل طوال العام"، فالمدينة لم تُبنَ باعتبارها قرية سياحية، وإنما كمدينة متكاملة تضم السكن والخدمات والجامعات والمناطق التجارية والسياحية والترفيهية، وأصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزًا يجذب الفعاليات والاستثمارات والزائرين.

وتتسع الصورة لتشمل منطقة مارينا، حيث تستمر أعمال التطوير في عدد من المشروعات، ومن بينها «مارينا 8» المقام على مساحة 179 فدانًا، ويضم 319 فيلا و608 شاليهات ووحدات، وقد وصلت نسبة الإنجاز في مناطق الشاليهات والفلل والعمارات إلى 91%.

كما وصلت نسبة الإنجاز في المرحلة الأولى من البحيرات الجنوبية في «نيو مارينا» إلى 96.7%، على مساحة 195.2 فدان، بينما يضم مشروع M8 By The Lake نحو 1420 وحدة.

 

ثقة في موقع الساحل المصري

اللافت في خريطة الساحل الجديدة هو حضور الاستثمارات العربية الكبرى، من الإمارات في رأس الحكمة، إلى قطر في علم الروم، إلى مشروعات وشراكات أخرى على امتداد المنطقة.

ولا تأتي هذه الاستثمارات منفصلة عن البنية الأساسية التي جرى تنفيذها خلال السنوات الماضية، فالمستثمر لا يبحث فقط عن قطعة أرض ذات واجهة بحرية، وإنما يحتاج إلى طريق ومطار وكهرباء ومياه واتصالات ومستشفيات وخدمات ونظام نقل، ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الإنفاق على البنية الأساسية وجذب الاستثمارات، فكل طريق جديد ومحطة كهرباء ومحطة تحلية وميناء ووسيلة نقل حديثة ترفع قدرة المنطقة على استقبال استثمارات أكبر وتشغيلها بكفاءة.

 

الساحل يدخل عصر النقل الحديث

ومن أهم المشروعات التي تعكس هذا التحول محطة القطار الكهربائي السريع بمطروح، باعتبارها إحدى المحطات الطرفية للخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع، ويمتد الخط لنحو 660 كيلومترًا، رابطًا السخنة بالإسكندرية والعلمين ومطروح، بما يخدم حركة الركاب والبضائع ويربط المناطق الصناعية والعمرانية والسياحية.

وتقام محطة مطروح على مساحة إجمالية تقارب 367 ألف متر مربع، وتضم ساحات انتظار تستوعب 896 سيارة و52 أتوبيسًا و20 سيارة لخدمة ذوي الهمم، كما تضم المحطة أربعة أرصفة تخدم ثلاثة مسارات وستة سكك، ويبلغ طول الرصيف 420 مترًا، إلى جانب مناطق تجارية واستثمارية.

وهنا يتحول الساحل من منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على السيارات الخاصة إلى منطقة مرتبطة بشبكة نقل جماعي حديثة قادرة على نقل أعداد كبيرة من المواطنين والسائحين والبضائع.

 

المياه.. المعركة التي تسبق العمران

لا يمكن بناء مدن جديدة على الساحل من دون تأمين مصدر مستدام للمياه، وهو ما يفسر التوسع الكبير في محطات تحلية مياه البحر، كجزءً أساسي من البنية الاقتصادية للساحل، وليست مجرد خدمة للمصطافين.

وفي مجمع محطات الرميلة بمطروح، تصل الطاقة الإجمالية إلى 125 ألف متر مكعب يوميًا، موزعة بين الرميلة 1 و2 بطاقة 48 ألف متر مكعب يوميًا، والرميلة 3 بطاقة 12 ألف متر مكعب، والرميلة 4 بطاقة 65 ألف متر مكعب يوميًا، مع إمكانية زيادة الطاقة مستقبلًا.

أما على مستوى الساحل الشمالي الغربي، فتستهدف خطط الدولة الوصول بإجمالي الطاقة من مشروعات تحلية مياه البحر القائمة والجاري تنفيذها إلى نحو 920 ألف متر مكعب يوميًا بنهاية المشروعات، منها 354 ألف متر مكعب يوميًا من المحطات القائمة و566 ألف متر مكعب يوميًا من المحطات الجاري تنفيذها.

وتكشف الخطة الاستراتيجية الأبعد مدى عن حجم الطموح، إذ تستهدف مطروح حتى عام 2050 تنفيذ 10 محطات لتحلية مياه البحر بطاقة إجمالية تصل إلى نحو 1.813 مليون متر مكعب يوميًا.

 

تجهيز الساحل لاستقبال الصناعات ومراكز البيانات

وبالتوازي مع المياه والنقل، يجري تدعيم شبكة الكهرباء، ومن المشروعات المهمة محطة محولات شرق مطروح بجهد 220/500 كيلو فولت وسعة 1850 ميجا فولت أمبير، وتؤدي المحطة دورًا في تفريغ قدرات محطة الضبعة النووية، إلى جانب دعم احتياجات المشروعات السياحية والقطار الكهربائي السريع والقطاع الصناعي ومراكز البيانات.

وهذا يعني أن التخطيط للساحل لا يتوقف عند السياحة والعقارات، بل يمتد إلى قطاعات إنتاجية وخدمية جديدة يمكن أن تخلق مصادر دخل وفرص عمل أكثر استدامة.

 

من الاستثمار إلى الخدمات.. مستشفيات ومدن ذكية

التحول العمراني لا يكتمل من دون خدمات اجتماعية، ولهذا تشهد مطروح تنفيذ 7 مشروعات صحية، تشمل مستشفيات رأس الحكمة ومطروح العام والعلمين الجديدة وسيوة والضبعة والحمام، إضافة إلى المدينة الطبية الدولية بالساحل الشمالي بطاقة مستهدفة تبلغ 3100 سرير.

وفي رأس الحكمة، جرى تطوير المستشفى المركزي ورفع كفاءته، لتصل طاقة العناية المركزة إلى 10 أسرّة، والقسم الداخلي إلى 20 سريرًا، مع إنشاء قسم حضانات بخمس حضانات وعناية للأطفال وغرفتي عمليات و9 عيادات خارجية وخدمات أشعة.

كما ظهرت فكرة جديدة للوصول بالخدمة الطبية من خلال وحدة قسطرة قلب متنقلة مجهزة للعمل داخل مركبة متخصصة، بما يسمح بخدمة المناطق المستهدفة والمواطنين والمصطافين.

وفي الوقت نفسه، يجري التخطيط لمجمع حكومي للخدمات الذكية ومجتمع حضري متكامل على مساحة تقارب 128 فدانًا، بما يعكس اتجاهًا نحو تحويل مطروح إلى مدينة تعتمد بصورة أكبر على الإدارة والخدمات الذكية.

 

الساحل ليس عقارات فقط

ومن أهم ملامح الصورة الجديدة أن التنمية لا تتوقف عند المنتجعات الفاخرة، ففي مرسى مطروح، تم تطوير كورنيش 30 يونيو وتوسعته إلى ثلاث حارات في كل اتجاه، مع إنشاء ممشى سياحي وتركيب 570 عمود إنارة و45 محلًا وكافتيريا.

كما جرى تطوير كوبري روميل بطول 28 مترًا وعرض 16 مترًا، ليضم أربع حارات وممشيين زجاجيين ومناطق للجلوس و20 منفذًا تجاريًا، مع تطوير المجرى المائي أسفله بما يسمح بحركة المراكب واليخوت الخفيفة.

وفي الميناء الشرقي، تستهدف أعمال التطوير زيادة أطوال الأرصفة من 90 مترًا إلى نحو 700 متر، بما يسمح باستيعاب 100 مركب صيد و100 يخت، مع إنشاء منطقة ترفيهية وخدمية متكاملة.

 

 من الساحل إلى الظهير.. خطة لا تتوقف عند البحر

وتكشف استراتيجية تطوير الساحل الشمالي الغربي حتى عام 2030 أن الرؤية لا تتعامل مع الشريط الساحلي بمعزل عن الظهير العمراني، فالخطة تقوم على تطوير المنطقة من خلال 6 قطاعات، بما يحقق التكامل بين المناطق الساحلية ومناطق الظهير، ويدعم التوسع العمراني والاستثماري، إلى جانب تعزيز محاور الحركة وربط المناطق الصناعية بالمدن الساحلية.

وبذلك يصبح البحر هو الواجهة، بينما يمثل الظهير العمراني والطرق والمرافق والصناعة والخدمات العمق الحقيقي للمشروع التنموي.

 

مطروح الجديدة.. اقتصاد يعمل 12 شهرًا

المعادلة النهائية التي تتشكل في الساحل الشمالي الغربي تبدو واضحة، الاستثمار السياحي يحتاج إلى بنية أساسية، والبنية الأساسية تجذب السكان والاستثمارات، والسكان يحتاجون إلى خدمات، والخدمات تخلق نشاطًا اقتصاديًا مستمرًا، والنشاط الاقتصادي يدعم بدوره السياحة والاستثمار.

من هنا تأتي أهمية مشروعات مثل رأس الحكمة وعلم الروم والعلمين ومراسي ومارينا، ليس باعتبارها مجموعة من المشروعات المنفصلة، وإنما باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة.

وعندما تضاف إلى ذلك مشروعات القطار الكهربائي السريع، ومحطات التحلية، وتطوير الموانئ، والمستشفيات، والمدينة الطبية، ومراكز الخدمات الذكية، فإن الصورة تتجاوز مفهوم «الساحل السياحي» إلى مفهوم أكثر اتساعًا "منطقة اقتصادية وعمرانية متكاملة على البحر المتوسط".

وهكذا، فإن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط على زيادة عدد القرى والمنتجعات، وإنما على تحويل الساحل الشمالي الغربي إلى منطقة تستقبل السكان والسائحين والاستثمارات طوال العام، وتخلق فرص عمل وتدعم الصناعة والخدمات والنقل والتجارة.

وفي هذه المعادلة، تصبح الأرقام هي العنوان الأوضح: مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية، ملايين الأمتار من مشروعات المدن الجديدة، مئات الآلاف من فرص العمل المستهدفة، مئات الآلاف من أمتار مكعبة المياه يوميًا من محطات التحلية، وشبكة نقل حديثة تربط الساحل بباقي الجمهورية.

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق