الذكاء الاصطناعي يدخل الخطاب السياسي للرئيس الأمريكى وإيران تقلب المعادلة.. من الدعاية التقليدية إلى "حرب الميمز "
الأحد، 16 أغسطس 2026 01:00 م
هانم التمساح
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تدور في ميادين القتال وحدها، بل انتقلت بقوة إلى الهواتف والشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث بات الذكاء الاصطناعي سلاحًا جديدًا في معركة موازية هدفها التأثير في الرأي العام، وصناعة الرواية، وإرباك الخصم، وتحويل الصور ومقاطع الفيديو إلى أدوات للدعاية السياسية.
ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية في 2026، شهد الفضاء الرقمي موجة غير مسبوقة من المقاطع والصور المصنوعة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي، بعضها يقدّم انتصارات عسكرية غير حقيقية، وبعضها الآخر يسخر من قادة الخصم أو يصور مشاهد لم تقع أصلًا. وحذرت تقارير صحفية وتحقيقات متخصصة من أن سرعة إنتاج هذه المواد وقدرتها على الانتشار جعلت التحقق من الحقيقة أكثر صعوبة.
ولم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيدًا عن هذا المشهد؛ إذ استخدم، خلال السنوات الأخيرة، الصور ومقاطع الفيديو المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي كجزء من خطابه السياسي والدعائي.
وفي أغسطس 2026، انتشرت أمثلة جديدة على استخدامه لمقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي في تقديم صورة رمزية ومبالغ فيها عن سياساته وشخصيته السياسية، بما في ذلك فيديو يصوره في قالب مستوحى من عالم "Game of Thrones» "
لكن اللافت أن ترامب نفسه أصبح في الوقت ذاته من أبرز المنتقدين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية الإيرانية. ففي مارس 2026، اتهم إيران باستخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره "سلاحًا للتضليل "، وقال إن مواد مزيفة تُستخدم لتصوير نجاحات إيرانية غير حقيقية في الحرب.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في "حرب الذكاء الاصطناعي " الأداة نفسها التي تمنح السياسي قدرة هائلة على صناعة صورة مؤثرة لجمهوره يمكن أن تتحول في يد الخصم إلى وسيلة للسخرية منه وتشويه روايته.
أما الجانب الإيراني، فقد اتجه بصورة واضحة إلى استخدام المحتوى الرقمي السريع، خصوصًا المقاطع القصيرة والرسوم الساخرة، لاستهداف ترامب وصناعة رواية مضادة للرواية الأمريكية.
ومن أبرز الظواهر التي لفتت الانتباه خلال الحرب مقاطع بأسلوب أفلام "ليجو " تصور ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مشاهد ساخرة، وتحمل رسائل سياسية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل.
و لم تكن هذه المقاطع مجرد نكات عابرة، بل تحولت إلى جزء من استراتيجية أوسع للحرب المعلوماتية، مستفيدة من فهم الثقافة السياسية الأمريكية ومن طبيعة خوارزميات منصات التواصل التي تكافئ المحتوى المثير والسريع والقابل لإعادة النشر.
و حققت بعض هذه المقاطع ملايين المشاهدات، ما جعلها تتجاوز جمهورها الأصلي وتصل إلى مستخدمين غربيين، بل وإلى محتجين ومؤثرين داخل الولايات المتحدة.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في السخرية السياسية، وإنما في استخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة مشاهد تبدو وكأنها توثيق حقيقي لأحداث الحرب.
فقد شهدت منصات التواصل تداول مقاطع تزعم تدمير مواقع إسرائيلية أو أمريكية، وصورًا لمواقع عسكرية مدمرة، ومشاهد لانفجارات وحرائق، قبل أن يتضح في حالات متعددة أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مأخوذة من أحداث قديمة أو من ألعاب فيديو.
وفي إحدى الحالات، جرى تداول فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي على أنه يُظهر اشتباكًا بين طائرة إيرانية وسفينة أمريكية، وحقق ملايين المشاهدات. كما انتشرت مقاطع قديمة من حروب أخرى باعتبارها مشاهد من المواجهة الإيرانية.
ولم يتوقف الأمر عند حسابات مجهولة ، إذ كشفت تقارير عن حالات تورط فيها حسابات وشخصيات ذات حضور عام في إعادة نشر مواد مضللة، ما ضاعف من سرعة انتشارها ومنحها قدرًا من المصداقية لدى قطاعات من الجمهور.
ترامب نفسه وقع فى فخ الذكاء الاصطناعى
وتكشف هذه الحرب الرقمية مفارقة أكثر خطورة حتى أصحاب القرار يمكن أن يقعوا في فخ المحتوى المزيف.فقد أُشير إلى حالة تداول مقطع مولد بالذكاء الاصطناعي يوحي بتعرض حاملة طائرات أمريكية لهجوم، وتداول ترامب المادة قبل أن يتم إبلاغه بأنها غير حقيقية وأن السفينة لم تكن قد تعرضت لذلك الضرر.
وهذه الواقعة، بصرف النظر عن تفاصيلها السياسية، تكشف مشكلة استراتيجية جديدة إذا أصبحت الصورة أو الفيديو قابلة للتزييف خلال دقائق، فإن سرعة انتشار المعلومة قد تسبق قدرة المؤسسات الرسمية والصحفية على التحقق منها.
ويطلق بعض الباحثين والإعلاميين على هذه الظاهرة وصف "سلوباجاندا "، في إشارة إلى الدعاية التي تُنتج بكميات ضخمة وبكلفة منخفضة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم تُقذف إلى منصات التواصل أملاً في أن يلتقط بعضها خوارزميات الانتشار.
وهنا لا يصبح الهدف بالضرورة إقناع الجميع بأن القصة حقيقية؛ يكفي أحيانًا خلق حالة من التشويش تجعل الجمهور غير قادر على معرفة ما هو حقيقي وما هو مزيف.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل الحرب الرقمية مختلفة عن الدعاية التقليدية. فالدعاية القديمة كانت تسعى إلى فرض رواية واحدة، بينما يمكن للدعاية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تنتج عشرات الروايات المتناقضة في الوقت نفسه، بما يؤدي إلى إغراق الجمهور بالمعلومات وفقدان الثقة في جميع المصادر.
معركة من يملك الرواية؟
وأصبحت الحرب الإيرانية ـ الأمريكية في 2026 نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تبدو عليه حروب المستقبل في عصر الذكاء الاصطناعي صور حقيقية مختلطة بصور مولدة، فيديوهات قديمة يعاد تقديمها باعتبارها جديدة، رسوم ساخرة تتحول إلى أدوات سياسية، وحسابات تنشر المحتوى نفسه بصورة منسقة عبر منصات مختلفة.
وفي هذا السياق، لم تعد السيطرة على ساحة المعركة وحدها كافية لتحقيق الانتصار السياسي؛ إذ أصبح التحكم في الرواية جزءًا أساسيًا من الصراع.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تقديم الحرب من زاوية القوة والردع والإنجاز العسكري، بينما تحاول إيران تقديم رواية مضادة تقوم على الصمود والمقاومة وتصوير الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما المعتدين.
وبين الروايتين، يجد الجمهور نفسه أمام سيل من المواد التي قد تبدو واقعية للوهلة الأولى، لكنها تحتاج إلى تدقيق قبل تصديقها أو إعادة نشرها.
أزمة الثقة.. الخطر الأكبر
والأخطر في حرب الدعاية بالذكاء الاصطناعي ليس فقط أن يصدق الجمهور خبرًا كاذبًا، وإنما أن يصل إلى مرحلة لا يصدق فيها أي شيء.فعندما تصبح مقاطع الحرب الحقيقية قابلة للاشتباه بأنها مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، تتحول التكنولوجيا من أداة لتزييف الأخبار إلى أداة لتقويض الثقة في الأخبار الحقيقية نفسها.
وهذا ما يجعل المواجهة بين ترامب وإيران تتجاوز حدود الصراع السياسي والعسكري، لتصبح اختبارًا عالميًا لقدرة الصحافة والمؤسسات والمنصات الرقمية على التمييز بين الحقيقة والتلاعب.
وكشفت المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية لإنتاج الصور أو الفيديوهات الترفيهية، وإنما أصبح جزءًا من أدوات التأثير السياسي وصناعة الرأي العام، فترامب يستخدم الصورة الرقمية لتعزيز حضوره السياسي وإرسال رسائل رمزية إلى خصومه وجمهوره، بينما وظفت جهات مؤيدة لإيران أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى ساخر واسع الانتشار يستهدف الرئيس الأمريكي والسياسة الأمريكية.
وبين الطرفين، تدور حرب أخرى لا تُسمع فيها أصوات الصواريخ، وإنما أصوات الإشعارات والمقاطع القصيرة والـ"ميمز ".وهى حرب الدعاية المولدة بالذكاء الاصطناعي؛ حرب قد يكون هدفها النهائي ليس إقناع العالم بأن رواية معينة صحيحة .