«رابعة» من ذاكرة المواجهة إلى سؤال الحساب.. حين يتخلى التنظيم عن أبنائه
الأحد، 16 أغسطس 2026 04:59 م
هانم التمساح
- ابنة «رفاعى سرور» تكشف الوجه الآخر لعلاقة القيادات الإخوانية في الخارج بالشباب: الجماعة دفعت بهم للصراعات السياسية ثم تركتهم يتسولون فى أوروبا
في شهادة لافتة عادت ولاء رفاعي سرور، ابنة أحد أبرز منظري التيار الجهادي المصري «رفاعى سرور» الذى استقي فكره من جماعة الاخوان متحولا للتيار الجهادى وشقيقة "الإرهابي"عمر سرور الذى قتل فى مواجهات بليبيا لتنتقد بصورة مباشرة ما وصفته بتخلي قيادات جماعات الإخوان الموجودة في الخارج عن الشباب الذين ارتبطوا بها، محملةً تلك القيادات مسؤولية دفع الشباب إلى الواجهة ثم تركهم يواجهون وحدهم تبعات ما جرى.
وتلمح ابنة رفاعى سرور إلى ان الجماعة الإخوانية الإرهابية تمييز بين أعضاء جماعة الإخوان وبين التيار الجهادي الذي ارتبط به رفاعي سرور وأسرته والذى استخدمته الإخوان فى العنف وصدرت قياداته فى المشهد بما يؤكد ان هذه الجماعة لا امان لها وانها تسعى فقط لمصالحها الخاصة، وتفتح شهادة ولاء الباب أمام سؤال أوسع: هل كانت بعض القيادات في الخارج تنظر إلى القواعد والشباب باعتبارهم أصحاب قضية، أم باعتبارهم أدوات للحشد يمكن الاستغناء عنها عندما تنتهي الحاجة إليهم؟ وهو سؤال لا تجيب عنه منشورات الخصوم، وإنما قد تكون الإجابة الأكثر إثارة فيه هي تلك التي تأتي من داخل الدائرة نفسها.
وفي منشور لها على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك نشرت ولاء رفاعي سرور حديث شديد اللهجة عن إحياء ذكرى فض اعتصام رابعة في 14 أغسطس، وانتقدت ما وصفته بدفع شباب إلى نشر صور ومواد مرتبطة بالأحداث، بينما يعيش قادة موجودون خارج مصر بعيدًا عن تبعات المواجهة.
وتتساءلت ولاء عن مصير هؤلاء الشباب بعد خروجهم إلى الخارج، متحدثة عن أزمات المعيشة والسكن وعدم قدرة بعضهم على توفير احتياجات أسرهم، وتربط ذلك بكونهم لا يحملون اسمًا تنظيميًا يحميهم أو يوفر لهم الدعم. وتصل رسالتها إلى اتهام صريح للقيادات بأنها مطالبة بمراجعة ما تفعله، محذرة من أن الحساب لا يقتصر على من ينفذ أو يتحرك في الشارع، وإنما يشمل كذلك من يدفع الآخرين إلى الفعل ثم يتخلى عنهم.
من هي ولاء رفاعي سرور؟
وولاء رفاعي سرور هي ابنة الشيخ رفاعي سرور، وشقيقة عمر رفاعي سرور الذي ارتبط اسمه لاحقًا بتنظيم القاعدة في ليبيا، وظهر اسمه باعتباره أحد أبرز المنظرين الشرعيين للتيار القاعدي هناك. وكانت ولاء حاضرة في المشهد الإعلامي المرتبط بالأسرة؛ فقد نقلت وسائل إعلام عنها في مناسبات سابقة تصريحات ومنشورات تتعلق بشقيقها عمر، كما ظهرت بوصفها شقيقته في تغطية مقتله بمدينة درنة الليبية عام 2018.
وسبق أن أثارت منشورات منسوبة إليها جدلًا واسعًا بسبب مواقفها من بعض سياسات الدولة، وهو ما جعلها شخصية معروفة في دوائر الخطاب الإسلامي المتشدد على مواقع التواصل.
الأب.. رفاعي سرور من الإخوان إلى الجهادية
أما والدها، رفاعي سرور، المولود في الإسكندرية عام 1947، فله تاريخ مختلف عن تاريخ جماعة الإخوان التنظيمي. وسرور كان ضمن المجموعات الجهادية المبكرة التي تشكلت في ستينيات القرن الماضي، وتأثر بكتابات سيد قطب، كما ارتبط اسمه بالمناخ الفكري الذي نشأت فيه جماعات الجهاد المصرية. وبحسب الموقع الرسمي الخاص بتراثه، كان سرور من المتهمين في قضية تنظيم الجهاد عام 1981، وهي القضية التي ارتبطت بأحداث اغتيال الرئيس أنور السادات، وأُفرج عنه بعد سنوات مع فرض قيود ومراقبة أمنية عليه.
وتكشف مصادر تاريخية عن صلة فكرية مبكرة بينه وبين أيمن الظواهري؛ إذ أشارت إلى أن الظواهري تعرف إليه في سبعينيات القرن الماضي، وقال لاحقًا إنه تعلم منه واستفاد من أفكاره. ومن هنا تبرز أهمية اسم رفاعي سرور في فهم الخلفية الفكرية للأسرة: فهو لم يكن مجرد شخصية دينية عابرة، وإنما كان أحد الأسماء المؤثرة في تطور التيار الجهادي المصري خلال عقود، وكان من بين المحرضين على العنف فى فترة حكم الاخوان القليلة وحتى قبل وفاته في 21 فبراير 2012.
الابن عمر.. امتداد أكثر تشددًا
وانتقل التأثير داخل الأسرة إلى جيل آخر مع عمر رفاعي سرور، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز الأسماء المرتبطة بتنظيم القاعدة في ليبيا. وتشير تقارير صحفية إلى أن عمر، وهو مهندس، أصبح من الشخصيات المؤثرة داخل التيار القاعدي في ليبيا، وارتبط اسمه بهشام عشماوي وتنظيم المرابطين، وكان له دوره البارز في إصدار الفتاوى وتثبيت عناصر التنظيم. وقُتل عمر في درنة الليبية عام 2018، وأعلنت شقيقته ولاء عبر حسابها على مواقع التواصل خبر مقتله، وفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية وعربية في ذلك الوقت.
انتقاد «التخلي» من داخل الدائرة نفسها
ولعل الأكثر دلالة في منشورات ولاء الأخيرة ليس فقط هجومها على القيادات الإخوانية الموجودة بالخارج، وإنما أنها تأتي من شخصية تنتمي إلى أسرة لها تاريخ طويل داخل التيارات الإسلامية المتشددة.فهي لا تاتى من الخارج أو من خصوم هذه التيارات، وإنما توجه حديثها إلى دوائر كانت قريبة منها، متحدثة عن شباب دفعوا ثمن المواجهة، ثم وجدوا أنفسهم أمام أزمات معيشية واجتماعية بعدما ابتعدت عنهم القيادات التي كانت تحرك المشهد حتى صارو لايجدون قوت يومهم فى اوروبا والدول الفارين إليها.
ويمكن قراءة منشوراتها باعتبارها شهادة على أزمة داخلية في العلاقة بين القيادات والقواعد عندما يتحول الشباب إلى أدوات في معركة سياسية وهى تحمل تبعات حياة الأسر التي خرجت من مصر أو دخلت في صراعات بسبب انتمائها أو نشاطها لقيادات الجماعة باعتبارها مسؤلية اخلاقية سيحاسبون عليها امام الله (كما جاء فى منشورها).
وتأتي هذه الرسائل بالتزامن مع ذكرى 14 أغسطس، التي تمثل بالنسبة لأنصار جماعة الإخوان الإرهابية مناسبة سنوية لإعادة استحضار أحداث رابعة، بينما تحاول ولاء ـ وفق ما يظهر من منشوراتها ـ نقل النقاش من استدعاء صور الماضي إلى سؤال مختلف: ماذا فعلت القيادات بهؤلاء الشباب بعد انتهاء المواجهة؟
وهنا تتحول شهادتها إلى اتهام أخلاقي وسياسي للقيادات التي تقول إنها تستثمر في الحشد والتعبئة، لكنها لا تتحمل بالضرورة النتائج الاجتماعية والإنسانية التي تقع على عاتق من استجابوا لهذا الخطاب. ولا تستهدف هذه الانتقادات الدولة المصرية، وإنما تمتد إلى القيادات الإسلامية الموجودة خارج البلاد، وهو ما يمنحها أهمية خاصة باعتبارها صادرة من داخل البيئة التي تتحدث عنها.
وتكشف منشورات ولاء رفاعي سرور عن جانب مختلف من الصراع داخل التيارات الإسلامية، وهو الصراع على المسؤولية قبل أن يكون صراعًا على الشعارات.فالشاب الذي يُدفع إلى الواجهة، والأسرة التي تتحمل تبعات موقف سياسي، والمهاجر الذي يجد نفسه بلا مصدر دخل أو مسكن، كلها أسئلة لا تجيب عنها الشعارات التى تخدع الجماعة بها أنصارها وقواعدها.