"دشت ليلى" الإيرانية!

الأحد، 23 أغسطس 2026 09:00 ص
"دشت ليلى" الإيرانية!
حمدي عبد الرحيم

وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترام قبل أيام قلائل مضت، خطيبًا في تجمع سياسي في أكاديمية للشرطة بمقاطعة ناسو في ولاية نيويورك وقال نصًا: "بعد أن ننتهي من هزيمة إيران، التي تتعرض الآن لهزيمة قاسية للغاية، قريباً جداً سأعلن مضيق هرمز أرضاً تابعة للولايات المتحدة".

أظنها المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس أي رئيس عزمه على احتلال أرض دولة تبعد عن دولته بالآلاف الكيلو مترات، ترامب سيحتل المضيق بل ويضمه إلى الأرض الأمريكية ليخترق حواجز الجغرافيا والتاريخ معًا، لماذا سيفعلها ترامب؟

ليس هناك مبرر يقبله عقل العاقل، فترامب يحارب إيران لأنها تنوي، مجرد نية إنتاج سلاح نووي، وهو بلسانه قال مرارًا وتكرارًا: "لقد نجحت في تدمير برنامج إيران النووي".. فلماذا يحاربها؟.. لإسقاط نظام حكمها، وفي سبيل ذلك قتل مرشد ثورتها وقتل قادة الصفوف الأولى من القادة العسكريين والدينيين والعلماء والسياسيين، ثم لم يسقط نظام الحكم الإيراني، الآن جاء دور الاحتلال والضم المباشر السافر العريان الذي لا يستر عريه أي ادعاء زائف من مزاعم الغرب الإنساني المتحضر المتمدين الديمقراطي.

هل عارض أحد من الحضور الرئيس الأمريكي؟.. العكس هو ما حدث فقد صفق له بعضهم استحسانًا وقهقه له الآخرون إعجابًا.

ترامب ليس ابن ذاته، هو ابن طبقته وتياره وثقافته، إنه خير معبر عن غطرسة القوة.

أما موضوع سحق إيران وكونها الآن تتلقى هزيمة نكراء، فهذا أمر تؤكد الوقائع التي تجري على الأرض أنه من الأمور الخيالية التي تجري في رأس الرئيس الأمريكي فقط، ولكن فلنمد الخيط إلى منتهاه، ماذا سيحدث للإيرانيين إن سحقوا وتم احتلال مضيق هرمز وضمه إلى الأرض الأمريكية؟.. سيحدث ما حدث قبل ربع قرن في أفغانستان، سيصحو العالم ليجد نفسه أمام مذبحة "دشت ليلى"، وهذه المرة سيكون اسمها "دشت أصفهان" أو "دشت طهران" أو أي بلد إيراني.

دشت ليلى بالفارسية تعني "سهل أو صحراء ليلى"، وهو مكان يقع في شمال أفغانستان.

بدأت المأساة في أواخر نوفمبر 2001 فقد انهارت جبهة حركة طالبان التي كانت تقود الأفغان في التصدي للغزو الأمريكي لبلادهم، قوات طالبان كانت محاصرة في مدينة "قندوز"، قوات الحصار كانت خليطًا من القوات الأمريكية ومن قوات الجنرال عبد الرشيد دوستم، أقوى حلفاء أمريكا بين الأفغان.

استسلام قوات طالبان كان صريحًا واضحا، لقد غادر المقاتلون مواقعهم رافعين رايات الاستسلام البيضاء.

طبعًا حدث اتفاق بينهم وبين الأمريكان ودوستم على احترام قوانين الحرب!

طبعًا لم يصدق أحد تعهدات الأمريكان ونجا!

كان الأمريكان ودوستم قد جهزوا شاحنات مخصصة أصلًا لنقل البضائع لا البشر لتنقل المقاتلين إلى السجون.

الصورة تغني عن ألف كلمة بل عن مليون كلمة، وصور الكارثة سجلها الفيلم الوثائقي "قافلة الموت".

الفيلم أعده المنتج والمخرج الأيرلندي جامي دوران عن تحقيقات أجراها الصحفي الأفغاني نجيب الله قرشي.

جاء في الفيلم: حُشر ما بين مئتين إلى ثلاثمائة رجل في الحاوية الواحدة حشراً لا يسمح حتى بالسقوط أرضاً، وقفوا ملتصقين، صدورهم في ظهور بعضهم، وظهرهم على جدران الفولاذ الساخنة ثم أُغلق الباب الحديدي واختفى الضوء وانقطع الهواء، نفد الأكسجين ببطء وبدأوا يلهثون صرخوا: "نموت.. أعطونا ماء.. نحن بشر لا حيوانات".

سمعهم سائق فتسلل بمطرقة وصنع ثقوباً صغيرة في جدار الحاوية ومرر لهم زجاجة ماء، لكن جنود دوستم رأوه وضربوه بأعقاب البنادق حتى كاد يموت وحين لم تعد تكفي ثقوب المطرقة، أخرج الجنود بنادقهم الكلاشينكوف وأفرغوا رصاصاتهم في جدران الحاوية. اخترق الرصاص الفولاذ ومزق الأجساد المتلاصقة.

يقول أحد السائقين: "فتحوا باب الحاوية الأولى.. تساقطت الجثث كالسمك وملابسهم ممزقة ومبللة بالعرق والدم كلهم ماتوا لم ينجُ أحد".

ما وقع للدفعة الأولى من المستسلمين وقع لباقي الدفعات، حشر في شاحنات فولاذية ثم من لم يمت بنقص الاوكسجين سيموت بطلقات الرصاص.

أين كان الأمريكان الذين أعطوا العهد والأمان لطالبان؟

يا رجل هل هذا سؤال!

كانوا يقدمون الجرافات التي ستصنع واحدة من كبريات المقابر الجماعية في تاريخ الحروب، فثلاثة آلاف من طالبان قتلوا في ساعة واحدة بطريقة واحدة!.

تسرب خبر المجزرة فقال البنتاجون: "لم نعرف.. لم نشارك.. لم نتواجد هناك."

إذا كنت تصدق البنتاجون فأنت وقلبك وأنت وعقلك وأنت ودينك!

عندما عرض فيلم "قافلة الموت" أصبح الصمت محرجًا للجميع، فتحركت في فبراير 2002 منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" ووصلت صحراء دشت ليلي ووجدوا عظامًا بشرية مبعثرة تنهشها الكلاب، قامت المنظمة بحفر ستة أمتار، فعثرت على خمس عشرة جثة في طبقة واحدة وكانت الأجساد متحللة، والأيدي لا تزال مقيدة.

قبل أن تفلت الأمور وتجمع المنظمة الأدلة التي تدين الأمريكان ودوستم، نبشت القبور وأُخرجت العظام وسُحقت وحين عاد المحققون لم يجدوا شيئًا!

كان رئيس أمريكا أيامها هو بوش الذي نجح نجاحًا ساحقًا في طمس معالم المجزرة، ثم مرت السنون وجاء الديمقراطي أوباما فتعهد بفتح التحقيق ولكن الشهود كانوا قد ماتوا والأدلة كانت قد اختفت، لتصبح المجزرة مجرد رقم في سجلات المجازر التي يتعرض لها من يستسلم للأمريكان أو يصدق وعودهم.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق