من التريند الوهمي إلى تزييف الحقائق.. كيف تحاول لجان الإخوان الإرهابية صناعة الفوضى وإعادة تشكيل الواقع عبر السوشيال ميديا؟

الأحد، 23 أغسطس 2026 06:41 م
من التريند الوهمي إلى تزييف الحقائق.. كيف تحاول لجان الإخوان الإرهابية صناعة الفوضى وإعادة تشكيل الواقع عبر السوشيال ميديا؟

مع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها إلى ساحة رئيسية لتشكيل الوعي العام، وجدت جماعة الإخوان الإرهابية في الفضاء الرقمي ميدانًا جديدًا لإدارة معركتها الدعائية، بعدما أدركت أن التأثير في العقول لم يعد يحتاج إلى منابر تقليدية، وإنما يمكن تحقيقه عبر شبكة من الحسابات والصفحات التي تعيد تدوير الرسالة نفسها، وتمنحها عشرات الوجوه، حتى تبدو وكأنها رأي عام واسع، بينما هي في حقيقتها حملة منظمة تستهدف صناعة الانطباع قبل الوصول إلى الحقيقة.
 
ولم تعد أدوات الجماعة تقتصر على نشر منشور أو إطلاق صفحة مجهولة، وإنما تطورت إلى منظومة تعتمد على الحسابات الوهمية واللجان الإلكترونية والهاشتاجات الموجهة، التي تعمل بصورة متزامنة لدفع موضوعات محددة إلى واجهة النقاش. تبدأ الحملة برسالة واحدة، ثم تتكفل الحسابات بإعادة نشرها والتعليق عليها وتكرار مفرداتها، حتى تتحول الكثافة الرقمية إلى ستار يخفي محدودية المصدر، ويمنح المحتوى المضلل مظهرًا زائفًا من الانتشار والتأثير.
 
وهنا تظهر واحدة من أخطر حيل الدعاية الإلكترونية، صناعة الوهم الجماهيري، فتصدر هاشتاج أو انتشار منشور لا يعني بالضرورة أنه يعبر عن اتجاه المجتمع، كما أن كثرة التعليقات المتشابهة لا تثبت وجود حالة غضب حقيقية، وفي كثير من الأحيان، تكون المعادلة أبسط مما تبدو عليه وهو عدد محدود من الحسابات، ورسالة واحدة، وتكرار مكثف، والنتيجة مشهد رقمي يوحي بوجود موجة شعبية واسعة، بينما لا يعدو الأمر كونه تضخيمًا مصطنعًا للتفاعل.
 
وتنتقل هذه المنظومة بعد ذلك إلى مرحلة أكثر خطورة، تتمثل في تضخيم الوقائع الفردية وتحويلها إلى أزمات عامة، فقد تبدأ القصة بمشكلة محدودة أو واقعة منفردة، ثم يجري اقتطاعها من سياقها، وإعادة نشرها بصورة متكررة، وربطها بوقائع أخرى، لتقديمها باعتبارها نموذجًا لحالة شاملة، ومع كل إعادة نشر، تتراجع تفاصيل الواقعة الأصلية، بينما يتضخم الانطباع الذي تستهدف الحملة ترسيخه في ذهن المستخدم.
 
ولا تقف الخطورة عند حدود إعادة نشر المعلومات، بل تمتد إلى طريقة اختيار الحسابات التي تحمل هذه الرسائل. فبعض الحسابات تتخفى خلف أسماء مواطنين عاديين، وأخرى تقدم نفسها في صورة صفحات إخبارية مستقلة، بينما تنشر حسابات أخرى تعليقات سياسية تبدو فردية، لكنها في النهاية تعيد إنتاج الرسالة ذاتها. وبهذا يصبح الوصول إلى المصدر الحقيقي أكثر صعوبة، وتتحول معركة التضليل إلى معركة ثقة: من يقف وراء الحساب؟ من أين حصل على المعلومة؟ ولماذا اختار نشرها في هذا التوقيت تحديدًا؟
 
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، دخلت المعركة مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، بعدما أصبحت أدوات التزييف العميق قادرة على إنتاج أو تعديل مقاطع صوتية ومرئية بصورة قد تخدع المستخدم غير المتخصص. وقد يظهر شخص عام في مقطع مصطنع وكأنه أدلى بتصريح لم يقله، أو يجري اقتطاع جزء من حديث حقيقي وإعادة تقديمه في سياق مختلف تمامًا، بما يجعل المقطع وسيلة لتزييف الحقيقة بدلًا من نقلها.
 
وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الصورة والفيديو كانا لسنوات يمثلان بالنسبة للمستخدم دليلًا على وقوع الحدث، بينما أصبح من الممكن اليوم التلاعب بهما. ولذلك لم يعد السؤال: «هل شاهدت الفيديو؟»، وإنما أصبح السؤال الأهم: من نشره أولًا؟ ومتى صُور؟ وهل توجد النسخة الكاملة؟ وما السياق الذي قيل فيه؟ وهل أكدته مصادر موثوقة؟
 
كما تكشف هذه الحملات عن جانب آخر أكثر خطورة، وهو استهداف الأشخاص بدلًا من الأفكار. فالشخصيات العامة والإعلاميون والمفكرون، بل وحتى المواطنون الذين يعلنون مواقف مؤيدة للدولة أو يرفضون خطاب الجماعة، قد يتحولون إلى أهداف لحملات ممنهجة من التشويه والسخرية والسب. والهدف هنا لا يكون دائمًا إقناع الشخص المستهدف بالتراجع، وإنما إرسال رسالة إلى الآخرين مفادها أن إعلان موقف مخالف سيضع صاحبه في دائرة الاستهداف.
 
ومن هنا تتحول اللجان الإلكترونية من أداة للدعاية إلى وسيلة ضغط اجتماعي ونفسي؛ إذ تحاول خلق بيئة رقمية يخشى فيها المستخدم التعبير عن رأيه، بينما يبدو خطاب واحد وكأنه الصوت الوحيد الموجود. ومع تكرار الهجوم على الأصوات المخالفة وإغراق مساحات التعليقات برسائل متشابهة، يمكن أن يتولد لدى المستخدم شعور زائف بأن هناك إجماعًا حول موقف معين، في حين أن ما يراه قد يكون مجرد نتيجة لحملة منظمة وأكثر نشاطًا في الفضاء الرقمي.
 
وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية في أنها لا تحتاج إلى إقناع الجميع. فالمعلومة المضللة لا يشترط أن يصدقها كل من يراها حتى تحقق هدفها؛ يكفي أن تزرع الشك، أو تثير الغضب، أو تدفع المستخدم إلى فقدان الثقة في المعلومات الصحيحة. فحين تختلط الحقيقة بالشائعة، يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، ويصبح المواطن أمام سيل متواصل من الرسائل المتناقضة التي تستنزف قدرته على التحقق والتمييز.
 
لكن مواجهة هذا النوع من الحملات لا تعني بأي حال من الأحوال مصادرة النقد أو إغلاق المجال العام، فالنقد القائم على المعلومات والوقائع يظل ضرورة لأي مجتمع، كما أن كشف الأخطاء ومناقشة المشكلات حق أصيل. الفارق الحقيقي يكمن بين النقد المسؤول الذي يستند إلى معلومات قابلة للتحقق، وبين حملة دعائية تعتمد على الحسابات الوهمية والفبركة وتضخيم الوقائع والتحريض والتشويه.
 
وفي مواجهة هذا السيل من المحتوى المضلل، يصبح المواطن نفسه خط الدفاع الأول. فقبل أن يضغط المستخدم على زر «مشاركة»، عليه أن يتوقف للحظة ويسأل: ما مصدر هذه المعلومة؟ هل الخبر حديث أم قديم؟ هل الصورة مرتبطة بالواقعة فعلًا؟ هل الفيديو كامل أم مقتطع؟ وهل نشرته مصادر موثوقة؟ أسئلة بسيطة، لكنها قادرة على إيقاف دورة كاملة من الشائعات قبل أن تتحول إلى موجة واسعة.
 
والأخطر أن إعادة نشر الشائعة بهدف انتقادها قد تمنحها انتشارًا إضافيًا؛ لأن المحتوى الذي يحصل على تفاعل واسع قد يستمر في الظهور أمام مستخدمين جدد، بغض النظر عن موقف من يشاركونه. لذلك فإن التعامل مع المحتوى المشبوه يحتاج إلى التحقق أولًا، ثم الإبلاغ عنه عند الضرورة، بدلًا من منحه مزيدًا من الانتشار.
 
المعركة التي تخوضها جماعة الإخوان الإرهابية عبر الفضاء الرقمي ليست معركة على عدد المتابعين أو الهاشتاجات فقط، وإنما هي محاولة للتأثير في طريقة رؤية المواطن للواقع. فحين تستطيع الشائعة أن تجعل الكذب يبدو حقيقة، أو تجعل التفاعل المصطنع يبدو إجماعًا، أو تجعل الحساب الوهمي يبدو مصدرًا موثوقًا، تكون قد قطعت شوطًا في تحقيق هدفها.
 
ويظل الوعي السلاح الأقوى في مواجهة الذباب الإلكتروني؛ لأن التكنولوجيا مهما تطورت، تظل عاجزة أمام مستخدم يرفض أن يكون أداة في ماكينة إعادة تدوير الشائعات، ويتوقف قبل التصديق، ويتحقق قبل المشاركة، ويفصل بين النقد الحقيقي والدعاية الممنهجة. فالمعركة الحقيقية ليست على شاشة الهاتف، وإنما على العقل الذي يقف خلفها.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق