العميل رضا فهمي.. صانع الوهم الإخواني من أجل الاستقواء بالخارج
الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 01:28 م
لم يكن صعود رضا فهمي إلى المشهد السياسي الإخواني نتاج مسار سياسي مستقل أو خبرة تراكمية في العمل العام، وإنما جاء في لحظة صعود الجماعة الإرهابية إلى السلطة، مستفيداً من قربه من دوائر النفوذ داخل التنظيم وعلاقاته بقيادات بارزة، وفي مقدمتها خيرت الشاطر.
بدأ فهمي من موقع هامشي داخل التنظيم، ثم شق طريقه سريعاً إلى دوائر أكثر تأثيراً، قبل أن ينتقل إلى حزب الحرية والعدالة ويصل إلى مجلس الشورى ويتولى رئاسة لجنة العلاقات الخارجية، رغم أن خلفيته الأكاديمية في الإعلام، ولم يكن يمتلك قبل صعود الإخوان إلى الحكم سجلاً سياسياً يفسر وصوله إلى هذا الموقع.
كان صعود الجماعة إلى السلطة هو بوابة الصعود السياسي لفهمي، فمع تمدد الإخوان داخل مؤسسات الدولة بعد 2011، فتحت الجماعة الطريق أمام عدد من كوادرها للانتقال من العمل التنظيمي إلى مواقع سياسية متقدمة، دون أن يكون هذا الانتقال بالضرورة انعكاساً لخبرة سياسية أو مشروع عام مستقل.
لكن السلطة التي صعد معها فهمي انهارت سريعاً، ومع سقوط حكم الإخوان في 2013، سقطت معها المساحة السياسية التي أتاحت له الوصول إلى البرلمان ورئاسة لجنة العلاقات الخارجية، لينتقل من مؤسسات الدولة المصرية إلى الخارج بحثاً عن مساحة جديدة للحضور.
ومن هنا بدأت المرحلة الأكثر دلالة في مساره، فبدلاً من مراجعة تجربة الجماعة السياسية التي انتهت إلى السقوط، انخرط فهمي في محاولات إعادة إنتاج الحضور الإخواني من الخارج، مقترباً من دوائر مرتبطة بأتباع محمد كمال، ومن بينهم يحيى موسى، وظهر ضمن تجربة «ميدان».
لم تكن «ميدان» مجرد منصة للمعارضة السياسية، وإنما جاءت ضمن محاولات إعادة بناء أدوات الإخوان بعد فقدان السلطة، وطرح تصورات تتجاوز العمل المعارض إلى تقديم بدائل موازية، في محاولة لإبقاء الجماعة حاضرة في المشهد رغم خروجها من مؤسسات الدولة.
وهنا تتضح المشكلة: الجماعة التي فشلت في إدارة السلطة اتجهت إلى محاولة صناعة سلطة بديلة من الخارج.
ومع انغلاق الطريق أمام العودة السياسية المباشرة، تحول الصراع الإخواني إلى معركة داخلية على النفوذ، لم يعد السؤال فقط كيف تستعيد الجماعة موقعها، بل من يملك حق تمثيلها، ومن يحدد خطابها، ومن يسيطر على شبكاتها ومواردها ومنصاتها.
وتحول الانقسام الذي ضرب التنظيم إلى صراع مفتوح بين تيارات ومراكز نفوذ، بينما حاولت شخصيات مثل رضا فهمي تثبيت مواقعها داخل المشهد الجديد، مستفيدة من حالة السيولة التنظيمية التي أعقبت سقوط الجماعة.
ولم يعد الخلاف داخل الإخوان مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما أصبح صراعاً على القيادة والشرعية التنظيمية، وعلى من يملك حق تقديم نفسه باعتباره ممثلاً للجماعة في الخارج.
وفي الوقت نفسه، استمرت داخل بعض هذه الدوائر خطابات تبرر العنف أو تتعامل معه باعتباره وسيلة سياسية، وهو ما كشف أن المشكلة لم تكن فقط في فقدان الإخوان للسلطة، وإنما في عجز قطاعات منهم عن الخروج من منطق التنظيم المغلق إلى مشروع سياسي طبيعي.
وهنا تحديداً تتكشف مفارقة رضا فهمي: كلما تراجع نفوذ الإخوان كقوة سياسية داخل مصر، زادت محاولات إعادة إنتاج نفوذهم من الخارج.
فالخروج من مصر لم يكن نهاية النشاط السياسي بالنسبة إلى هذه الدوائر، بل تحول إلى وسيلة لبناء أدوات ضغط ومنصات إعلامية وتنظيمية تستهدف إبقاء الجماعة في دائرة التأثير، رغم فقدانها موقعها داخل الدولة.
لكن النتيجة كانت مختلفة؛ فبدلاً من استعادة النفوذ، اتسعت الانقسامات، وتعددت مراكز القيادة، وتحول الخارج إلى ساحة صراع بين قيادات وتيارات تتنافس على ما تبقى من النفوذ الإخواني.
وبهذا المعنى، فإن مسار فهمي يكشف فشل الرهان على إعادة تدوير المشروع الإخواني بعد سقوطه، فالمشروع الذي وصل إلى البرلمان ومؤسسات الدولة لم يتمكن من البقاء، وعندما فقد السلطة لم يقدم مراجعة سياسية، وإنما انتقل إلى الخارج بحثاً عن أدوات بديلة للضغط والحضور.
وتصبح تجربة «ميدان» جزءاً من هذه المحاولة؛ محاولة نقل الصراع من مؤسسات الدولة إلى المنصات الخارجية، ومن المنافسة السياسية إلى بناء أطر موازية، ومن استعادة ثقة المجتمع إلى محاولة التأثير عليه من الخارج، وهذه ليست استعادة للمشروع السياسي، بل إعادة تدوير لأدواته بعد سقوطه.
كما أن استمرار الصراع داخل الجماعة يفضح هشاشة البناء التنظيمي الذي طالما قدمته باعتباره نموذجاً للانضباط والوحدة. فعندما فقدت السلطة، ظهرت الخلافات التي كانت تخفيها مركزية التنظيم، وتحولت القيادات إلى مراكز متنافسة، وأصبح كل تيار يبحث عن شرعيته الخاصة.
وفي قلب هذا المشهد، لم يعد رضا فهمي مجرد سياسي سابق في مجلس الشورى، وإنما أصبح جزءاً من معركة أكبر على مستقبل النفوذ الإخواني في الخارج، في وقت لم تعد فيه الجماعة قادرة على استعادة موقعها السابق داخل مصر.
وهنا تنتهي قصة الصعود السياسي إلى نتيجة واضحة: فهمي لم يسقط وحده؛ سقطت معه البيئة السياسية التي صنعت صعوده.
فالوصول إلى البرلمان ورئاسة لجنة العلاقات الخارجية كان مرتبطاً بلحظة تمكين الإخوان، وعندما انتهت تلك اللحظة انتهى معها الموقع، لتبدأ محاولة جديدة من الخارج لاستعادة التأثير عبر المنصات والكيانات والانقسامات التنظيمية.
لكن هذه المحاولة لم تنتج مشروعاً سياسياً بديلاً، ولم تستعد للجماعة نفوذها السابق، وإنما أضافت طبقة جديدة إلى أزمتها: صراع على القيادة، وتنافس على التمثيل، ومحاولات متكررة لصناعة نفوذ خارج حدود الدولة.
وبذلك، فإن رحلة رضا فهمي من هامش التنظيم إلى البرلمان، ثم إلى دوائر النفوذ الإخوانية في الخارج، تختصر مأزق مشروع كامل: تنظيم صعد إلى السلطة بلا مشروع مستقر، وسقط من الحكم بلا مراجعة، ثم حاول العودة من الخارج عبر صناعة نفوذ موازٍ، فانتهى إلى صراعات داخلية أكثر من قدرته على استعادة تأثيره.