بمنطقة «وادي أبو جعدة» ..أبناء قبيلة العليقات يجتمعون في لقاء سنوي على مائدة صلة الرحم وإحياء تراث البادية ( صور)
السبت، 29 أغسطس 2026 02:06 م
محمد الحر
مجالس العائلات تستعيد دورها.. والأطفال يتعلمون من الكبار أصول الموروث البدوي
اللقاء مناسبة اجتماعية تحمل في تفاصيلها الكثير من ملامح الحياة البدوية الأصيلة
ملتقى وادي أبو جعدة يمثل نموذجًا للحفاظ على جانب من الموروث الاجتماعي لقبيلة التعليقات
في أجواء يسودها الود والترابط وصلة الرحم، اجتمع أبناء عائلات ربع ابو تليل بقبيلة العليقات بجنوب سيناء في منطقة "وادي أبو جعدة" ، خلال لقاء سنوي أصبح واحدًا من أبرز التقاليد التي تحرص العائلات على استمرارها، بهدف تجديد التواصل بين أبناء القبيلة، والاطمئنان على أحوال الأسر، وفتح حوار حول مختلف شؤون العائلات.
ولم يكن اللقاء مجرد تجمع عائلي عابر، وإنما مناسبة اجتماعية تحمل في تفاصيلها الكثير من ملامح الحياة البدوية الأصيلة؛ حيث يجتمع الكبار والشباب والأطفال في مكان واحد، ويتبادلون الأحاديث والذكريات، وتتحول الجلسات إلى فرصة لاستعادة العادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.. مؤكدا أن فكرة اللقاء تقوم في الأساس على التواصل وصلة الرحم، باعتبارهما من أهم القيم التي حافظ عليها المجتمع البدوي عبر الأجيال
صلة الرحم.. عنوان اللقاء
يؤكد الشيخ صالح حسن احد رموز قبيلة التعليقات، أن الهدف الأساسي من هذا التجمع هو صلة الرحم وتقوية العلاقات بين العائلات، خاصة في ظل تغيرات الحياة وانشغال الأجيال الجديدة بمسؤولياتها اليومية، موضحًا أن التجمع يشمل الرجال والأطفال في مكان والسيدات والفتيات في مكان آخر مجاور.
اضاف الشيخ صالح التعليقات :«هذا اللقاء أصبح عادة سنوية نحرص عليها، لأن اجتماع الأهل والأقارب لا يعوضه شيء. نجلس معًا، نطمئن على بعضنا، ونتحدث في شؤون العائلات، ونحافظ على التواصل بين الكبير والصغير. مشيرا إلى أنه يتم نحر الذبائح بالقرب من المكان وإقامة مائدة كبيرو كوجبة عشاء يتناولها الحضور جميعا ، وسط مشاعر المودة والتآخي.
ويشير إلى أن مثل هذه اللقاءات تساعد على تقريب وجهات النظر، وتعزيز روح المحبة والتعاون، وتؤكد أن روابط العائلة والقبيلة ما زالت تمثل قيمة أساسية في المجتمع البدوي.
مجالس الكبار.. مدرسة اجتماعية للأجيال.
وحسب الشيخ صالح ابو حسن : تأخذ جلسات الكبار جانبًا مهمًا من اللقاء، حيث تدور الأحاديث حول أحوال العائلات، والمناسبات الاجتماعية، والذكريات القديمة، وما يرتبط بحياة البادية من قيم مثل الكرم، والشهامة، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، والحفاظ على صلة الرحم.
ويقول الشيخ جمال العليقي، احد أبناء عائلة ابو تليل بقبيلة التعليقات و المشاركين في اللقاء : «نحن لا نجتمع من أجل الجلسة فقط، وإنما نريد أن يعرف أبناؤنا وأحفادنا كيف كان الآباء والأجداد يعيشون، وكيف كانت العلاقات بين العائلات قائمة على المودة والاحترام والتعاون».
ويرى" العليقي " أن الحفاظ على هذه المجالس يمثل وسيلة مهمة لنقل الخبرات الاجتماعية من جيل إلى آخر، بعيدًا عن الكتب والمناهج، من خلال المعايشة المباشرة والاستماع إلى روايات الكبار.
الأطفال.. حضور يحمل رسالة للمستقبل
ومن أبرز المشاهد التي يحرص عليها أبناء القبيلة خلال اللقاء مشاركة الأطفال، باعتبارهم الجيل الذي سيحمل هذه العادات والتقاليد إلى المستقبل.
يشير الشيخ جمال العليقي إلى أن وجود الأطفال بين الكبار يتيح لهم التعرف عن قرب على طبيعة الحياة البدوية، والاستماع إلى أحاديث الآباء والأجداد، ومعرفة قيمة صلة الرحم، واحترام الكبير، وواجبات الأسرة تجاه أفرادها.
اضاف :«نحن حريصون على استمرار هذا اللقاء لأنه يجمع العائلات ويقرب المسافات بين الناس. الحياة أصبحت سريعة وكل شخص لديه مسؤولياته، ولذلك نحتاج إلى مثل هذه المناسبات حتى تظل صلة الرحم موجودة وقوية».»
وأوضح الشيخ جمال العليقي أن اللقاء يمثل فرصة للجلوس وجهًا لوجه، بعيدًا عن الاتصالات الهاتفية ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن اللقاء المباشر له قيمة خاصة في المجتمع البدوي.
وتقول إحدى المشاركات باللقاء الذي يجمع كافة الأسر من ربع عائلات ابو تليل : «نحرص على أن يحضر الأطفال معنا، لأن العادات لا تنتقل بالكلام فقط. الطفل عندما يرى جده وأعمامه وأقاربه مجتمعين ويتعلم منهم، يكبر وهو يعرف قيمة العائلة ويحافظ على ما ورثه عن أجداده».
وتؤكد أن إشراك الأطفال في هذه اللقاءات يمثل نوعًا من التعليم غير الرسمي للموروث البدوي، إذ يتعلم الطفل من خلال المشاهدة والمشاركة والاستماع، وليس بمجرد الحديث عن الماضي.
إحياء عادات وتقاليد البادية
إحياء عادات وتقاليد البادية
ويؤكد منصور ابو تليل، احد أبناء قبيلة التعليقات بجنوب سيناء ان لقاء وادي أبو جعدة يمثل نموذجًا للحفاظ على جانب من الموروث الاجتماعي لقبيلة التعليقات، في وقت تتغير فيه أنماط الحياة وتتسارع وسائل التواصل الحديثة.
ويرى ابو تليل أن التطور لا يعني التخلي عن التراث، وإنما يمكن الجمع بين الحياة العصرية والحفاظ على القيم الأصيلة التي قامت عليها المجتمعات البدوية.
ولفت منصور ابو تليل إلى أن أبرز القيم التي يسعى اللقاء إلى ترسيخها: صلة الرحم، احترام الكبير، الكرم، التعاون، مساعدة الأقارب، الحفاظ على الروابط العائلية، وتعريف الأبناء بتاريخ أسرهم وموروثهم الاجتماعي.
من ذاكرة الأجداد إلى ذاكرة الأبناء
وفي وادي أبو جعدة، لا يقتصر المشهد على لقاء الحاضر، وإنما يحمل في داخله استعادة لذكريات الماضي؛ فالكبار يتحدثون عن الآباء والأجداد، والشباب يستمعون، بينما يراقب الأطفال المشهد ويتعرفون تدريجيًا على تفاصيل مجتمعهم وموروثهم.
ويقول أحد كبار السن: «أهم شيء أن يرى الأطفال هذه اللقاءات ويعرفوا أن لهم أهلًا وأقارب، وأن العائلة ليست مجرد أسماء، وإنما مسؤولية ومحبة وتواصل. نحن تعلمنا من آبائنا، وواجبنا أن ننقل ما تعلمناه إلى أبنائنا».
وحرص أبناء عائلات ربع ابو تليل على إقامة لقائهم السنوي في قلب الطبيعة البدوية بجنوب سيناء، وتحديدًا في وادي أبو جعدة، حيث لا يقتصر اللقاء على مجرد اجتماع للأقارب، وإنما يمثل مناسبة تنتظرها العائلات لتجديد صلة الرحم، والاطمئنان على أحوال الجميع، وتبادل الأحاديث حول شؤون الأسر، واستعادة ذكريات الآباء والأجداد
تقليد سنوي ورسالة تتجاوز حدود اللقاء
تقليد سنوي ورسالة تتجاوز حدود اللقاء
ويؤكد أبناء عائلات ربع ابو تليل بقبيلة العليقات أن استمرار اللقاء عامًا بعد عام يمثل رسالة واضحة بأن صلة الرحم والحفاظ على العادات والتقاليد ما زالا جزءًا أساسيًا من هوية المجتمع البدوي في جنوب سيناء.
الحفاظ على الهوية البدوية
يرى أبناء القبيلة أن الحفاظ على العادات والتقاليد لا يعني الانغلاق على الماضي، وإنما يعني حماية عناصر الهوية الاجتماعية التي تميز المجتمع البدوي، ومن هنا تأتي أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات، التي تتيح للأجيال الجديدة التعرف على موروثها بصورة عملية ،في ظل التغيرات الاجتماعية التي تشهدها المجتمعات.
ومن اللافت ان اللقاء يجمع أكثر من جيل في مكان واحد، ويمنح الكبار فرصة لاستعادة ذكرياتهم، والشباب فرصة للتواصل، والأطفال فرصة للتعلم والمشاهدة والمعايشة، لجانب مشاركة ضيوف من القبايل الأخرى بجنوب سيناء وذلك في إطار توطيد اواصر المودة والسلم الإجتماعي بين قبائل سبناء
وفي النهاية، يبقى وادي أبو جعدة خلال هذا اللقاء السنوي مساحة تلتقي فيها الأجيال، وتتعانق فيها ذاكرة الأجداد مع حاضر الأبناء، في مشهد يؤكد أن التراث الحقيقي لا يعيش في الكتب فقط، وإنما يبقى حيًا عندما تمارسه العائلات وتنقله من جيل إلى جيل.