طلال رسلان يكتب: قضية مدرسة جلوبال تفجر أزمة البيانات الشخصية
السبت، 29 أغسطس 2026 07:00 م
839 عقدا بـ321 مليون جنيه تكشف كيف تحولت بيانات الأسر إلى مديونيات دون علم أصحابها
بلاغات تكشف قروضا وتسهيلات ائتمانية ظهرت بأسماء أصحابها دون طلب أو موافقتهم
النيابة تحبس رئيس مجلس الإدارة.. والرقابة المالية توقف تمويلات الشركة وتضع ضوابط جديدة أبرزها إرسال الـ OTP
تحولت واقعة مدرسة جلوبال إلى واحدة من أبرز القضايا التي أثارت مخاوف الأسر المصرية بشأن حماية البيانات الشخصية، بعدما كشفت التحقيقات عن استخدام بيانات وصور بطاقات الرقم القومي الخاصة بعدد من أولياء الأمور في الحصول على تسهيلات ائتمانية وقروض تعليمية بأسمائهم، رغم تأكيدهم أنهم لم يتقدموا بطلبات للحصول على هذه التمويلات ولم يوافقوا عليها.
وبدأت الواقعة بعد تداول شكاوى وبلاغات من أولياء أمور طلاب بالمدرسة، قبل أن تتسع دائرة التحقيقات، وتكشف النيابة العامة عن رقم لافت يتمثل في إبرام 839 عقدا للحصول على تسهيلات ائتمانية بإجمالي 321 مليون جنيه بأسماء عدد من أولياء الأمور، استنادا إلى بيانات وصور مستندات وتوقيعات قدمت من جانب رئيس مجلس إدارة المدرسة.
القضية لم تتوقف عند واقعة حصول أشخاص على تمويلات باسم آخرين، وإنما فتحت ملفا أوسع يتعلق بمدى حماية البيانات الشخصية داخل المؤسسات التعليمية، وكيفية انتقال البيانات من ملفات الطلاب وأولياء الأمور إلى شركات تقدم خدمات مالية، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول تلك البيانات إلى عقود مالية والتزامات ائتمانية.
أولياء الأمور يكتشفون قروضا لم يطلبوها
من أكثر الجوانب إثارة في الواقعة أن عددا من أولياء الأمور لم يعرفوا بما حدث إلا بعد اكتشاف وجود قروض أو تسهيلات ائتمانية مسجلة بأسمائهم، وكشفت إحدى أولياء الأمور أنها سددت المصروفات الدراسية نقدا بالكامل، ولم تتقدم للحصول على أي تمويل أو توقع على أي طلب متعلق بالتقسيط، إلا أنها فوجئت لاحقا بوجود قرض تعليمي مسجل باسمها.
وبعد ظهور هذه الحالة، بدأ عدد من أولياء الأمور في الاستعلام عن بياناتهم الائتمانية عبر "آي سكور"، لتظهر حالات أخرى تتضمن وجود تمويلات مسجلة بأسمائهم دون علمهم.
وأشارت إحدى أولياء الأمور إلى وجود قرض تعليمي مسجل باسمها لمدة 12 شهرا بدأ في أبريل، وتم سداد قسط واحد منه، رغم أنها أكدت أنها لم تحصل على أي تمويل وأنها سددت المصروفات الدراسية نقدا.
المفاجأة الأكبر.. مديونية بمليون و200 ألف جنيه
لم تكن المفاجآت متشابهة في قيمتها، إذ كشفت إحدى الحالات عن ولي أمر لديه طفلان بالمدرسة وظهرت باسمه مديونية بلغت مليون و200 ألف جنيه، وهو ما يعكس حجم الخطر الذي يمكن أن تسببه مثل هذه الوقائع على الأسر، خصوصا عندما تظهر التزامات مالية في السجلات الائتمانية دون علم أصحابها، وهنا لم يعد الأمر مجرد تساؤل عن قسط أو قيمة مالية محدودة، بل أصبح متعلقا بالجدارة الائتمانية للمواطن، وما يمكن أن يترتب عليها من آثار عند التعامل مع البنوك وشركات التمويل أو عند محاولة الحصول على تسهيلات مالية جديدة.
كيف بدأت القصة؟
بحسب شهادة إحدى أولياء الأمور، طلبت إدارة المدرسة قبل نحو أربعة أشهر من أولياء الأمور إرسال صور بطاقات الرقم القومي، تحت مبرر تحديث البيانات الخاصة بالطلاب وأولياء الأمور، وبالنسبة إلى الأسر، لم يكن الطلب في حد ذاته مثيرا للشك، باعتبار أن المدارس تحتفظ عادة ببيانات الطلاب وأسرهم ضمن ملفات شؤون الطلبة، لكن لاحقا، أرسلت إدارة المدرسة رسالة عبر البريد الإلكتروني أشارت فيها إلى وجود شركة تمويل يمكن لأولياء الأمور التعامل معها في حال الرغبة في تقسيط المصروفات أو التعثر، وهو ما أكد عدد من أولياء الأمور أنهم لم يطلبوه ولم يترتب عليه أي طلب تمويل منهم.
ومع اكتشاف القروض، تغيرت صورة المسألة بالكامل، وتحولت صور بطاقات الرقم القومي من أوراق إدارية يفترض استخدامها داخل ملف الطالب إلى مستندات أصبحت جزءا من عملية تمويلية محل تحقيقات جنائية ورقابية.
النيابة تكشف الرقم الصادم: 839 عقدا بـ321 مليون جنيه
التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة كشفت أن الواقعة لم تكن مقتصرة على عدد محدود من الحالات، إذ تبين قيام رئيس مجلس إدارة المدرسة بالتعاقد مع إحدى الشركات العاملة في مجال التمويل للحصول على تسهيلات ائتمانية تعليمية بأسماء عدد من أولياء الأمور، مستعينا بصور بطاقات الرقم القومي الخاصة بهم ومستندات تضمنت توقيعات منسوبة إليهم، بما أتاح استكمال إجراءات التعاقد دون علمهم أو موافقتهم.
وبحسب أقوال ممثل شركة التمويل أمام النيابة، أبرمت الشركة مع المتهم، بصفته رئيسا لمجلس إدارة المدرسة، 839 عقدا للحصول على تسهيلات ائتمانية بإجمالي مبلغ 321 مليون جنيه بأسماء عدد من أولياء الأمور.
وهنا تظهر طبيعة القضية وحجمها الحقيقي، إذ لم يعد الحديث عن عقد أو اثنين أو خطأ إداري محدود، وإنما عن مئات العقود ومبلغ مالي ضخم جرى ربطه بأسماء أولياء أمور بحسب ما ورد في التحقيقات.
الأزمة لم تتوقف عند المال
الأثر الأخطر الذي ظهر في التحقيقات هو ترتب آثار ائتمانية على أولياء الأمور الذين استخدمت بياناتهم، رغم عدم تقدمهم بطلبات للحصول على تلك التسهيلات أو موافقتهم عليها، وهذا يعني أن الأزمة لا تتعلق فقط بمطالبة شخص بسداد قرض لم يحصل عليه، وإنما تمتد إلى سجل مالي ودرجة مخاطر ائتمانية قد تتأثر بسبب تعاقدات لم يبرمها بنفسه، فالبيانات الائتمانية أصبحت اليوم جزءا مؤثرا في تعاملات المواطنين، وأي تسجيل غير صحيح يمكن أن يضع صاحب البيانات في مواجهة مشكلات لا علاقة له بها.
الرئيس يوجه بإحالة الواقعة وفحص الحالات المماثلة
في أعقاب تصاعد القضية، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإحالة واقعة مدرسة جلوبال إلى جهات التحقيق، استجابة لمناشدات أولياء الأمور، كما وجه بفحص كافة الوقائع المماثلة وتشديد الرقابة لمنع حدوث وقائع أخرى.
ويعكس هذا التحرك انتقال القضية من نطاق الشكوى الفردية إلى ملف يستدعي مراجعة أوسع للآليات التي تستخدمها المؤسسات في جمع وحفظ وتداول بيانات المواطنين.
الأمن يضبط مالك المدرسة
في الجانب الجنائي، تمكنت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية من تحديد وضبط مالك المدرسة، وتبين أن له معلومات جنائية، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حياله، وبذلك دخل الملف مساره القضائي بصورة مباشرة، مع استمرار التحقيقات للكشف عن كافة الملابسات وتحديد المسؤوليات.
واستجوبت النيابة العامة المتهم وأمرت بحبسه احتياطيا، مع استمرار التحقيقات في الواقعة، ويأتي ذلك في الوقت الذي بدأت فيه تفاصيل العقود والتسهيلات تظهر بصورة أكثر وضوحا، وسط انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات من نتائج بشأن كيفية استخدام البيانات، وكيفية تقديم المستندات والتوقيعات، ومسؤولية الأطراف التي شاركت في عملية التمويل.
التعليم تضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري
على الجانب التعليمي، وجه محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بوضع مدرسة "جلوبال براديم" التابعة لإدارة القاهرة الجديدة التعليمية بمحافظة القاهرة تحت الإشراف المالي والإداري.
وجاء القرار على خلفية وجود مخالفات تتعلق باستغلال البيانات الشخصية لعدد من أولياء الأمور بالمدرسة دون علمهم للحصول على قروض تعليمية لصالح إحدى شركات التمويل الاستهلاكي.
وأكدت الوزارة أن القرار يستهدف ضمان انتظام العملية التعليمية والحفاظ على حقوق الطلاب وأولياء الأمور، في ظل استمرار التحقيقات التي تجريها النيابة العامة والجهات المختصة.
وهنا تحضر نقطة شديدة الأهمية، وهي أن الطلاب يجب ألا يتحملوا تبعات أزمة إدارية أو مالية أو جنائية، ولذلك جاء الإشراف المالي والإداري كإجراء يهدف إلى حماية استقرار العملية التعليمية بالتوازي مع التحقيق في المخالفات.
الرقابة المالية تدخل على خط الأزمة
في تطور مهم، تحركت الهيئة العامة للرقابة المالية بصورة عاجلة، وأعلنت أنها أجرت تحقيقات مكثفة على مدار أربعة أيام منذ رصد المعلومات المتعلقة بالواقعة، وقبل تلقي شكاوى رسمية من بعض أولياء الأمور بشأن تقييماتهم الائتمانية، وشاركت في عمليات الفحص إدارات التمويل غير المصرفي والشكاوى والإلزام ومكافحة غسل الأموال، إلى جانب عمليات تفتيش ميدانية وفحص مباشر وتحقيق مع الأطراف ذات الصلة.
وأعلنت الهيئة أن هذه التحركات أسفرت عن إزالة جميع الآثار السلبية عن أولياء الأمور المتضررين وإلغاء الالتزامات المالية والائتمانية التي لحقت بهم.
وقف عقود تمويل جديدة وملاحقة شركة التمويل
بعد انتهاء أعمال الفحص، اتخذت الهيئة مجموعة من القرارات القوية ضد شركة التمويل الاستهلاكي المعنية بالواقعة، وشملت الإجراءات تحريك الدعوى الجنائية ضد الشركة فيما يتعلق بالمخالفات التي ارتكبتها، ومنعها من إبرام عقود تمويل جديدة لمدة شهر، ووقف تعاملها في منتجات التمويل الخاصة بمصروفات المدارس وعضوية النوادي، كما قررت الهيئة حظر إصدار تمويلات جديدة في هذه المنتجات لحين مراجعتها، مع دعوة الجمعية العمومية للشركة إلى الانعقاد بحضور ممثل عن الهيئة للنظر في المخالفات واتخاذ ما يلزم لتعزيز الرقابة الداخلية.
ولم تتوقف القرارات عند الشركة نفسها، إذ قررت الهيئة أيضا إلغاء ترخيص الرئيس التنفيذي لنشاط التمويل الاستهلاكي، إلى جانب تدابير جزائية أخرى ضد عدد من العاملين في الوظائف الرئيسية بالشركة.
السؤال الذي يطرح نفسه: أين كانت آليات التحقق؟
تكشف الواقعة عن سؤال جوهري في منظومة التمويل: كيف يمكن أن يتم تسجيل مئات العقود باسماء مواطنين دون أن يتم التحقق بصورة حاسمة من هوية طالب التمويل وموافقته الحقيقية؟
الرقابة المالية أكدت أن هناك قواعد ملزمة للاستعلام عن بيانات العملاء وضبط عمليات منح التمويل والاستعلام الائتماني، وأن مخالفة هذه القواعد كانت أحد أسباب التدابير التي اتخذتها الهيئة ضد الشركة، كما أكدت الهيئة ضرورة الالتزام بالضوابط المتعلقة بالتحقق من هوية العملاء وصحة البيانات قبل منح التمويل.
رمز التحقق.. حاجز كان يفترض أن يمنع الكارثة
من بين الضوابط الرقابية التي سلطت الهيئة الضوء عليها ضرورة إرسال رمز تحقق "OTP" إلى رقم الهاتف الخاص بالعميل عند إبرام عقد التمويل، وكذلك عند استخدام التمويل، مع إثبات رمز التحقق لدى جهة التمويل، وتم تصميم هذه الآلية أساسا لمنع حالات انتحال الهوية واستخدام بيانات شخص آخر في إتمام العمليات التمويلية.
وأكدت الهيئة أن باقي الجهات الملزمة بهذه المنظومة لديها فترة لتوفيق أوضاعها تنتهي في يناير المقبل، بما يعزز قدرة شركات التمويل على التأكد من سلامة البيانات ومطابقتها وربط المعلومات الشخصية ببعضها والتحقق من هوية صاحبها.
القضية الأكبر: لمن تعود ملكية البيانات؟
واقعة مدرسة جلوبال فتحت ملفا يتجاوز القروض نفسها، وهو ملف ملكية البيانات الشخصية وحدود استخدامها، شريف سامي، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الأسبق، أكد أن القضية لا تتعلق بالمدرسة وحدها، وإنما تثير مسألة أوسع مرتبطة بحماية البيانات الشخصية وكيفية استخدامها أو تداولها دون الالتزام بالقواعد القانونية، موضحاً أن البيانات الشخصية تتمتع بحماية قانونية، وأن استخدامها في أغراض تمويلية أو تسويقية مختلفة عن الغرض الذي قدمت من أجله يمثل خطرا كبيرا، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببيانات الأسر والطلاب.