كل إنجاز يربكهم.. العميل رضا فهمي.. أحد الأدوات الإخوانية في صناعة الوهم وإعادة تدوير سيناريوهات الفوضى عبر المنصات والتمويل
السبت، 29 أغسطس 2026 09:30 م
العميل رضا فهمي.. أحد الأدوات الإخوانية في صناعة الوهم وإعادة تدوير سيناريوهات الفوضى عبر المنصات والتمويل
الجماعة تفشل في فرض روايتها الكاذبة وتعوضها بصياح متواصل وخطة إعادة إنتاج السيناريوهات القديمة
في حسابات جماعة الإخوان الإرهابية، لم يعد المصريون وحدهم هم الهدف؛ بل النجاح نفسه هدفًا.. مشروع جديد، إنجاز في ملف استراتيجي، خطوة على طريق الاستقرار، أو انفراجة تنتزع من المواطن شعورًا بأن بلاده تتحرك إلى الأمام، كلها وقائع تستفز خطابًا يعيش على إنتاج الإحباط وتوسيع مساحات الشك.
تلك هي المعضلة التي تكشفها متابعة خطاب التنظيم ومنصاته في الخارج: "مصر التي تتقدم تربك تنظيمًا راهن طويلًا على مصر المتعثرة"، فكل واقع جديد على الأرض يفتح سؤالًا داخل روايتهم القديمة؛ أين الدولة التي قالوا إنها عاجزة؟ أين الشارع الذي انتظروا انفجاره؟ وأين اللحظة التي بنوا عليها حسابات العودة؟
بدلًا من مواجهة هذه الأسئلة، تتجه ماكينة التنظيم إلى معركة أخرى: تفريغ الإنجاز من قيمته، وتضخيم كلفته، واقتناص الأخطاء المحيطة به، وتحويل الأزمات التي تحتاج إلى حلول ومعالجات إلى أدوات لإشاعة اليأس، والمواطن هنا ليس طرفًا في نقاش سياسي حقيقي بقدر ما يصبح هدفًا لمحاولة مستمرة: إبقاؤه غاضبًا، فاقدًا للثقة، وناظرًا إلى بلده من خلال عدسة سوداء تصنعها منصات التنظيم في الخارج.
وفي وسط هذا العبث، يظهر رضا فهمي كنموذج فاقع لهذا الرهان، القيادي الإخواني الإرهابى الهارب، الذي خرج من تجربة الجماعة في الحكم إلى ساحات التنظيم في الخارج، يشغل اليوم موقع رئيس المكتب السياسي لما يسمى «ميدان»، ويقدم نفسه عبرها باعتباره صاحب مشروع سياسي جديد، بينما تكشف مسيرته واتصالاته وخطابه استمرارًا للرواية القديمة نفسها، لا مراجعة حقيقية لها، وقد ظهر «ميدان» خلال العامين الأخيرين كواجهة جديدة تقدم خطابًا سياسيًا من الخارج، فيما تشير تقارير وتحليلات منشورة إلى صلات بين قياداتها ومسارات سابقة داخل التنظيم، والأكثر فجاجة أن فهمي لا يكتفي بإعادة تقديم الماضي، وإنما يحاول اكتساب وزن من البيئة الخارجية نفسها؛ مؤتمرات وكيانات وواجهات وشعارات سياسية تُقدَّم باعتبارها أدوات لصناعة تأثير جديد، بينما تكشف النتائج المحدودة لتحركات «ميدان» عن فجوة واضحة بين الضجيج الذي تصنعه في الخارج والقدرة الفعلية على تحريك الشارع في الداخل، تقارير حديثة تحدثت عن محاولات حشد خارج مصر انتهت باستجابة محدودة، وهو ما يكشف حدود الرهان على المنصات والواجهات الخارجية.
والأكثر دلالة أن هذه الحملات، ضد مصر التي تقودها الإخوان الإرهابية وعدد من أذرعها من بينها "ميدان"، تكشف مأزقًا يتجاوز الهزيمة السياسية القديمة، تنظيم خرج من الحكم ولم يستطع استعادة ثقة المجتمع، يجد نفسه مضطرًا إلى مراقبة المشهد من الخارج وانتظار اللحظة التي تمنحه فيها أزمة ما فرصة جديدة للحضور، ومع كل خطوة تتقدم بها الدولة، تتراجع قيمة هذا الرهان، ويصبح الفرق بين ما تقوله أبواق الجماعة وما يراه المواطن بعينيه أكثر وضوحًا.
من هنا تبدأ الحكاية: ماذا يحدث لتنظيم جعل من تعثر الدولة فرصة للعودة، حين تستمر الدولة في التحرك؟ وكيف تحوّل النجاح المصري من واقع يُقاس على الأرض إلى مصدر دائم لارتباك خطاب الإخوان؟.. إنها ليست قصة خصومة عابرة مع إنجاز أو مشروع، وإنما قصة تنظيم صار مضطرًا إلى محاربة الصورة التي تكشف عجزه عن تقديم صورة بديلة.
نجاح مصر يهزم رواية الإرهابية
المشكلة الحقيقية التي تواجه خطاب الإخوان اليوم لا تكمن فقط في ابتعاد الجماعة عن المشهد السياسة، وإنما في صعوبة استمرار الرواية التي بنت عليها خطابها خلال سنوات طويلة، رواية تقوم على صورة دولة مأزومة، ومجتمع فاقد للثقة، ومستقبل مغلق، مع رهان دائم على أن تراكم الأزمات يمكن أن يتحول في لحظة ما إلى نافذة تعيد التنظيم إلى المشهد؛ لكن الوقائع على الأرض لا تسير دائمًا وفق هذا السيناريو.
المؤكد أن كل تقدم تحققه الدولة في ملف من الملفات يفتح ثغرة في هذه الرواية؛ لأن الإنجاز يخرج النقاش من مساحة الأمنيات والتوقعات إلى مساحة الوقائع التي يستطيع المواطن أن يراها ويقيس أثرها، ومؤسسات دولية تشيد بها، ومع كل مشروع يكتمل، أو ملف يتحرك، أو خطوة تعزز قدرة الدولة على إدارة أحد تحدياتها، تصبح مهمة المنصات الإخوانية أكثر صعوبة: كيف تُقنع جمهورها بأن الطريق مسدود بينما الواقع يقدم صورة أكثر تعقيدًا؟
وهنا تبدأ ماكينة التشكيك عملها، فالإنجاز لا يُناقش باعتباره إنجازًا يحتاج إلى تقييم، وإنما يجري البحث عن زاوية تقلل من أثره، أو تحميله كل أوجه القصور الموجودة في الدولة، أو اختزال أي خطوة إيجابية في اتهام سياسي جاهز؛ أما المشكلات الفعلية، التي تحتاج بطبيعتها إلى نقد ومساءلة وحلول، فتتحول إلى مادة مفتوحة للتضخيم وإعادة التدوير، بحيث يبدو للمواطن أن الأزمة هي القاعدة، وأن أي تحسن مجرد استثناء عابر.
وتكشف هذه الطريقة في التعامل مع الواقع مأزقًا سياسيًا أكثر عمقًا؛ فالجماعة التي يفترض أنها تريد استعادة ثقة المصريين مطالبة، نظريًا، بتقديم تصور مختلف لإدارة الدولة، وطرح بدائل قابلة للنقاش، وإقناع المجتمع بأنها تعلم أين أخطأت وكيف يمكنها أن تفعل بصورة أفضل؛ لكن الخطاب الذي يكتفي بملاحقة أخطاء الدولة والتشكيك في كل خطوة لا يقدم بديلًا؛ إنه يكتفي بإدارة الغضب وانتظار اللحظة المناسبة للاستفادة منه.
وهنا تتضح الفجوة بين المعارضة السياسية والاشتغال على الإحباط. فالمعارضة تناقش القرار وتفكك أسبابه وتطرح بديلًا يمكن محاسبته، بينما خطاب الجماعة الإرهابية يبدأ غالبًا من النتيجة التي يريدها، ثم يعيد ترتيب الوقائع لخدمتها: الدولة مخطئة، والإنجاز مشكوك فيه، والأزمة أكبر من أي معالجة.
المواطن المصري، في المقابل، يرى ما يحدث على الأرض؛ يلمس المشروعات والخدمات، ويواجه الأسعار والضغوط ومشكلات الحياة اليومية، ويقارن بين ما يسمعه وما يراه؛ لذلك لم يعد من السهل دفعه إلى رواية واحدة تختزل المشهد كله في الفشل.
وهنا مأزق التنظيم: الأزمة بالنسبة إليه ليست مجرد مشكلة تواجه الدولة، بل فرصة سياسية محتملة؛ فكل تعثر يمكن توظيفه لضرب الثقة، وكل مساحة غضب يمكن تحويلها إلى وقود للتحريض؛ لكن هذه المعادلة تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا: دولة تواجه أزمات وتحقق في الوقت نفسه تقدمًا، ومواطن ينتقد أداء الحكومة من دون أن يقبل طرح الإخوان.
لهذا يصبح أي نجاح تحققه الدولة تهديدًا لهذه الرواية؛ لأنه يؤكد أن الأزمات وحدها لا تنتج عودة سياسية، وأن انتقاد السياسات لا يعني استعادة الثقة في الجماعة، والمعركة هنا على تفسير الواقع: هل كل أزمة تعني انهيارًا، أم أن الدولة يمكن أن تتعثر وتنجح في الوقت نفسه؟ وكلما امتلك المواطن قدرته على التمييز بين ما تحقق وما لم يتحقق، تراجعت قدرة التنظيم على احتكار رواية المشهد.
وهنا تحديدًا يبدأ ارتباك الإخوان: ليس لأن مصر بلا أزمات، وإنما لأن الأزمات وحدها لم تعد كافية لصناعة الصورة التي يحتاجها التنظيم للعودة.
عندما يصبح الأمل خطرًا على التنظيم
تبدأ الأزمة عند جماعة الإخوان الإرهابية من حيث تنتهي عند الإعلام المهني: من نتيجة جاهزة إلى قصة يجري تفصيلها حولها، لقطة من أزمة، تصريح غاضب، مشهد لمعاناة مواطن، أو قرار يثير الجدل؛ بعدها تبدأ ماكينة المعالجة في انتقاء أكثر التفاصيل إثارة، وفصلها عن سياقها، ومنحها مساحة أكبر من حجمها، ثم بناء رواية كاملة حولها، وهو نمط يظهر في معالجة منصات إخوانية للأزمات الداخلية، حيث يُعاد تدوير الوقائع المجتزأة وإطلاق التعليقات عليها قبل اكتمال الصورة والمعلومات الموثوقة.
والمشهد هنا لا يتوقف عند الخبر، الشاشة تبحث عن أثر سياسي؛ مذيع يرفع سقف الانفعال، عنوان يختار الكلمات الأكثر استفزازًا، ضيف يعيد تفسير الواقعة باعتبارها دليلًا على فشل أوسع، ثم تنتقل المادة إلى المنصات الرقمية لتعاد صياغتها في صورة منشورات ومقاطع قصيرة وأسئلة مصممة لإبقاء الغضب حيًا، وبهذه الطريقة تتحول الأزمة من مشكلة محددة إلى حالة نفسية مستمرة.
وفي الملف الاقتصادي تحديدًا، تتكرر قاموسية جاهزة: انهيار، إفلاس، سقوط، هروب، عجز.. مفردات تتقدم على الأرقام، وتُستخدم لتثبيت نتيجة قبل فحص البيانات، وقد رصدت تغطيات صحفية حديثة تكرار هذه اللغة في تناول إعلام الإخوان للاقتصاد المصري، حتى مع تغير المؤشرات باعتراف مؤسسات دولية أشادت بالاستقرار رغم التحديات الإقليمية، والظروف من أزمة إلى أخرى.
المشكلة هنا ليست في عرض معاناة المواطن؛ فالمواطن من حقه أن يغضب ويطالب ويحاسب، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية تستحق تغطية جادة. المشكلة في تحويل المعاناة إلى مادة خام للتحريض، بحيث يصبح المطلوب من المواطن ليس أن يعرف المشكلة أو يطالب بحلها، وإنما أن يظل غاضبًا منها، وأن يرى كل أزمة باعتبارها برهانًا على سقوط الدولة.
وهذه هي المنطقة التي يصبح فيها الأمل خطرًا على التنظيم؛ لأن معالجة الأزمة تنهي مساحة التحريض، واحتواء المشكلة يسحب منها قوتها الدعائية، ونجاح الدولة في تجاوزها يضرب الرواية التي تقوم على أن الأزمات تتراكم بلا نهاية.
لذلك تبدو المعركة الحقيقية مع خطاب الإخوان معركة على المعنى الذي يُمنح للحدث، والأزمة عند المواطن مشكلة يريد لها حلًا؛ أما عند ماكينة التنظيم فتتحول إلى فرصة لبناء رواية عن العجز والانهيار× والمفارقة أن المواطن يستطيع أن يرى الأمرين معًا: أزمة حقيقية تحتاج إلى معالجة، ودولة يمكن أن تخطئ وتصحح وتنجح في ملفات أخرى.
وهنا يتراجع مفعول الدعاية؛ لأن المواطن الذي يقرأ الواقع بعينيه يصبح أصعب من أن يُحاصر داخل الصورة التي تصنعها شاشة من الخارج، والمؤكد أن الإخوان يحتاجون إلى أزمة أكبر من حقيقتها كي يصنعوا منها أملًا بالعودة؛ بينما الدولة تحتاج إلى حل المشكلة كي تنتهي الأزمة أصلًا، وبين المنطقين تتكشف المسافة الفاصلة بين من يريد معالجة أوجاع المواطن ومن يريد استثمارها.
كيف تدير منصات الإخوان أزماتها؟
يكفي تتبع عناوين برامج الإخوان ومنصاتهم خلال أسابيع قليلة لاكتشاف طريقة المعالجة: لا أزمة منفردة تعيش منفردة، ولا واقعة تبقى داخل حدودها.. حادث محلي يدخل إلى جانب ارتفاع الأسعار، ومشكلة خدمية تُجاور أزمة اقتصادية، وملف إقليمي يُضم إلى أزمات الداخل، ثم تُجمع كلها تحت عنوان واحد يوحي بأن مصر تعيش أزمة مفتوحة ومتعددة الجبهات.
في «مكملين» مثلًا، تتكرر في عناوين برنامج «مصر النهارده» مفردات من نوع «تفاقم الأزمات»، و«أزمات الداخل»، و«الأزمات المعيشية»، و«أزمة الديون» و«فشل المشروعات»، بينما جرى تقديم حلقة كاملة تحت عنوان «شهر الأزمات» جمعت ملفات الضبعة والنيل والاقتصاد والتطورات الإقليمية في سلة واحدة.
المغزى هنا ليس مجرد كثرة الموضوعات، وإنما طريقة تركيبها، فالخبر لا يُترك ليشرح نفسه، بل يدخل في سياق جاهز مسبقًا: أزمة وراء أزمة، وملف فوق ملف، حتى يبدو المشهد النهائي أكبر من مجموع الوقائع التي يتكون منها.. ارتفاع سعر أو مشكلة خدمة لا يعود واقعة تحتاج إلى تفسير، وإنما يصبح جزءًا من صورة أوسع عن «تدهور الأوضاع».
وتكشف حلقات أخرى النمط نفسه بصورة أوضح، واقعة الإسماعيلية، مثلًا، لم تُعرض باعتبارها حادثًا يحتاج إلى كشف ملابساته، وإنما رُبطت مباشرة بالفقر والإهمال وغياب المحاسبة، ثم أُضيفت إليها ملفات أخرى داخل الحلقة نفسها، وفي تناول أسعار الكهرباء، جرى وضع الزيادة ضمن سردية أوسع عن الأوضاع المعيشية والاقتصاد والسياسات العامة.
وهنا تتحول المعالجة إلى بناء تراكمي: الواقعة الأولى تمنح الثانية معناها، والثانية تدعم الثالثة، وفي النهاية يصبح المطلوب من المشاهد ألا ينظر إلى كل ملف بحدوده وأسبابه، بل إلى حصيلة انفعالية واحدة عنوانها «الأزمة».
حتى الموضوعات التي تحمل أساسًا حقيقيًا لمعاناة المواطنين لا تُترك في مساحتها الطبيعية، مثلاً: «فجوة القمح»، وارتفاع الأسعار، وأزمة المعاشات، ومشكلات الخدمات، كلها حاضرة في واجهة «وطن» بصياغات تضع المواطن مباشرة في مواجهة الأزمة، بينما تُقدَّم الملفات السياسية والأمنية في الإطار نفسه.
وهنا تكمن قوة هذا النوع من الخطاب وخطورته في الوقت نفسه: ليس مطلوبًا اختلاق كل الوقائع حتى تُصنع رواية مضللة؛ يكفي اختيار وقائع حقيقية، وربطها بطريقة تدفع المتلقي إلى استنتاج أكبر منها.
المشكلة الاقتصادية حقيقية؟ نعم، هناك ضغوط معيشية؟ نعم.. توجد أخطاء وملفات تحتاج إلى معالجة؟ بالتأكيد؛ لكن القفزة التي تصنعها ماكينة الإخوان هي الانتقال من هذه الحقائق الجزئية إلى نتيجة شاملة: الدولة تفشل، الأزمة تتفاقم، ولا أفق للإصلاح، وهنا يظهر الفارق بين تغطية الأزمة والمتاجرة بها، فالتغطية المهنية تضع الواقعة في سياقها، تبحث عن أسبابها، وتستمع إلى أطرافها، وتقيس حجمها الحقيقي، أما خطاب التنظيم فيبدو معنيًا أكثر بصناعة الحالة النفسية التي تتركها الواقعة لدى المتلقي.
ولهذا لا تنتهي القصة بانتهاء الخبر، الأزمة تنتقل من الحلقة إلى المقطع القصير، ومن المقطع إلى المنشور، ومن المنشور إلى نقاش جديد، لتظل الفكرة الأساسية حاضرة حتى بعد انتهاء الحدث.. إنها ماكينة لا تحتاج إلى أن تقنع المواطن بأن مصر بلا إنجازات؛ يكفيها أن تغرق هذه الإنجازات تحت سيل متواصل من الأزمات.
وهنا بالضبط يصبح نجاح الدولة مشكلة للخطاب الإخواني: لأن رواية الانهيار تحتاج إلى مشهد متصل من التعثر، بينما الواقع أكثر تركيبًا؛ فيه أزمة، وفيه معالجة، وفيه نجاح وإخفاق، وفيه دولة تواجه ضغوطًا وتواصل العمل في الوقت نفسه.. المعركة إذن ليست على الخبر وحده؛ وإنما على الصورة التي تبقى في ذهن المواطن بعد أن تنتهي الأخبار.
كيف تصنع منصات الإخوان «الحقيقة الجاهزة»؟
المشكلة في خطاب منصات الإخوان المضللة لا تتعلق فقط بما تنقله، وإنما بالطريقة التي تُحوِّل بها الواقعة إلى اتهام مكتمل قبل اكتمال التحقق.. خبر عن مشكلة، ومنشور عن شكوى، أو رواية متداولة؛ ثم سرعان ما يظهر المكان والفاعل والدافع، ويُطلب من المتلقي التعامل مع القصة باعتبارها حقيقة نهائية، حتى عندما تسقط التفاصيل الأساسية أمام أول اختبار بسيط للوقائع.
المثال الأوضح ظهر في واقعة حديث لجان إلكترونية تابعة للجماعة الإرهابية عن تعنت مزعوم في تسليم الأدوية لأهالي نزلاء «سجن العقرب»، وهو ادعاء قُدم باعتباره واقعة راهنة، لكن الرد الرسمي الصادر في 25 أغسطس 2026 كشف نقطة أكثر بداهة: "السجن نفسه هُدم منذ سنوات"، ما يعني أن الرواية المتداولة قامت على مكان لم يعد موجودًا أصلًا.
وهنا لا نتحدث عن خطأ في تفصيلة جانبية، وإنما عن سقوط الأساس الذي بُنيت عليه القصة، فقبل السؤال عن التعذيب أو منع الدواء أو طريقة معاملة النزلاء، كان السؤال الأسبق: أين حدث ذلك؟ ومتى؟ وهل المكان الذي تتحدث عنه الرواية ما زال قائمًا؟ أسئلة يفترض أن تحسمها أبسط قواعد التحقق، لكنها غابت عن الرواية المتداولة.
والأكثر دلالة أن «العقرب» ليس اسمًا عابرًا في الذاكرة الإعلامية؛ بل اسم يحمل شحنة سياسية ووجدانية قوية، ولذلك فإن استدعاءه يوفر للقصة تأثيرها قبل قراءة تفاصيلها.. فالاسم نفسه يصبح أداة إيحاء، ويكفي تداوله حتى يستدعي لدى المتلقي صورة ذهنية سابقة، ثم تأتي الرواية الجديدة لتُبنى فوقها.
وهذه الطريقة تكشف آلية أوسع في خطاب التنظيم: "حين تكون المعلومة وحدها غير كافية، يُستدعى السياق القديم ليمنحها قوة إضافية، الواقعة لا تُقدم منفصلة، وإنما تُربط تلقائيًا بصورة أقدم عن القمع أو التعذيب أو الإخفاء أو سوء المعاملة، فيصبح المطلوب من الجمهور تصديق القصة لأنّها «تشبه» ما سمعه من قبل.
وهنا يتحول الشك من أداة للتحقق إلى أداة للإدانة، بدل أن تقول المنصة: «هناك ادعاء يحتاج إلى التحقق»، يصبح السؤال: «ماذا يفعلون بهذه الفئة؟» وبدل أن تبحث عن المستند أو المصدر أو التوقيت، تنتقل مباشرة إلى النتيجة، الاتهام يسبق الدليل، والسردية تسبق التحقيق.
وهذه الآلية أخطر من مجرد نشر معلومة خاطئة؛ لأنها تسمح بإطالة عمر الرواية حتى بعد انكشاف خللها، ويكفي حذف التفاصيل الضعيفة، وإبقاء العنوان والمشهد والانطباع العام، ثم إعادة تدويرها في مناسبة أخرى، لتعود القصة إلى التداول من جديد، وهنا تصبح مهمة المنصة مختلفة عن مهمة الصحافة: الصحافة تبدأ من سؤال «ماذا حدث؟»، بينما هذا النوع من الخطاب يبدأ أحيانًا من إجابة جاهزة ثم يبحث عن قصة تناسبها.
والنتيجة أن المواطن لا يحصل على واقعة قابلة للفحص بقدر ما يحصل على رواية مكتملة العناصر: "متهم، وضحية، ودافع خفي، وحكم أخلاقي وسياسي، وكلما كانت الرواية أكثر إثارة، زادت قابليتها للانتشار، حتى لو كانت الحقيقة نفسها أبسط بكثير".
وهذه ليست مشكلة خبر واحد، وإنما طريقة في بناء المحتوى؛ طريقة تجعل الشبهة أقوى من التصحيح، والانطباع أسرع من التحقق، والاتهام أقدر على الانتشار من الحقيقة، وفي هذه النقطة تحديدًا تتكشف أزمة خطاب الإخوان: حين يصبح الواقع غير كافٍ لصناعة الرواية المطلوبة، يتم اللجوء إلى الذاكرة، والإيحاء، والاتهام، حتى تبدو الحكاية مكتملة قبل أن تبدأ الأسئلة.
منصات الإرهابية تبحث عن شرعية
حين تضيق مساحة التأثير في الداخل، تبدأ جماعة الإخوان الإرهابية في البحث عن شاهد من الخارج: خبير، باحث، منظمة، برلماني أو منصة أجنبية، ثم تعيد تقديم رأيه للمصريين باعتباره شهادة محايدة تؤكد روايتها، وهكذا يتحول الخارج في خطاب التنظيم من مساحة للنقاش إلى أداة لإنتاج شرعية بديلة؛ فبدل أن تسأل المنصة: ماذا تقول الوقائع؟ يصبح السؤال: من قال مثلنا في الخارج؟
تقوم الفكرة على منح الرأي الخارجي وزنًا أكبر من مضمونه، تصريح لمسؤول أجنبي يتحول إلى عنوان، قراءة لباحث تصبح «شهادة دولية»، وموقف لمنظمة يتحول إلى حكم شامل على المشهد المصري، وفي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في نقل الموقف ذاته، وإنما في اقتلاعه من سياقه وتقديمه كأنه إجماع دولي، بينما هو في الحقيقة رأي صاحبه أو موقف جهة محددة.
وهذه الآلية تمنح الخطاب الإخواني ما يفتقده في الداخل: مسافة جغرافية تُستخدم كبديل عن المسافة السياسية، فالمشاهد لا يسمع فقط رواية جماعة فقدت قدرتها على التأثير داخل مصر، وإنما يسمع «خبيرًا أجنبيًا» أو «جهة دولية» تتحدث بالعبارات نفسها، فتتغير صورة الرسالة في ذهن المتلقي، ويجري تقديمها كأن الخارج اكتشف ما تريد الجماعة منه أن يصدقه.
الأكثر دلالة أن المنصة لا تحتاج إلى إثبات أن المتحدث يمثل الخارج كله؛ يكفي أن يكون صوته مناسبًا للرواية، رأي واحد يمكن أن يصبح «المجتمع الدولي»، وتصريح منفرد يتحول إلى «تحذير عالمي»، ومقال محدود الانتشار يقدم باعتباره كشفًا لحقيقة لا يريد أحد الاعتراف بها.
رضا فهمى.. مقاول الازمات
وبالعودة إلى الإرهابى الهارب رضا فهمى، الذى يشغل موقع رئيس المكتب السياسي لما يسمى «ميدان»، فهو هنا ليس مجرد اسم في هامش المشهد؛ بل نموذج لطريقة تفكير كاملة: إذا تعذر فرض الرواية على المصريين، يمكن محاولة تسويقها في الخارج؛ وإذا لم تمنح التجربة السابقة التنظيم شرعية جديدة، يمكن إعادة تغليفها بمسميات مثل «ميدان» و«التغيير» و«المستقبل»؛ وإذا أصبح الماضي عبئًا، تُعاد صياغته بلغة جديدة دون تغيير جوهره.
لكن الخارج لا يمنح الشرعية لمن فقدها في الداخل، فالمؤتمر ليس تفويضًا شعبيًا، والظهور أمام جهة أجنبية ليس اعترافًا سياسيًا، والصدى الذي تصنعه منصات الشتات لا يساوي حضورًا في الشارع المصري.
وهنا تتضح قيمة هذا الرهان وحدوده في آن واحد، فالإخوان يحاولون تحويل الشهادة الخارجية إلى بديل عن الاختبار الحقيقي؛ بدلًا من أن يسألوا ماذا تبقى من قدرتهم على إقناع المصريين، يسألون من الخارج: من يمكن أن يتحدث باسمنا؟ وبدلًا من تقديم مراجعة لتجربة الحكم، يبحثون عن منبر يكرر روايتهم؛ وبدلًا من مواجهة أسباب تراجعهم، يحاولون تعويضها بحضور شكلي في عواصم ومنظمات وفعاليات.
ولهذا يبدو رضا فهمي في هذا السياق أكثر من مجرد قيادي إخواني يعيش خارج مصر؛ إنه عنوان لرهان التنظيم على الخارج كلما ضاقت أمامه منافذ الداخل، محاولة تبديل اللافتة لا تغير حقيقة الفكرة، والمؤتمر لا يصنع قاعدة شعبية، والمنصة لا تخلق شرعية من فراغ.
والمؤكد أن ما عجز الإخوان عن فرضه في مصر، لن يصبح حقيقة لمجرد أنهم وجدوا له منصة في الخارج، وما سقط من حسابات المصريين لا تعيده شهادة أجنبية، ولا مؤتمر، ولا واجهة جديدة تحمل اسمًا مختلفًا.