يوسف أيوب يكتب: من العلمين.. محاولة جديدة لإنقاذ المسار الفلسطيني
السبت، 29 أغسطس 2026 08:07 م
خريطة طريق مصرية للمرحلة المقبلة: وقف الحرب.. إعمار غزة.. مصالحة فلسطينية.. دولة مستقلة
القاهرة تحاصر مخطط التقسيم وتفتح مساراً جديداً للقضية.. وتؤكد: فلسطين مفتاح أمن الشرق الأوسط
رهان على الدبلوماسية لحل الازمات والحروب الأقليمية.. ومنع اتساع الحرب.. وتحذير من الدخول في حرب مفتوحة
العقيدة المصرية الراسخة، أنه لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط من دون حل القضية الفلسطينية، ولا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، عاصمتها القدس الشرقية، لذلك فمهما تعددت الأزمات الأقليمية، لم تتخلى مصر مطلقاً عن فلسطين، وقضيتها التي تأتى في صدارة الاهتمامات المصرية، ولم تغب القضية الفلسطينية يوماً عن حسابات الدولة المصرية، حتى في أصعب اللحظات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. فبينما تتوالى الأزمات من غزة إلى إيران، ومن البحر الأحمر إلى لبنان وسوريا، تظل فلسطين بالنسبة إلى القاهرة قضية مركزية لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها أزمة مؤقتة تنتهي بانتهاء جولة من التصعيد.
ومن هذه العقيدة تتحرك القاهرة في أكثر من اتجاه، بدءاً من العمل على تثبيت الهدوء في قطاع غزة، مروراً بإدخال المساعدات وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، وصولاً إلى دفع الفصائل الفلسطينية نحو المصالحة والاستعداد لمرحلة سياسية جديدة.
وفي الأيام الأخيرة، استضافت مدينة العلمين الجديدة تحركات واتصالات مكثفة بين الفصائل الفلسطينية، في مشهد يعكس حجم الدور الذي تلعبه مصر في محاولة ترتيب البيت الفلسطيني، والمسألة هنا بالنسبة إلى القاهرة لا تتوقف عند تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بقطاع غزة، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، عنوانها الرئيسي، كيف سيكون شكل غزة بعد الحرب؟ ومن سيدير القطاع؟ وكيف يمكن إعادة ربطه سياسياً ومؤسسياً بالضفة الغربية؟ وكيف يمكن إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي استمر لسنوات؟.
هذه أسئلة تلخص الهدف الذى تسعى له القاهرة، خاصة مع الحديث عن الانتقال إلى مرحلة جديدة تتطلب إدارة فلسطينية للقطاع، وإعادة الخدمات، وبدء عملية التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب ترتيبات أمنية وسياسية أكثر تعقيداً، وهنا تحاول الدولة المصرية أن تضع هذه الملفات جميعاً داخل إطار واحد، بحيث لا تتحول ترتيبات غزة إلى حل منفصل عن القضية الفلسطينية، ولا يصبح القطاع كياناً منفصلاً عن الضفة الغربية، بل جزء أساسى من الدولة الفلسطينينة، لأن المعادلة المصرية شديدة الوضوح.. غزة والضفة الغربية وحدة جغرافية وسياسية واحدة، وهو ما يتم التأكيد عليه بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وتمكين السلطة من الاضطلاع بمسؤولياتها، وعدم السماح بفرض ترتيبات تؤدي إلى فصل القطاع عن باقي الأراضي الفلسطينية.
ولهذا، فإن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مجرد عملية اقتصادية، وإدارة القطاع لا يمكن أن تكون مجرد ترتيبات أمنية، ووقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون نهاية المطاف، بل المطلوب أن يتم التعامل مع كل هذه الخطوات باعتبارها بداية لمسار سياسي يؤدي في النهاية إلى الدولة الفلسطينية المستقلة.
ولإن المصالحة الفلسطينية، تبقى هي الطريق الأصعب، فإن مصر تركز عليها بشكل كبير، للوصول إلى صيغة فلسطينية تسمح بتوحيد المؤسسات والقرار السياسي، وتهيئة الأجواء أمام الانتخابات التشريعية والاستحقاقات السياسية المقبلة، ومن هنا ينظر إلى توافد الفصائل الفلسطينية على مصر، من زاوية أوسع، وهى إعادة بناء مظلة سياسية فلسطينية قادرة على التعامل مع المرحلة المقبلة، لأن القاهرة ترى، عن حق، أن وجود موقف فلسطيني أكثر توحداً سيجعل التعامل مع المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية أكثر فاعلية، ويمنح أي مفاوضات مستقبلية عنواناً فلسطينياً واضحاً.
والأسبوع الماضى، استقبل الوزير، حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة، وفد السلطة الفلسطينية برئاسة نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ ومشاركة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح ورئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، وجاء هذا اللقاء في إطار الجهود المصرية المبذولة لجمع الشمل الفلسطيني، حيث نقل الشيخ تحيات الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، كما تم مناقشة تطورات الأوضاع في الضفة الغربية، والاستحقاقات الانتخابية الفلسطينية القادمة.
وخلال اللقاء تم التوافق على توحيد الجهود الوطنية لمواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية خلال المرحلة الراهنة.
وقبلها باسبوع استقبل الوزير حسن رشاد وفد قيادي من حركه حماس بقياده رئيس المكتب السياسي خليل الحيه لبحث استكمال مقررات قمه شرم الشيخ، وتناول اللقاء بحث سبل استكمال تنفيذ مقررات قمة شرم الشيخ للسلام وخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث ثمنت حركه حماس الجهود المصريه لتثبيت الاستقرار في قطاع غزة، والحفاظ على مقدرات الشعب الفلسطيني، كما أكدت الحركة التزامها باستكمال خطه الرئيس ترامب لإنهاء معاناه المواطنين والبدء في إعادة الإعمار.
ومساء الأثنين الماضى، استقبل الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية، وفد السلطة الفلسطينية، برئاسة حسين الشيخ، حيث تناول اللقاء الأوضاع الكارثية الحالية في قطاع غزة نتيجة الممارسات الاسرائيلية اللانسانية هناك، والأهمية البالغة لقيام المجتمع الدولي بالضغط علي إسرائيل لتنفيذ التزاماتها طبقا لخطة الرئيس ترامب للسلام بما في ذلك تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتنفيذ الانسحابات من قطاع غزة وبما يمهد لعودة السلطة الفلسطينية للاضطلاع بكامل مسؤولياتها في قطاع غزة، كما تناول اللقاء التطورات الخطيرة في الضفة الغربية في ظل الاعتداءات اليومية والممنهجة للمستوطنين ضد المدنيين الأبرياء من الفلسطينيين.
وخلال هذا اللقاء، جدد عبد العاطي إدانة مصر الكاملة ورفضها التام والقاطع لكافة الإجراءات الاسرائيلية غير القانونية والتي تستهدف فرض واقع جديد على الأرض أو تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية، وشدد على ضرورة الحفاظ على وحدة قطاع غزة والضفة الغربية، وتهيئة أفق سياسي جاد يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية.
كما تناول اللقاء الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الفلسطينية واستعادة وحدة الصف الفلسطيني، فضلا عن مواصلة عملية الإصلاح السياسي الجارية، حيث أعرب حسين الشيخ، عن التقدير البالغ للدور المصري المحوري في دعم القضية الفلسطينية والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مثمناً الجهود والاتصالات التي تضطلع بها مصر لوقف التصعيد ودفع تنفيذ خطة السلام ودعم السلطة الفلسطينية، ومؤكداً الحرص على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق مع مصر خلال المرحلة المقبلة.
هذه اللقاءات تحمل كثير من التفاصيل حول التحركات المصرية.
وفي المقابل، ترى القاهرة أن أي حديث عن السلام سيظل ناقصاً إذا استمر تغيير الواقع على الأرض في الضفة الغربية، لهذا تضع مصر ملف الاستيطان في مقدمة تحركاتها الدبلوماسية، خاصة مشروع E1 الذي ترى أنه يمثل خطراً مباشراً على إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
والمخاوف المصرية لا تتعلق فقط ببناء مستوطنات جديدة، وإنما بما يمكن أن يترتب عليها من تقطيع أوصال الضفة الغربية، وعزل القدس الشرقية، وتحويل فكرة الدولة الفلسطينية إلى مجرد جزر منفصلة يصعب جمعها في كيان واحد، ومن هنا جاء الرفض المصري القاطع للتوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين والانتهاكات في القدس الشرقية والمسجد الأقصى.
فالقاهرة تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها محاولة لتغيير الحقائق التي يفترض أن تحسمها المفاوضات، وليس فرضها بالأمر الواقع.
وبالعودة إلى خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوضع في غزة، فإنها تدخل في الوقت الراهن مرحلة الاختبار الحقيقي، لإن الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية يعني الدخول في ملفات أكثر صعوبة، تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح الفصائل، وإدارة القطاع، وإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن، وهنا تتحرك مصر بالتنسيق مع الولايات المتحدة وقطر وتركيا، في محاولة لتقريب وجهات النظر ومنع انهيار التفاهمات، ورأينا تأكيد الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية، قبل أيام، بأن الكرة أصبحت في الملعب الإسرائيلي لتنفيذ الالتزامات المرتبطة بخطة السلام، بعدما أبدت الفصائل الفلسطينية استجابة إيجابية لخارطة الطريق.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه مصر بشأن غزة، تتابع أيضاً بحذر شديد تطورات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهنا الموقف المصرى يقوم على ضرورة استمرار الحوار والدبلوماسية، وتجنب التصعيد، ومنع اتساع رقعة المواجهة، لانها ترى أن أي حرب إقليمية واسعة لن تقتصر نتائجها على أطرافها المباشرة، وإنما ستنعكس على أمن المنطقة بأكملها، وعلى الملاحة الدولية والطاقة والتجارة.
وتكتسب حرية الملاحة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، في ظل الدور الحيوي الذي تلعبه قناة السويس في حركة التجارة العالمية، وأيضاً تأثيراتها المباشرة على الاقتصاد العالمى، وخاصة أسعار البترول، التي تتأرجح صعوداً وهبوطاً، ارتباطاً باخبار المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
ومن هنا تتمسك القاهرة بالتهدئة والحوار، سواء في القضية الفلسطينية أو في الملفات الإقليمية الأخرى، وهدفها ليس فقط منع حرب جديدة، وإنما منع تحول الشرق الأوسط إلى مجموعة من الصراعات المفتوحة التي يصعب احتواؤها.