«دبلوماسية التنمية المصرية» تُنير أفريقيا
السبت، 29 أغسطس 2026 09:00 م
السد التنزانى نموذج مصري لتحويل العلاقات الأفريقية إلى مشروعات على الأرض
على مدار السنوات الأخيرة، اتخذت مصر من تعزيز العلاقات مع القارة الأفريقية أحد المحاور الرئيسية لتحركها الخارجي، فلم تعد الشراكة مع الدول الأفريقية تقتصر على اللقاءات السياسية والزيارات الرسمية، وإنما امتدت إلى تنفيذ مشروعات تنموية كبرى، ونقل الخبرات المصرية، وتدريب الكوادر، ودعم قطاعات الطاقة والمياه والزراعة والصحة والبنية الأساسية.
ويأتي مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا، الذي شاركت في تنفيذه شركتا «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك»، كأحد أبرز النماذج التي تعكس هذا التوجه، حيث تحول التعاون المصري التنزاني إلى مشروع استراتيجي على الأرض، يستهدف دعم قدرات تنزانيا في إنتاج الكهرباء والاستفادة من مواردها المائية، إلى جانب إتاحة خبرات هندسية وتنفيذية مصرية في واحدة من أكبر مشروعات البنية الأساسية في البلاد.
من تنزانيا إلى القارة.. رؤية مصرية للتنمية
يمثل «جوليوس نيريري» جزءًا من رؤية أوسع انتهجتها مصر منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية عام 2014، تقوم على تعزيز الحضور المصري في أفريقيا من خلال التنمية والشراكات الاقتصادية والتعاون الفني.
وفي يوليو 2014، أعلنت مصر إنشاء الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، لتكون إحدى الأدوات الرئيسية في دعم التعاون مع الدول الأفريقية، من خلال التدريب وبناء القدرات وإيفاد الخبراء وتقديم المساعدات الإنسانية والمساهمة في المشروعات التنموية، وتعكس فكرة الوكالة تحولًا مهمًا في مفهوم التعاون، إذ تقوم على نقل الخبرات المصرية إلى الدول الشريكة، والاستفادة من الإمكانات الموجودة لدى المؤسسات المصرية في مجالات متعددة، من بينها الزراعة والري وإدارة المياه والطاقة والصحة والنقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
ولم تركز جهود مصر في أفريقيا على الإنشاءات والمشروعات فقط، وإنما امتدت إلى الاستثمار في العنصر البشري، من خلال الدورات التدريبية والمنح وإيفاد الخبراء المصريين إلى الدول الأفريقية.
وتستهدف هذه البرامج مساعدة الدول الشريكة على بناء كوادرها الوطنية القادرة على إدارة مشروعاتها ومؤسساتها، وهو ما يجعل التعاون أكثر استدامة، لأن الخبرة التي يحصل عليها المتدرب يمكن أن تتحول إلى معرفة مستمرة داخل المؤسسات المحلية، وتشمل مجالات التعاون التي تقدمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية قطاعات متعددة، من بينها الدبلوماسية والنقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والرعاية الصحية والزراعة والري وإدارة المياه والكهرباء والطاقة، إضافة إلى مجالات أخرى مرتبطة ببناء القدرات.
ويحظى ملف المياه بمكانة خاصة في التعاون المصري الأفريقي، خاصة مع وجود مصر في منطقة حوض النيل وارتباط أمنها المائي بالتطورات التنموية في دول الحوض، وفي هذا الإطار، نفذت مصر مشروعات في مجال المياه بعدد من الدول الأفريقية، ومن بينها مشروع حفر 75 بئرًا للمياه الجوفية في أوغندا، بهدف توفير مياه الشرب للمناطق التي تعاني نقصًا في الموارد المائية، ويقدم هذا النموذج صورة مختلفة للتعاون، حيث تستفيد المجتمعات المحلية بصورة مباشرة من المشروع.
كما يمثل التعاون في مجال الزراعة أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد فيها الدول الأفريقية من الخبرات المصرية، خاصة في إدارة الموارد المائية المحدودة، وتطوير نظم الري، وتحسين الإنتاجية الزراعية، وإقامة المزارع النموذجية.
وتكتسب هذه الخبرات أهمية متزايدة في ظل التحديات التي تواجه القارة، وعلى رأسها التغيرات المناخية، وزيادة الطلب على الغذاء، والحاجة إلى تحقيق الأمن الغذائي، وهو ما يجعل التعاون الزراعي والمائي جزءًا من معادلة التنمية وليس مجرد تعاون فني محدود.
وامتد الدور التنموي المصري أيضًا إلى القطاع الصحي، من خلال التدريب ونقل الخبرات والمشاركة في دعم القدرات الصحية بالدول الأفريقية، وتعد الرعاية الصحية من المجالات التي تتمتع فيها مصر بخبرات واسعة، سواء من خلال الجامعات والمستشفيات والمراكز الطبية أو الكوادر البشرية المتخصصة، وهو ما يتيح فرصًا لتقديم برامج تدريبية ودعم فني للأشقاء الأفارقة.
وخلال عام 2025 وحده، أعلنت الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية تنفيذ قوافل طبية ومساعدات صحية في عدد من الدول الأفريقية، شملت تخصصات دقيقة مثل جراحات القلب والمخ والأعصاب والعمود الفقري، إلى جانب تدريب الكوادر الطبية المحلية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية أكبر في الدول التي تواجه نقصًا في الكوادر المتخصصة أو تحتاج إلى تطوير قدرات العاملين في قطاعات طبية محددة، بما يجعل نقل المعرفة أحد أكثر أشكال التعاون استدامة.
ويمثل دخول الشركات المصرية إلى الأسواق الأفريقية أحد أهم التحولات خلال السنوات الأخيرة، خاصة في قطاعات المقاولات والطاقة والبنية الأساسية، فنجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروعات كبرى مثل «جوليوس نيريري» يمنحها خبرة إضافية في العمل داخل الأسواق الخارجية، ويعزز قدرتها على المنافسة في مشروعات جديدة، كما يفتح الباب أمام تصدير الخدمات الهندسية المصرية إلى دول القارة.
وتحتاج أفريقيا إلى مشروعات ضخمة في الطرق والكهرباء والمياه والموانئ والإسكان والطاقة، وبالتالي فإن امتلاك الشركات المصرية للخبرة والعمالة والقدرات التنفيذية يمنحها فرصة للمساهمة في سد جزء من هذه الفجوة، وفي الوقت نفسه، فإن توسع الشركات المصرية في أفريقيا لا يمثل فقط نشاطًا اقتصاديًا، وإنما يخلق أيضًا قنوات جديدة للتواصل بين الشعوب، ويعزز حركة الخبراء والمهندسين والفنيين ورجال الأعمال بين مصر والدول الأفريقية.
ومن المشروعات التي طرحتها مصر محور القاهرة–كيب تاون، الذي يمتد لنحو 9700 كيلومتر، ويهدف إلى تعزيز حركة التجارة والنقل بين دول القارة، وربط شمال أفريقيا بجنوبها، كما نفذت مصر طريق توشكى–أرقين بطول نحو 110 كيلومترات، إلى جانب تطوير منفذ أرقين الحدودي، بما يستهدف دعم حركة التجارة والنقل بين مصر والسودان، وربط مصر بالممرات التجارية الأفريقية.