فلنحتفل بميلاده دائمًا وأبدًا
الأحد، 30 أغسطس 2026 09:00 ص
احتفل، الأسوياء، من المسلمين الأسبوع الماضي بذكرى ميلاد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، أما الذين يضيقون واسعًا ويحجرون على الأمة فقد تصدى لهم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، فقال لهم: "إن احتفالنا بمولد خاتم الأنبياء والمرسلين ليس احتفالًا بعظيم من العظماء، ممن يتوقف التاريخ عند أدوارهم قليلًا أو كثيرًا، ثم ما يلبث أن يروح ويتركهم، بل هو احتفال من نوع آخر مختلف، إنه احتفال بالنبوة والوحي الإلهي وسفارة السماء إلى الأرض، والكمال الإنساني في أرفع درجاته وأعلى منازله، والعظمة في أرقى مظاهرها وتجلياتها، احتفال بالتشبه بأخلاق الله تعالى قدر ما تطيقه الطبيعة البشرية، وقد تمثل كل ذلك في طبائع الأنبياء والمرسلين، الذين عصمهم الله من الانحراف، وحرس سلوكهم من ضلالات النفس وغوايات الشياطين، وفطر ظاهرهم وباطنهم على الحق والخير والرحمة".
وقديمًا تصدى لهم الصاحبي الجليل حسان بن ثابت شاعر الرسول فقال واصفًا سيد الخلق: "وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء
خُلقت مبرّأً من كل عيب
كأنك قد خُلقت كما تشاء".
ولأن أيام الأمة ثقال تسودها القسوة والغلظة فحري بنا أن نتأمل معًا بعض المواقف التي تجلت فيها رحمة الرسول التي لم يخص بها المؤمنين برسالته، بل جعلها عامة تشمل كل مخلوقات الله.
ولد صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة ولم يغادرها إلا وهو في الثالثة والخمسين، وعندما شرفه الله بالرسالة كان في الأربعين من عمره فناصبته مكة العداء لثلاث عشرة سنة كاملة، فهاجر إلى المدينة المنورة وواصلت مكة حربها الشرسة عليه وعلى دينه وقتلت من خيرة أصحابه مَنْ قتلت، وقتلت عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله، بل مثلت بجثمانه الطاهر، وعندما جاء فتح مكة في العام الثامن من الهجرة كان قد مضى على بدء العداء إحدى وعشرون سنة كاملة، فلو أنه صلى الله عليه وسلم اقتص منهم لكان عادلًا، بل لو أنه خرّب بيوتهم لكان عادلًا ولكنه بالرحمة التي جعلها الله في قلبه، غفر للجميع وسامح الجميع وعفا عن الجميع وقال قولته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ثم هناك قصته مع ثمامة بن أثال، لقد أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي فربطوه بسارية من سواري المسجد، ومكث على تلك الحال ثلاثة أيام، حتى دخل الإيمان قلبه، ثم أمر الرسول بإطلاقه، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي".
وبعدها أصبح ثمامة من قادة المسلمين!
ونرى الآن فلانًا الذين يقتل زوجته ومعها أسرتها، وننسى فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه أمهات المؤمنين ومع السيدة الزهراء كريمته.
كان الرسول يرحم أزواجه بل ويدللهن، فقد كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير، لاحظ أنه الرسول، ولاحظ أنه رئيس دولة الإسلام والقائد الأعلى لجيش المسلمين، ولكن هكذا كانت رحمته وهكذا كان تواضعه، ثم كان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه.
ونختم برحمته التي جعل للجماد منها نصيبًا، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فجاء رومي فقال: ألا نصنع لك شيئا تقعد عليه فكأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتين ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره حزنا على الني، فنزل الرسول من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه الرسول الله سكن، ثم قال: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة".
أيها المسلم السوي، كن مع أزهرك الشريف واحتفل بذكرى ميلاد سيد الخلق وتذكر دائمًا قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ".