«الطاعة أولاً».. كيف حوّل محمود حسين أفكار قطب إلى أدوات للسيطرة على جماعة الإخوان الإرهابية بالخارج؟

الأحد، 30 أغسطس 2026 07:50 م
«الطاعة أولاً».. كيف حوّل محمود حسين أفكار قطب إلى أدوات للسيطرة على جماعة الإخوان الإرهابية بالخارج؟
هانم التمساح

 
​لم يكن الانقسام العاصف الذي شهدته جماعة  الإخوان  الإرهابية  خلال السنوات الأخيرة مجرد صراع إداري على الموارد أو المناصب القيادية، بل كان انعكاساً أعمق لأزمة فكرية وتنظيمية تعود جذورها إلى الأدبيات الأولى للجماعة، وفي قلب هذا الصراع، برز اسم محمود حسين، الأمين العام السابق ورئيس ما يُعرف بـجبهة اسطنبول ، كأحد أكثر الشخصيات جسداً للنموذج التنظيمي الصلب المستمد من أدبيات سيد قطب.
 
​ولد محمود حسين أحمد حسن في محافظة أسيوط عام 1947، وتدرج في التعليم الأكاديمي حتى حصل على الدكتوراه ليعمل أستاذاً بكلية الهندسة جامعة أسيوط. إلا أن مساره الحقيقي تشكّل داخل أروقة التنظيم؛ حيث تدرج بخطى ثابتة في الهيكل الإخواني، وصولاً إلى عضويته في مكتب الإرشاد عام 2004، ثم صعوده إلى موقع  الأمين العام  عام 2010.
 
​وعقب  أحداث تورة 30 يونيو  التي شهدتها مصر عام 2013 وإزاحة الجماعة  من الحكم بعد لفظها من الشعب المصرى وانكشاف أمرها ، واستقرار حسين في تركيا، استطاع أن يمسك بزمام  الأمانة العامة بالخارج ، موجهاً أدوات الإدارة والتمويل نحو بناء تكتل تنظيمي حاسم عُرِف لاحقاً بـجبهة اسطنبول ، والذي دخل في مواجهة مباشرة لحسم الشرعية ضد  جبهة لندن.

​استدعاء  الفكر القطبي  في الإدارة اليومية
و​على الرغم من أن محمود حسين لا يُصنَّف كـمُنظّر إيديولوجي  للجماعة، إلا أن سلوكيات وطريقة إدارته  تكشف عن استبطان عميق للمفاهيم القطبية، وتطبيقها عملياً في إدارة أزمات التنظيم .ولعل من أبرز أفكار سيد قطب التى تأثر بها محمود حسين العزلة الشعورية و الهيكل المغلق وسياسة المفاصلة مع المعارضة الداخلية و تطبيق فكرة الطليعة المطيعة ومفهوم الحاكمية والفاصل الحاسم 
 
وطبق حسين مفهوم  "العزلة " عبر تشديد القواعد التنظيمية داخل قواعد الجماعة بالخارج، وإغلاق المنافذ أمام أي دعوات للمراجعة الفكرية أو النقد الذاتي، معتبراً أن الحفاظ على النواة الصلبة أولوية تسبق أي انفتاح سياسي، وانعكست مقولة سيد قطب عن  المفاصلة  في كيفية تعاطي جبهة اسطنبول مع خصومها داخل التنظيم نفسه؛ حيث تم إلغاء العضويات وتجميد القيادات المحسوبة على  جبهة لندن  أو التيار الشبابي المنادي بالتغيير، في منطق يرى الشرعية حكراً على الهيكل القديم.
 
وتعد فكرة تطبيق مفهوم ​تقديم "الطليعة المطيعة " على الكفاءة واضحة جدا فى ممارسات محمود حسين الادارية، حيث  اختزل حسين أسلوب البناء الداخلي في تقديم العناصر التي تظهر ولاءً مطلقاً للقيادة على حساب العقول النقدية، مما أدّى إلى حالة من التكلس الفكري داخل القواعد، وجعل الجماعة غير قادرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية.
 
و​تُظهر خطابات وتوجيهات محمود حسين تمسكاً بالرؤية الصفرية للصراع، وهي الرؤية التي تتلاقى مع مفهوم  "الحاكمية والفاصل الحاسم " لدى قطب. إذ غابت عن أدبيات جبهته أي أطروحات تسوية أو مراجعات سياسية واقعية، واستُبدِلت بحديث متكرر عن  "الابتلاء والصبر وانتظار التمكين "، وهو ما أدى إلى تعميق عزلة الجماعة سياسياً واجتماعياً.
 
ويمثل محمود حسين المحطة الأبرز لسيطرة  التيار القطبي التنفيذي  على مفاصل الجماعة، وهو التيار الذي رجّح كفة التمسك بالهيكل والشرعية الشكلية على حساب البقاء الحيوي والتجديد الإيديولوجي.
 
وتعتبر فكرة الاستعلاء التى يطبقها محمود حسين ليس فقط على التيارات المخالفة لجماعته او عموم المسلمين بشكل مطلق بل طبقها أيضا على المنشقين الذين وصفهم ب"المرجفين " وكذلك من اختلفو معه داخل صفوف الجماعة فى جبهة لندن رغم كونهم ما يزالو جزءا أصيلا فى التنظيم الدولى للجماعة  والذين يتبع معهم اسلوب قطب الاستعلائى .
 
ويقول سيد قطب فى كتابه"  معالم على الطريق " الذى يعتبر الأكثر تطرفا  في فكرة الاستعلاء الإيماني للمسلم :"إنه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء.إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء كل شيء، وكل وضع، وكل قيمة، وكل أحد، الاستعلاء بالإيمان وقيمه على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان.الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان. وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان.وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان.الاستعلاء. . مع ضعف القوة، وقلة العدد، وفقر المال، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء.الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية، ولا عرف اجتماعي ولا تشريع باطل، ولا وضع مقبول عند الناس ولا سند له من الإيمان"
 
وهنا يحرض قطب على الاستعلاء على القانون وقيم المجتمع الذى يعتبره جاهلى ويرى ان الاخوانى اكثر قيمة ومكانة وأعظم قدرا من باقي المسلمين وباقى البشر وهو ما طبقه محمود حسين حرفيا فى سجالاته ضد اخوان لندن وضد الشعب المصرى .
 
ومن أشهر التصريحات والمقولات المنسوبة لمحمود حسين  الأمين العام الأسبق لجماعة الإخوان  عقب ثورة 30 يونيو 2013، والتي اتسمت بنبرة استعلاء واستخدام لفظ "المرجفين" لوصف خصوم الجماعة أو المخالفين لها، ما جاء في رسائله وبياناته الإعلامية التي كان يوجهها لقواعد الجماعة والرأي العام:
​ "سيعلم المرجفون أن هذه الجماعة عصية على الانكسار، وأن ما يمر به الوطن ماهو إلا ابتلاء وممحاصة، وستنتصر إرادة الحق على باطل المرجفين والمشككين". 
 
​وفى تصريح آخر يقول : "إن الذين يراهنون على سقوط الجماعة هم المرجفون الذين لا يقرأون التاريخ ولا يفهمون سنة الله في التمكين، فلن تزيدنا هجمات الإرجاف إلا ثباتاً ويقيناً". 
 
​وتجلت في هذه الخطابات النبرة الاستعلائية من خلال القفز على الواقع السياسي والديموغرافي بعد 30 يونيو، واستخدام ألفاظ قرآنية/تراثية مثل "المرجفين"   لوصم المعارضين أو القوى الوطنية التي خرجت في 30 يونيو، وتصوير الخلاف السياسي على أنه صراع بين الحق والباطل، واعتبار الجماعة هي الممثل الوحيد للإسلام أو الحق الذي لا يمكن هزيمته.
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق