زيارة شى جين بينج تفتح آفاقا جديدة للتعاون السياحى بين مصر والصين

الإثنين، 31 أغسطس 2026 04:58 م
زيارة شى جين بينج تفتح آفاقا جديدة للتعاون السياحى بين مصر والصين

فى إطار الزيارة الرسمية المهمة التى يقوم بها الرئيس الصينى شى جين بينج إلى جمهورية مصر العربية خلال الفترة من 31 أغسطس وحتى 2 سبتمبر المقبل، والتى تعد الأولى من نوعها منذ زيارته السابقة فى يناير عام 2016، تبرز السياحة باعتبارها أحد أهم المجالات الحيوية التى تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، وتفتح آفاقًا واسعة لتعزيز التبادل الإنسانى والثقافى والاقتصادى.
 
70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين
وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، التي انطلقت في 30 مايو عام 1956، عندما كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية، الأمر الذي أرسى قاعدة تاريخية راسخة للتعاون في مختلف المجالات.
 
ومنذ ذلك التاريخ شهدت العلاقات تطورًا متواصلًا لاسيما بعد رفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، لتشمل الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والثقافة والسياحة، حيث يؤدي القطاع السياحي دورًا محوريًا في تعزيز التفاهم بين الشعبين وتبادل الخبرات الحضارية العريقة التي تجمع بين حضارتين من أقدم الحضارات الإنسانية.
 
وتكتسب السياحة المصرية الصينية خصوصية واضحة، وذلك في ظل الاهتمام المتنامي لدى السائح الصيني بالمواقع الأثرية والتاريخية والثقافية، إذ تمثل مصر بالنسبة إليه وجهة مثالية تجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، بداية من أهرامات الجيزة وأبو الهول والمتحف المصري الكبير الذي افتتح رسميًا وتحول إلى مقصد رئيسي يستقطب الزوار من أنحاء العالم، مرورًا بمعابد الأقصر والكرنك ووادي الملوك في صعيد مصر، وصولًا إلى شواطئ البحر الأحمر في شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم، والمناطق الطبيعية المميزة مثل: الصحراء البيضاء والسوداء ونهر النيل الخالد.
 
وتؤكد نتائج استطلاع رأي أجرته صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية خلال الفترة من 16 إلى 28 يوليو وشمل 1845 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عامًا في 31 منطقة على مستوى المقاطعات الصينية، أن الحضارة المصرية القديمة تمثل عنصراً رئيسياً في الصورة الذهنية التي يحملها الصينيون عن مصر؛ بما يعزز فرص توظيف هذا الرصيد الحضاري في الترويج للمقصد السياحي المصري.
 
وأظهر الاستطلاع أن أكثر من 70% من المشاركين الصينيين ينظرون إلى مصر باعتبارها "دولة صديقة" أو "شريكًا استراتيجيًا"، فيما أعرب نحو 70% عن تفاؤلهم بمستقبل العلاقات بين البلدين، بينما أكد 99% ضرورة تعميق التعاون بين الصين ومصر مستقبلًا.
 
وتشير هذه النتائج إلى بيئة شعبية مواتية يمكن أن تدعم زيادة حركة السياحة الصينية الوافدة إلى مصر، خاصة مع ارتباط صورة المقصد المصري لدى الجمهور الصيني بالحضارة والتاريخ والمعالم الأثرية.
 
 
 
الأهرامات والفراعنة أبرز رموز مصر لدى الصينيين
وقال 85% من المشاركين إن لديهم قدرًا من المعرفة بمصر، فيما أشار نحو 40% إلى أنهم على دراية جيدة أو تامة بها، وهو ما يعكس حضورًا لافتًا لمصر في الوعي العام الصيني.
 
وعند سؤال المشاركين عما يتبادر إلى أذهانهم عند ذكر مصر، جاءت الأهرامات والفراعنة والمومياوات وأبو الهول في مقدمة الإجابات، حيث ارتبطت هذه الرموز بالحضارة المصرية القديمة لدى 66% من المشاركين، بينما ربط 39% مصر بمكانتها باعتبارها واحدة من أقدم الحضارات في العالم.
 
ولم تقتصر الصورة الذهنية على العناصر الأثرية، إذ ذكر 30% نهر النيل، وأشار 20% إلى قناة السويس، بينما ذكر 8% البحر الأحمر أو البحر المتوسط، بما يعكس تنوع المقومات الطبيعية والسياحية التي يمكن أن تستند إليها مصر في مخاطبة السوق الصينية، سواء عبر السياحة الثقافية والتراثية أو الرحلات النيلية والشاطئية والطبيعية.
 
ويكتسب هذا الحضور في الوعي الصيني أهمية خاصة في ضوء ما يوفره السائح الصيني من إمكانات إنفاق مرتفعة نسبيًا، إذ يقدر الخبراء متوسط إنفاقه بين 1800 إلى 3500 دولار أمريكي للرحلة الواحدة، مع مدة إقامة تتراوح بين 8 إلى 12 يوما، ما يجعله سوقاً واعدة للغاية تسهم في رفع الإيرادات السياحية المصرية، التي سجلت مستويات قياسية بلغت نحو 16.7 مليار دولار خلال العام المالي 2024 و2025، بالتزامن مع وصول إجمالي أعداد السائحين إلى قرابة 19 مليون سائح في عام 2025.
 
ارتفاع أعداد السائحين الصينيين في مصر
وتكشف الإحصاءات الرسمية عن نمو واضح في أعداد السائحين الصينيين القادمين إلى مصر خلال السنوات الماضية، إذ ارتفع العدد من نحو 165 ألف سائح في عام 2023 إلى قرابة 300 ألف في عام 2024، بزيادة بلغت 65% قبل أن يواصل صعوده إلى 360 ألف سائح في عام 2025، بنمو سنوي يقترب من 20%.
 
وتستهدف مصر مضاعفة هذه الأرقام بصورة كبيرة، من خلال جذب مليون سائح صيني خلال أعوام قليلة؛ بما يعادل نحو ثلاثة أضعاف المستويات السابقة، مع طموح للوصول إلى 3 ملايين سائح سنويًا.
 
ويرتبط هذا النمو بجهود مكثفة تقودها وزارة السياحة والآثار المصرية وهيئة تنشيط السياحة بالتنسيق مع الجانب الصيني، شملت تنظيم قوافل ترويجية في مدن صينية رئيسية مثل بكين وشنجهاي وقوانجتشو، والمشاركة في المعارض السياحية الدولية، وتطوير منتجات سياحية مصممة لتناسب تفضيلات السائح الصيني، الذي يفضل الجمع بين السياحة الثقافية والشاطئية والصحراوية، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالرحلات النيلية والعروض الصوتية والضوئية والتجارب التفاعلية داخل المواقع الأثرية.
 
وتدعم نتائج استطلاع "جلوبال تايمز" هذا التوجه، إذ أظهر اهتماما واضحا لدى الرأي العام الصيني بتعزيز التبادلات الشعبية والسياحية مع مصر، حيث أعرب أكثر من 90% من المشاركين عن تطلعهم إلى تعزيز التعاون في مجال التبادلات الشعبية والاجتماعية بين البلدين خلال المستقبل.
 
وفي مؤشر مباشر على فرص زيادة الحركة السياحية الصينية إلى مصر، قال أكثر من 70% من المشاركين إن توفير خدمات ووسائل دفع باللغة الصينية بصورة أكثر سهولة للسائحين الصينيين من شأنه زيادة رغبتهم في السفر إلى مصر، كما رحب أكثر من 70% بقدوم مزيد من المصريين إلى الصين للسياحة أو الدراسة أو ممارسة الأعمال، بما يعكس رغبة متبادلة في زيادة حركة السفر والتواصل بين الشعبين.
 
وساهمت عوامل متعددة في دعم هذه الحركة السياحية، يأتي في مقدمتها اتساع شبكة الطيران المباشر بين البلدين، إذ ارتفع عدد الرحلات الأسبوعية بصورة ملحوظة ليصل إلى نحو 35 رحلة مباشرة تربط مدناً صينية رئيسية، من بينها بكين وشنجهاي وقوانجتشو وهانجتشو، بالقاهرة ومدن سياحية أخرى، وتديرها شركات طيران مصرية وصينية متعددة.
 
كما أسهمت التسهيلات المتعلقة بإجراءات الحصول على التأشيرة السياحية، ومن بينها إمكانية الحصول عليها عند الوصول في بعض الحالات، وتوفير خدمات باللغة الصينية في المطارات والفنادق والمواقع السياحية الرئيسية، إلى جانب قبول وسائل الدفع الإلكترونية المنتشرة في الصين، في جذب مزيد من الزوار.
 
من جانبها.. أشارت عضو المجلس العالمي لعلم الصينيات ميرا أحمد، وفقا لما نقلته "جلوبال تايمز"، إلى أن مصر اتخذت خلال السنوات الأخيرة عددا من الإجراءات لتسهيل زيارات السائحين الصينيين، من بينها تبسيط إجراءات التأشيرة، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتعزيز الترويج لمصر في السوق الصينية، والتعاون مع شركات السياحة الصينية، فضلا عن تحسين الخدمات والبنية التحتية السياحية بما يوفر بيئة أكثر راحة وأمانا للزوار.
 
وقالت "إن العلاقات المصرية الصينية لم تعد تقتصر على التعاون السياسي والاقتصادي، وإنما امتدت إلى الثقافة والتعليم والسياحة والتبادلات الشعبية، بما يعزز فرص زيادة حركة السياحة بين البلدين"، موضحة أن ارتفاع مستوى تقدير الجمهور الصيني للحضارة المصرية القديمة يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين، معتبرة أن الحضارات القديمة تمثل "لغة مشتركة" ونافذة مهمة يتعرف من خلالها الشعبان على تاريخ وثقافة كل منهما.
 
وفي السياق، توفر هذه المكانة التاريخية لمصر ميزة مهمة في السوق السياحية الصينية، خصوصًا مع ارتباط المقصد المصري لدى الجمهور الصيني بالأهرامات والمومياوات وأبو الهول، وهي عناصر تمثل قاعدة قوية للترويج للسياحة الثقافية والأثرية المصرية وتحويل الاهتمام المعرفي إلى زيارات فعلية.
 
وأشار الاستطلاع إلى نشاط التبادلات والتعاون الثقافي بين مصر والصين خلال السنوات الأخيرة، من خلال تنظيم أسابيع ثقافية ومهرجانات سينمائية ومعارض للآثار والصور، وهي فعاليات تسهم في تعزيز معرفة الجمهور الصيني بمصر وثقافتها ومقوماتها السياحية.
 
وأظهر أيضًا أن أكثر من 80% من المشاركين لديهم معرفة بدرجة ما بأوجه التعاون المصري الصيني، فيما يعرف أكثر من نصفهم بمشاركة مصر في مبادرة الحزام والطريق، بينما أشار بعض المشاركين إلى التعاون الثقافي، ومنه معاهد كونفوشيوس، ويعكس ذلك اتساع قاعدة المعرفة بالعلاقات الثنائية، بما يمكن أن يوفر أرضية شعبية أكثر قوة لتنمية السياحة والتبادل الثقافي.
 
ولا يقتصر التعاون السياحي بين البلدين على حركة السائحين، وإنما يمتد إلى مجالات أوسع تشمل حماية التراث الثقافي المشترك، وتبادل المعارض الأثرية، والتعاون في ترميم الآثار، والعمل على التسجيل المشترك في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومن بين ذلك الجهود المرتبطة بمقياس النيل في جزيرة الروضة ونقوش بايهيليانغ الصينية.
 
وشهدت السنوات الأخيرة كذلك توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين وزارتي السياحة والآثار في البلدين، إلى جانب التعاون مع شركات صينية في تطوير السياحة النيلية عبر بناء وتشغيل فنادق عائمة صديقة للبيئة، فضلاً عن تنظيم معارض كبرى للآثار المصرية في المتاحف الصينية، مثل معرض "مصر القديمة" في هونج كونج.
 
وتسهم هذه المبادرات والاتفاقيات في دعم الدبلوماسية الثقافية وتعزيز الصلات بين الحضارتين القديمتين، إذ يرى كثيرون أن هناك تقاربا حضاريا عميقا بين الحضارة المصرية القديمة والحضارة الصينية، والذي يظهر في تقدير التاريخ والابتكار والاستمرارية عبر آلاف السنين.
 
وعلى الصعيد الاقتصادي، تسهم السياحة الصينية في دعم الاقتصاد المصري من خلال توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والإرشاد السياحي والحرف اليدوية، خاصة مع وجود نحو ثلاثة آلاف شركة صينية تعمل في مصر باستثمارات تتجاوز عشرة مليارات دولار، يرتبط بعضها بقطاعات الخدمات السياحية واللوجستية.
 
ويتزامن نمو السياحة كذلك مع زيادة التبادل التجاري بين البلدين، الذي بلغ نحو 20.8 مليار دولار عام 2025، مع ارتفاع ملحوظ في الصادرات المصرية إلى الصين، ولا سيما المنتجات الزراعية والوقود.
 
وفي ضوء الزيارة الحالية، من المنتظر أن تشهد الاتفاقيات الجديدة دعما إضافيا للقطاع السياحي، ربما عبر إطلاق حملات ترويجية مشتركة، أو زيادة الاستثمارات في البنية التحتية السياحية، أو تطوير برامج تدريبية للكوادر العاملة في القطاع بما يلبي احتياجات السوق الصينية بصورة أكثر كفاءة.
 
وتتجه أنظار المسؤولين في البلدين إلى استثمار الفرص التي أتاحها افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي يستقبل آلاف الزوار يومياً ويضم مجموعة ضخمة من الآثار الفرعونية، ليصبح نقطة جذب رئيسية للسائح الصيني المهتم بالتاريخ والحضارة، كما يتركز الاهتمام على تنويع المنتج السياحي ليشمل السياحة العلاجية والبيئية وسياحة المغامرات والرياضات المائية والغولف، مع التركيز على مواسم الذروة، وفي مقدمتها عطلات رأس السنة الصينية والأعياد الوطنية والإجازات الصيفية.
 
كما تستمر الجهود الرامية إلى رفع مستويات السلامة والأمان وتحسين جودة الخدمات، حيث احتلت مصر مراتب متقدمة في مؤشرات الجاهزية لاستقبال السائحين الصينيين في أفريقيا.. فيما يأمل خبراء القطاع أن تمنح الزيارة الرئاسية دفعة قوية للتعاون، من خلال بحث المزيد من التسهيلات أمام حركة السفر، وتطوير الشراكات بين شركات السياحة في البلدين، وتعزيز الترويج لمصر عبر المنصات الرقمية الصينية واسعة الانتشار.
 
ولفتت نتائج استطلاع "جلوبال تايمز" في مجملها إلى أن السياحة يمكن أن تمثل إحدى أهم أدوات تعزيز العلاقات الشعبية بين مصر والصين، خاصة في ظل الصورة الإيجابية لمصر لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الصيني، وارتفاع مستوى المعرفة بالحضارة المصرية القديمة، والرغبة الكبيرة في تعميق التبادلات الشعبية، كما أن تأكيد 99% من المشاركين بضرورة تعميق التعاون بين البلدين مستقبلاً يضع السياحة والتبادلات الشعبية ضمن مجموعة من المجالات التي تحظى باهتمام الرأي العام الصيني، إلى جانب التنمية الخضراء والطاقة الجديدة والاقتصاد والتجارة والاستثمار.. ويمنح هذا التوجه مصر فرصة لتحويل الرصيد التاريخي والثقافي الإيجابي إلى حركة سياحية أكثر نشاطاً، من خلال تطوير المنتجات والخدمات بما يتوافق مع احتياجات السوق الصينية.
 
وفي الختام، تمثل السياحة المصرية الصينية جسرًا مهمًا لتعزيز الروابط الشعبية ودعم التنمية المستدامة، خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية والدولية الراهنة التي تجعل التعاون بين الدول النامية أكثر أهمية.
 
ومع استمرار الجهود المشتركة، من المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة طفرة ملموسة تجعل مصر واحدة من الوجهات الرئيسية للسائح الصيني، بما يحقق مكاسب اقتصادية وثقافية للجانبين، ويعمق أواصر الصداقة التاريخية بين الشعبين المصري والصيني، ليصبح القطاع السياحي شاهدًا حيًا على نجاح الشراكة الاستراتيجية وتحويلها إلى مكاسب ملموسة على أرض الواقع.
 
وتعد الزيارة الحالية للرئيس شي جين بينج فرصة مهمة لتقييم ما تحقق من إنجازات، ووضع خطط أكثر طموحًا للمستقبل، تضمن استدامة هذا النمو والاستفادة القصوى من الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها مصر كوجهة سياحية عالمية فريدة، والصين باعتبارها واحدة من أكبر الأسواق المصدرة للسائحين في العالم.
 
ومن خلال مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، وتأهيل الكوادر، وتطوير أدوات الترويج الذكي، والابتكار في تصميم المنتجات السياحية، تستطيع الدولتان رسم مستقبل أكثر ازدهارًا للتعاون السياحي، بما يعود بالنفع على الأجيال المقبلة، ويسهم في بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، وفق الرؤى الاستراتيجية التي تتبناها قيادتا البلدين.
 
 
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق