من القاهرة إلى قلب أفريقيا.. مصر بوابة الشراكة الصينية بالقارة و208 مليارات دولار تجارة في 6 أشهر

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 08:51 ص
من القاهرة إلى قلب أفريقيا.. مصر بوابة الشراكة الصينية بالقارة و208 مليارات دولار تجارة في 6 أشهر
طلال رسلان

 
لم تعد العلاقات الصينية الأفريقية مجرد تعاون اقتصادي يرتكز على تمويل مشروعات البنية التحتية أو تنفيذ الطرق والموانئ ومحطات الطاقة. فقد تطورت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة واسعة تشمل التجارة والاستثمار والتصنيع والطاقة والتكنولوجيا والاتصالات وسلاسل الإنتاج.
 
وتبرز مصر في قلب هذه الشراكة باعتبارها نقطة اتصال رئيسية بين الصين وأفريقيا. فموقعها عند ملتقى البحرين المتوسط والأحمر وامتلاكها قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى جانب عضويتها في التكتلات والاتفاقيات العربية والأفريقية يمنحها فرصة للتحول إلى منصة للشركات الصينية الراغبة في الوصول إلى أسواق القارة.
 
وتكشف بيانات رسمية عن وصول حجم التجارة بين الصين والدول الأفريقية إلى 295.6 مليار دولار خلال عام 2024 وهو مستوى قياسي جديد وفقا لبيانات الجمارك الصينية ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي. كما سجلت التجارة بين الجانبين نحو 72.6 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2025 بزيادة 2.7% على أساس سنوي.
 
وتواصلت الزيادة خلال عام 2026 حيث بلغ حجم التجارة بين الصين والدول الأفريقية نحو 1.41 تريليون يوان بما يعادل قرابة 208.36 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام وهو مستوى قياسي جديد.
 
وتعكس هذه الأرقام تنامي أهمية أفريقيا بالنسبة للصين باعتبارها سوقا واسعة للسلع والاستثمارات ومجالا لتوسيع سلاسل الإنتاج. وفي المقابل تنظر الدول الأفريقية إلى بكين باعتبارها شريكا مهما في تمويل وتنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والتصنيع.
 
وكانت مبادرة «الحزام والطريق» أو «طريق الحرير» محطة رئيسية في تطور العلاقات الصينية الأفريقية. ولم تعد المبادرة تقتصر على إنشاء الطرق والسكك الحديدية وإنما تحولت إلى إطار واسع للتعاون في النقل والطاقة والتجارة والصناعة والاتصالات.
 
وخلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي في بكين عام 2024 أعلنت الصين حزمة من الإجراءات لتعميق التعاون مع الدول الأفريقية تضمنت توسيع فرص دخول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية ودعم التصنيع وسلاسل الإنتاج وتعزيز التعاون الرقمي وتنفيذ 30 مشروعا للبنية التحتية والربط إلى جانب دعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
 
كما أصبحت الطاقة المتجددة أحد المجالات الجديدة في التعاون بين الجانبين. ووفقا لبيانات نقلتها وكالة أسوشيتد برس عن مركز ODI Global بلغت الاستثمارات الصينية والمشروعات المرتبطة بالطاقة المتجددة في أفريقيا نحو 66 مليار دولار خلال الفترة من 2010 إلى 2024 بما يعكس توسع الحضور الصيني في مجالات الطاقة الشمسية وغيرها.
 
وأشارت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» في تقريرها عن الاستثمار في أفريقيا إلى أن الاستثمارات الصينية في القارة بلغت قرابة 42 مليار دولار واتجهت إلى قطاعات جديدة مثل الصناعات الدوائية وتصنيع الأغذية. كما أصبح ثلث المشروعات المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق يتركز في البنية الاجتماعية والطاقة المتجددة.
 
وتستند جاذبية القارة الأفريقية بالنسبة للصين إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية أبرزها وجود أكثر من مليار نسمة واحتياجات ضخمة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتصنيع إلى جانب امتلاك القارة موارد طبيعية وأسواقا سريعة النمو.
 
لكن التعاون الصيني الأفريقي يتجه تدريجيا إلى تجاوز النموذج التقليدي القائم على استخراج الموارد الطبيعية مقابل تنفيذ مشروعات البنية الأساسية. وتسعى بكين إلى زيادة حضورها في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة مثل السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والاتصالات والتجارة الإلكترونية والتصنيع.
 
وفي المقابل تعمل الدول الأفريقية على الاستفادة من المنافسة الدولية على القارة للحصول على مزيد من الاستثمارات وفرص نقل التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة محليا بدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
 
وتعكس أجندة منتدى التعاون الصيني الأفريقي هذا التحول من خلال التركيز على التصنيع والتحديث الزراعي والتنمية الخضراء والاقتصاد الرقمي وهي مجالات تتجاوز النموذج التقليدي للعلاقات الاقتصادية بين الصين والدول النامية.
 
وفي هذه الخريطة تكتسب مصر أهمية خاصة بالنسبة إلى بكين. فإلى جانب السوق المصرية تمتلك القاهرة قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية في حركة التجارة العالمية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تجمع بين الموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية.
 
ولهذا فإن الحضور الصيني في مصر يرتبط بصورة مباشرة بالحسابات الصينية تجاه القارة الأفريقية. وأكدت بكين في مناسبات رسمية استعدادها للمشاركة في تطوير محور قناة السويس وتعزيز التعاون داخل المنطقة الاقتصادية والبنية التحتية إلى جانب بحث مجالات التعاون الثلاثي بين مصر والصين والدول الأفريقية.
 
وتنظر مصر إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى المحطات الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق ومركزا إقليميا محتملا لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الشرق الأوسط وأفريقيا.
 
وتكمن جاذبية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالنسبة للشركات الصينية في الجمع بين الموقع الجغرافي والموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية وإمكانية التصدير إلى أسواق متعددة.
 
وبالتالي فإن المصنع الصيني المقام داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لا يستهدف السوق المصرية فقط وإنما يمكن أن تتحول مصر من خلاله إلى قاعدة إنتاج وتصدير للأسواق الإقليمية والأفريقية.
 
وتقدم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجا عمليا لفكرة تحول مصر إلى نقطة اتصال بين الصين وأفريقيا. ففي نوفمبر 2025 أعلنت الهيئة الاقتصادية لقناة السويس نجاح المنطقة خلال ثلاثة أعوام ونصف في جذب استثمارات بلغت نحو 11.6 مليار دولار كان نحو 50% منها استثمارات صينية.
 
وفي أغسطس 2025 وقعت المنطقة الاقتصادية اتفاقا مع شركة صينية لإقامة مشروع للمنسوجات والملابس في منطقة القنطرة غرب باستثمارات تصل إلى 130 مليون دولار مع تخصيص كامل الإنتاج للتصدير وتوفير أكثر من 3200 فرصة عمل مباشرة وفقا للبيانات المصرية الرسمية.
 
وسبق ذلك الإعلان عن مشروع صيني آخر في قطاع المنسوجات باستثمارات بلغت 22.6 مليون دولار ويستهدف تصدير 90% من إنتاجه إلى الخارج.
 
وتكشف هذه المشروعات عن تحول مهم في طبيعة الحضور الصيني داخل مصر. فبكين لا تتعامل مع مصر كسوق استهلاكية فقط وإنما كقاعدة إنتاج وتصدير يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق المنطقة والقارة الأفريقية.
 
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. فمصر عضو في الاتحاد الأفريقي وتشارك في تجمعات اقتصادية إقليمية وتمتلك موقعا يربط شمال القارة بشرقها إلى جانب اتصالها بالبحر المتوسط والبحر الأحمر.
 
ومن ثم فإن إقامة قاعدة صناعية صينية في مصر يمكن أن تتيح للشركات الصينية خدمة أكثر من سوق في الوقت نفسه. ويتقاطع ذلك مع طموح القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.
 
وتدعم الصين هذا التوجه من خلال وثائق التعاون الصيني الأفريقي التي تؤكد أهمية تطوير شبكات الربط الأفريقية التي تجمع بين الطرق البرية والبحرية وتعزيز التعاون اللوجستي والمالي ودعم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
 
وتتجاوز العلاقات المصرية الصينية في الوقت نفسه إطار التجارة والاستثمار. فقد ارتقت العلاقات بين البلدين في عام 2014 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بعد عقود من العلاقات الدبلوماسية التي جعلت مصر من أوائل الدول العربية والأفريقية التي أقامت علاقات مع الصين الشعبية.
 
وتوسعت الشراكة خلال السنوات التالية لتشمل البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات والصناعة وغيرها من القطاعات.
 
وخلال زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الصين في مايو 2024 وقع البلدان خطة للتطوير المشترك لمبادرة الحزام والطريق إلى جانب اتفاقات في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والاتصالات وغيرها.
 
وتؤكد بكين بصورة متكررة أن مصر شريك طويل الأمد في تنفيذ مبادرة الحزام والطريق مع الربط بين المبادرة ورؤية مصر 2030 ومشروع تطوير محور قناة السويس.
 
وفي أحدث مؤشر على عمق العلاقات المصرية الصينية وصف الرئيس الصيني شي جين بينج في مقال نشرته وسائل الإعلام المصرية في 1 سبتمبر 2026 مصر بأنها شريك تجاري واستثماري رئيسي للصين في العالم العربي وأفريقيا. وأشار إلى أن مصر كانت من أوائل الدول المشاركة في تعاون الحزام والطريق وأن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجا للتعاون الصناعي بين البلدين.
 
وتؤكد الأرقام حجم التطور الذي شهدته العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين. فقد بلغ حجم التجارة بين مصر والصين 20.97 مليار دولار بنهاية عام 2025 مقابل نحو 17.37 مليار دولار في عام 2024.
 
كما تشير البيانات المصرية إلى وجود نحو 200 شركة صينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بينما بلغ حجم الاستثمارات الصينية في مصر خلال السنوات الأخيرة نحو 1.4 مليار دولار وفقا للأرقام الرسمية.
 
وتتنوع المشروعات الصينية الكبرى في مصر بين منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة ومشروعات النقل الكهربائي والمشروعات الصناعية واللوجستية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
 
وأصبحت هذه العلاقات نموذجا لما يمكن وصفه بالتعاون متعدد الطبقات الذي يجمع التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتصنيع والطاقة والنقل والتكنولوجيا في إطار شراكة واحدة.
 
وفي المقابل فإن قراءة الحضور الصيني في أفريقيا باعتباره مشروعا اقتصاديا فقط لا تعكس كامل أبعاد العلاقة. فبكين تتحرك عبر مستويات متوازية تشمل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتدريب والتكنولوجيا والتمويل والدبلوماسية متعددة الأطراف.
 
وخلال قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي عام 2024 شاركت الصين والدول الأفريقية في صياغة رؤية لبناء «مجتمع صيني أفريقي ذي مستقبل مشترك» مع التركيز على التحديث والتنمية والتعاون في قطاعات متعددة.
 
كما أعلنت بكين إجراءات لتوسيع دخول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية من بينها إعفاءات جمركية بنسبة 100% على بنود التعريفة الجمركية للدول الأفريقية الأقل نموا التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين. وتستهدف هذه الخطوة معالجة أحد التحديات الرئيسية في العلاقات التجارية والمتمثل في ضعف قدرة المنتجات الأفريقية على النفاذ إلى السوق الصينية.
 
وتتحرك الصين في أفريقيا وسط منافسة دولية متزايدة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا ودول الخليج وتركيا وغيرها من القوى التي تسعى إلى تعزيز حضورها في القارة.
 
لكن النموذج الصيني يتميز بقدرته على الجمع بين التمويل والتنفيذ والتجارة والتصنيع في حزمة واحدة. وفي الوقت نفسه تسعى دول أفريقية إلى الحصول على قيمة مضافة أكبر من علاقاتها مع الصين خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والتصنيع والتكنولوجيا.
 
وقد يؤدي هذا التحول خلال السنوات المقبلة إلى تغيير طبيعة الشراكة من نموذج يقوم على علاقة «ممول ومتلقي» إلى شراكات إنتاجية أكثر تكاملا.
 
وتدخل العلاقات الصينية الأفريقية بذلك مرحلة جديدة مع تسجيل التجارة مستويات قياسية والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة وزيادة الاستثمارات في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا وتطور أجندة منتدى التعاون الصيني الأفريقي.
 
وفي المقابل تبحث الدول الأفريقية عن شريك يساعدها في سد فجوات البنية التحتية والتصنيع والطاقة مع السعي للحصول على شروط أفضل لنقل التكنولوجيا وزيادة التصنيع المحلي.
 
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر بموقع مختلف بفضل امتلاكها قناة السويس والمنطقة الاقتصادية والسوق المحلية والامتدادين العربي والأفريقي إلى جانب العلاقات الاستراتيجية المتنامية مع الصين.
 
وهنا يتحول «الحزام والطريق» بالنسبة إلى مصر وأفريقيا من مجرد ممر لحركة السلع إلى شبكة اقتصادية متكاملة يمكن أن تسهم في إعادة تشكيل خريطة الصناعة والتجارة والنفوذ الاقتصادي في القارة خلال العقود المقبلة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة