من قناة السويس والسيارات الكهربائية إلى «صفر جمارك».. كيف تتحول الشراكة المصرية-الصينية من تجارة ضخمة إلى قاعدة صناعية للأسواق الإقليمية؟
الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 01:51 م
إيمان محجوب
مصر في الحسابات الصينية.. تجارة تتجاوز 20 مليار دولار واستثمارات تتجه نحو التصنيع والتصدير
تدخل العلاقات الاقتصادية المصرية-الصينية مرحلة جديدة تتجاوز النمو التقليدي في حجم التجارة والاستثمارات، لتتجه نحو تعميق التصنيع المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية.
ورغم أن حجم التجارة بين القاهرة وبكين يظل محدودًا عند مقارنته بالإجمالي الهائل للتجارة الخارجية الصينية مع دول العالم، فإن أهمية مصر بالنسبة للصين لا تقاس بالأرقام وحدها؛ فموقعها الجغرافي، وقناة السويس، والأسواق العربية والإفريقية التي ترتبط بها، تجعلها شريكًا ذا قيمة استراتيجية تتجاوز حجم التبادل التجاري المباشر.
وفي المقابل، تنظر القاهرة إلى الصين باعتبارها أحد أهم مصادر الاستثمار والتكنولوجيا والسلع، فضلًا عن كونها شريكًا يمكن أن يساعد في بناء قاعدة إنتاجية تستهدف السوق المحلية والتصدير في آن واحد.
أكثر من 5.9 تريليون دولار.. الصين تتاجر مع العالم
تكشف المقارنة بين حجم التجارة الصينية مع العالم وحجم تجارتها مع مصر عن فارق هائل، ففي عام 2025، تجاوز إجمالي التجارة الخارجية للصين مع دول العالم 5.9 تريليون دولار، بينما بلغ حجم التبادل التجاري المصري-الصيني نحو 20.78 مليار دولار.
وبذلك تمثل التجارة مع مصر نسبة صغيرة جدًا من إجمالي التجارة الصينية العالمية، رغم أن الصين تعد أحد أكبر وأهم الشركاء التجاريين لمصر، خصوصًا في تجارة السلع غير البترولية.
وتوضح هذه المفارقة أن أهمية العلاقة بالنسبة لبكين لا ترتبط فقط بحجم السوق المصرية، وإنما بما توفره مصر من موقع استراتيجي وبنية لوجستية وفرص للوصول إلى أسواق أخرى.
التجارة المصرية-الصينية.. من 17.3 إلى 20.7 مليار دولار
شهد التبادل التجاري بين البلدين نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن سجل نحو 17.37 مليار دولار عام 2024، ارتفع إلى نحو 20.78 مليار دولار في 2025، بنمو يقارب 19.6%، وخلال النصف الأول من 2026، بلغ حجم التبادل التجاري نحو 11.3 مليار دولار، وسط توقعات بارتفاع إجمالي التجارة إلى نحو 24 مليار دولار بنهاية العام إذا استمر الأداء بالمعدلات الحالية.
وتكشف هذه الأرقام عن مسار تصاعدي واضح، إلا أن التحدي الأكبر بالنسبة لمصر لا يزال يتمثل في تقليص الفجوة بين الصادرات والواردات، وتحويل العلاقة التجارية من سوق تستورد منها مصر بكثافة إلى شراكة أكثر توازنًا.
ماذا تستورد مصر من الصين؟
تحتل الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والآلية صدارة الواردات المصرية من الصين، وخلال النصف الأول من 2026، بلغت قيمة واردات هذه المجموعة نحو 4.1 مليار دولار، وفق البيانات المشار إليها في المادة، وتأتي وسائل النقل ضمن أبرز الواردات، بقيمة تقارب 1.2 مليار دولار، وتشمل السيارات والجرارات والدراجات وأجزاءها.
كما سجلت واردات الحديد والصلب ومصنوعاته نحو 930.7 مليون دولار، فيما بلغت واردات البلاستيك ومصنوعاته نحو 524 مليون دولار.
أما المنتجات الكيماوية العضوية وغير العضوية، فسجلت نحو 423.7 مليون دولار.
وتعكس هذه القائمة طبيعة الدور الصيني في السوق المصرية؛ فالصين لا تصدر إلى مصر المنتجات الاستهلاكية فقط، وإنما تمد قطاعات الصناعة والبنية التحتية والنقل والطاقة بكمية كبيرة من المعدات والمدخلات الصناعية.
وماذا تبيع مصر للصين؟
في الاتجاه المقابل، بدأت الصادرات المصرية إلى الصين تسجل نموًا لافتًا، فخلال النصف الأول من 2026، ارتفعت قيمة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية إلى نحو 840.8 مليون دولار، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتصدر الوقود والزيوت المعدنية قائمة الصادرات بقيمة بلغت نحو 494 مليون دولار، وجاءت الخضروات والفواكه في المركز الثاني بنحو 150.6 مليون دولار، بينما بلغت صادرات القطن والألياف النسيجية النباتية نحو 76.4 مليون دولار.
كما بلغت صادرات فوسفات الكالسيوم الطبيعي نحو 31 مليون دولار، فيما سجلت المنتجات الكيماوية نحو 21 مليون دولار، وتكشف هذه الأرقام عن وجود فرصة كبيرة أمام المنتجات المصرية، خصوصًا الزراعية والغذائية، للاستفادة من الحجم الهائل للسوق الصينية.
«صفر جمارك».. دفعة جديدة للصادرات المصرية
أحد التطورات التي يمكن أن تمنح الصادرات المصرية دفعة إضافية هو قرار الصين توسيع نطاق الإعفاءات الجمركية لتشمل مصر وعددًا من الدول الإفريقية.
وبحسب المعلومات الواردة في المادة، دخلت سياسة الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية على عدد من الواردات المصرية حيز التنفيذ اعتبارًا من 1 مايو 2026، وتستمر حتى أبريل 2028.
ويمثل إلغاء الرسوم الجمركية عاملًا مهمًا في تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، إذ يخفض تكلفة دخولها إلى السوق الصينية مقارنة بمنتجات منافسة من دول لا تتمتع بالمعاملة نفسها.
ويبرز قطاع المنتجات الزراعية والغذائية باعتباره أحد أكبر المستفيدين المحتملين، خاصة مع ارتفاع الطلب الصيني على الفواكه والخضروات والمنتجات الغذائية.
كما يمكن أن تستفيد الشركات الصينية العاملة في مصر من هذه التسهيلات، عبر زيادة الإنتاج المحلي وتوجيه جزء منه إلى السوق الصينية، بما يعزز نموذج «صنع في مصر للتصدير إلى الصين».
الفراولة والموالح.. الصادرات المصرية تبحث عن موطئ قدم في الصين
شهدت صادرات المنتجات الزراعية والغذائية اهتمامًا متزايدًا بالسوق الصينية، وتأتي الفراولة المجمدة والموالح والبرتقال ضمن المنتجات التي حققت نموًا لافتًا، مع استفادتها من انخفاض الحواجز الجمركية وتسهيل إجراءات النفاذ إلى السوق.
وتشير البيانات الواردة في المادة إلى تجاوز صادرات الفراولة المجمدة إلى الصين 139 مليون دولار خلال سبعة أشهر،وهذه الأرقام، إذا استمرت في النمو، قد تمثل بداية تحول مهم في هيكل الصادرات المصرية للصين، من الاعتماد على الوقود والمواد الخام إلى زيادة حصة المنتجات الزراعية والغذائية ذات القيمة المضافة.
الاستثمارات الصينية.. من المشروعات الكبرى إلى المصانع
فالاستثمارات الصينية في مصر تشهد توسعًا، مع تقديرات تشير إلى وصول الاستثمارات المباشرة والتراكمية إلى نطاق يتراوح بين 10 و12 مليار دولار، إلى جانب وجود آلاف الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية.
وتتصدر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس خريطة الاستثمارات الصينية، حيث أصبحت المنطقة الصناعية الصينية «تيدا» في العين السخنة أحد أبرز مراكز التصنيع الصيني في مصر.
وتجاوزت الاستثمارات الصينية في المنطقة حاجز 4 مليارات دولار وفق البيانات الواردة في المادة، بينما تضم المنطقة عشرات الشركات والمصانع العاملة في قطاعات صناعية مختلفة.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية مضاعفة بسبب موقعها بجوار قناة السويس، بما يمنح المصانع الصينية فرصة الوصول إلى الأسواق المحلية والإفريقية والعربية والأسواق المرتبطة باتفاقيات التجارة الحرة المصرية.