دينا الحسيني تكتب: كلها تخاريف.. من شائعة تأجير قناة السويس لشركة إسرائيلية 99 عامًا إلى أوهام بيعها

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 11:26 م
دينا الحسيني تكتب: كلها تخاريف.. من شائعة تأجير قناة السويس لشركة إسرائيلية 99 عامًا إلى أوهام بيعها
قناة السويس- أرشيفية

هل تتذكرون تلك اللحظة العبثية التي خرجت علينا فيها "كتائب أهل الكذب" عام 2023 بوثائق مفبركة وأكاذيب سمجة تزعم تأجير قناة السويس المصرية لشركة إسرائيلية لمدة 99 عاماً؟ لقد كانت صدمة متعمدة للوعي الجمعي، محاولة خبيثة لدق إسفين بين المواطن ودولته، واللعب على الوتر الوطني المقدس "قناة السويس"، ورغم أن الدولة وقتها حسمت الجدل وفندت تلك الأكاذيب بالحجة والدليل، ورغم أن الزمن أثبت سذاجة تلك الروايات، إلا أن "أسطوانة المشروخين" أبداً لا تتوقف.

اليوم، ومع كل خطوة تنموية أو نقاش اقتصادي أو طرح استثماري، يعود نفس الطابور الخامس، ونفس الدوائر المغرضة، لترديد نفس النغمة القديمة في ثوب جديد، وكأنهم عاجزون حتى عن ابتكار كذبة جديدة! ينتقلون بسلاسة غريبة من "أوهام التأجير لإسرائيل" إلى "خرافات بيع مقدرات الوطن"، وكأن مصر بالنسبة لهم مجرد مادة للتخريب النفسي الممنهج.

لم تكن المرة الأولى التي تجد فيها قناة السويس نفسها في قلب شائعة كبرى، ولم يكن الجدل الذي أثاره مقترح نقل ملكية بعض أصول الدولة، ومن بينها القناة، إلى البنك المركزي المصري مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية، سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الروايات التي حاولت، كل بطريقتها، أن تجعل المصريين يتساءلون عن مصير واحد من أهم رموز السيادة الوطنية، فمنذ سنوات، وتحديدًا مع انتشار شائعة منح شركة إسرائيلية حق إدارة قناة السويس، وجد المصريون أنفسهم أمام «وثائق» مزعومة جرى تداولها على نطاق واسع، قبل أن يتبين زيفها وتنفيها هيئة قناة السويس بشكل قاطع.

وبين شائعة الأمس ومقترح اليوم، قد تختلف التفاصيل والعناوين، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن قناة السويس ليست مجرد أصل يمكن اختزاله في رقم أو تقييمه بمنطق البيع والشراء، إنها قصة حفرها المصريون في الأرض، ودفعوا ثمنها من جهدهم ودمائهم، وخاضت مصر من أجل استعادة سيادتها عليها واحدة من أهم معارك تاريخها الحديث.

ولهذا، ربما يكون الوصف الأقرب لكل ما يُثار حول تأجير القناة أو بيعها أو رهنها بعيدًا عن الحقيقة والوقائع هو: «كلها تخاريف»، ليس لأن النقاش الاقتصادي ممنوع، ولا لأن طرح الأفكار حول إدارة أصول الدولة يجب أن يتوقف، وإنما لأن هناك فارقًا كبيرًا بين مناقشة السياسات الاقتصادية، وبين التعامل مع مرفق استراتيجي وسيادي بحجم قناة السويس وكأنه مجرد شركة أو مبنى يمكن نقل ملكيته.

في السنوات الماضية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي رواية تزعم منح شركة إسرائيلية حق إدارة قناة السويس لمدة 99 عامًا، وجرى تداول ادعاءات حاولت تقديم الأمر باعتباره حقيقة، قبل أن يأتي النفي الرسمي ليضع حدًا لهذه الأكاذيب.

واللافت أن مروجي الشائعة اختاروا قناة السويس لأنها جزء من الذاكرة الوطنية والتاريخ الطويل من الصراع مع القوى الاستعمارية وبقرار التأميم، مما يجعل أي حديث عن تأجيرها يلامس منطقة شديدة الحساسية لدى الرأي العام، وسقطت شائعة الـ99 عامًا، كما سقطت قبلها وبعدها روايات أخرى، لكن «سفينة الشائعات» لم تتوقف.

مؤخراً، عاد اسم القناة إلى الواجهة بعد ما أثير بشأن فكرة نقل ملكية بعض الأصول إلى البنك المركزي مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية، وسرعان ما دفع مجلس الوزراء إلى إصدار بيان واضح وحاسم يؤكد أن ما تم تداوله يمثل رؤية شخصية لصاحبها ولا تتبناه الدولة المصرية، مشدداً على أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع ولا توجد أية توجهات لمقايضتها أو رهنها، وهنا يظهر الفارق الواضح بين رؤية اقتصادية شخصية وسياسة رسمية للدولة، وبين النقاش الموضوعي وحالة القلق المصطنعة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل جرى تداول تصريح قديم لرئيس الوزراء يعود إلى عام 2024 بشأن خسائر القناة نتيجة الاضطرابات الإقليمية، وتم ربطه زوراً بالجدل الحالي في تلاعب واضح بالسياق، وهي إحدى الطرق الأكثر انتشارًا في صناعة المعلومات المضللة عبر إعادة تدوير حقائق قديمة في أوقات غير مناسبة لخلق بلبلة.

الحقيقة أن ما يطرح اليوم من أحاديث وأطروحات اقتصادية حول تعظيم الاستفادة من الأصول يختلف كلياً وجزئياً عما تُروّجه ماكينات الشائعات التي تريد للوطن أن يبقى محلك سر، فالفرق شاسع بين إدارة رشيدة تستهدف التطوير وجذب الاستثمار، وبين عقول مريضة تعيش على فبركة "التفريط".

لقد أثبت المصريون عبر التاريخ أنهم درع وطنهم، وأن شائعات 2023 التي سقطت أمام وعي الشعب، لن تجد لها مكاناً اليوم، لا في عقل الشارع ولا في وجدانه، فليخترعوا من الأكاذيب ما شاءوا، وليكرروا أسطواناتهم المشروخة، والحقيقة الأبقى أن قناة السويس، وكل حبة رمل في هذا البلد، خط أحمر لا يُمَس، وما ترتزق به منصات التشكيك ما هو إلا "تخاريف" في عقول خاوية لا ترى للضوء مكاناً.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة