مصر والصين ترسمان ملامح جديدة للأمن الغذائي.. محاصيل مقاومة للجفاف وصوامع وتكنولوجيا زراعية حديثة

الخميس، 03 سبتمبر 2026 10:02 ص
مصر والصين ترسمان ملامح جديدة للأمن الغذائي.. محاصيل مقاومة للجفاف وصوامع وتكنولوجيا زراعية حديثة

 
تتجه الشراكة المصرية الصينية إلى توسيع نطاق التعاون الزراعي بما يتجاوز التبادل التجاري وتبادل الخبرات التقليدي ليشمل البحث العلمي والتكنولوجيا والاستثمار والتصنيع. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الزراعة تحديات متزايدة بسبب تغير المناخ وندرة المياه وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.
 
وتستند هذه الشراكة إلى توجه نحو تحويل التعاون الزراعي إلى مشروعات تطبيقية تستجيب لاحتياجات الأمن الغذائي في مصر وتفتح المجال أمام الاستفادة من التكنولوجيا الصينية في تطوير الإنتاج وإدارة الموارد الطبيعية.
 
وأوضح الدكتور مصطفى عطية المتحدث الرسمي باسم مركز البحوث الزراعية أن التعاون الزراعي بين مصر والصين يشهد طفرة استراتيجية كبيرة. ويستهدف دعم جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي المستدام من خلال توظيف التقنيات الذكية ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
 
وتتجه المرحلة المقبلة إلى توسيع التعاون من الزيارات وتبادل الخبرات إلى تنفيذ مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة في الزراعة الذكية والابتكار وسلامة الغذاء وتحليل الملوثات. كما يجري العمل على تجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي التي وقعت عام 2023 ورفعها إلى مستوى استراتيجي يخدم مصر والمنطقة العربية والقارة الإفريقية.
 
وشهد التعاون بين الجانبين توقيع نحو 4 مذكرات تفاهم علمية وبحثية تركز على تقنيات الزراعة الحديثة والأمن الغذائي وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
 
ويحتل تطوير التكنولوجيا الزراعية موقعا متقدما في أجندة التعاون المصري الصيني خاصة فيما يتعلق بمواجهة تحديات المياه والمناخ. ويعمل مركز البحوث الزراعية المصري مع عدد من المعاهد الصينية على تطوير أصناف استراتيجية تتحمل الجفاف والملوحة مثل الأرز الهجين وفول الصويا والذرة.
 
كما يشمل التعاون استخدام نظم المعلومات في إدارة الري الذكي وقياس الرطوبة والتعامل مع مشكلة ندرة المياه إلى جانب الاستفادة من التقنيات الحديثة في استصلاح الأراضي الصحراوية. وتمتد الخطط إلى تطوير نظم الري الحقلية لترشيد استهلاك المياه وبرامج التنبؤ الزراعي لمواجهة تغير المناخ والاستفادة من الاستشعار عن بعد وبحوث التربة والمياه.
 
ولا تقتصر الجهود على زيادة الإنتاج الزراعي وإنما تمتد إلى مختلف حلقات منظومة الأمن الغذائي بداية من تطوير الأصناف ومستلزمات الإنتاج وصولا إلى التخزين والتصنيع وسلاسل الإمداد والتصدير. وفي هذا الإطار نفذت شركات صينية مشروعا لصوامع تخزين الحبوب باستخدام تكنولوجيا متطورة بهدف تقليل الفاقد وتأمين الاحتياطي الاستراتيجي.
 
وتعمل وزارة الزراعة كذلك على توطين صناعة آلات الزراعة المتطورة والمبيدات عالية الجودة بالتعاون مع هيئة «إيكاما» الصينية بما يسهم في خفض فاتورة الاستيراد. كما يمتد التعاون إلى مشروعات الثروة الحيوانية والداجنة وإنتاج الأعلاف وبرامج تدريبية تستهدف تمكين المرأة الريفية اقتصاديا من خلال تطوير مهاراتها في الرعاية والإنتاج الداجني المستدام.
 
وتعد سلامة الغذاء وتحليل الملوثات من الملفات الرئيسية في التعاون البحثي بين البلدين مع توسع حركة التجارة الزراعية. ويستقبل المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية وفودا صينية بصورة منتظمة لتطوير تقنيات الكشف عن الملوثات وتبادل الخبرات في معايير السلامة الحيوية.
 
كما تتضمن مذكرات التعاون تبادل التكنولوجيا وطرق الفحص الحديثة لضمان سلامة المنتجات المتداولة بين البلدين والموجهة إلى التصدير. وفي هذا السياق جرى توقيع مذكرة تفاهم بين المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية «QCAP» وأكاديمية هوبي للعلوم الزراعية الصينية لتبادل الخبرات والتقنيات الحديثة في الفحص والتحليل.
 
ويمثل توسيع نفاذ المنتجات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية أحد أهم مسارات التعاون. ونجحت مصر في تصدير عدد من المنتجات إلى الصين من بينها الرمان والبلح والفراولة المجمدة مع استمرار العمل على فتح السوق أمام منتجات جديدة وفي مقدمتها المانجو.
 
كما جرى توقيع مذكرات تفاهم وبروتوكولات تتعلق بالنفاذ إلى الأسواق والإجراءات الحجرية والفنية لدعم صادرات الحاصلات الزراعية المصرية. وتشمل هذه الجهود مذكرة لتيسير إجراءات تصدير التمور المصرية النصف جافة في ظل تنامي الطلب عليها في السوق الآسيوي.
 
وفي أغسطس 2026 وقعت شركات مصرية عقودا تصديرية مع مشترين صينيين بقيمة تقارب 168 مليون دولار وشملت منتجات زراعية وغذائية. كما استفادت مصر من مبادرة الصين الخاصة بمنح إعفاءات جمركية كاملة لـ53 دولة إفريقية والتي بدأت في مايو 2026 بما يدعم حركة المنتجات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية.
 
ولا تتوقف أهمية التعاون عند التجارة بين القاهرة وبكين. فموقع مصر وعلاقاتها مع الدول العربية والإفريقية يمنحانها فرصة لتكون منصة لنقل التكنولوجيا والخبرات الزراعية الحديثة إلى المنطقة. وفي هذا الإطار وقع مركز بحوث الصحراء المصري بروتوكولا مع الأكاديمية الصينية للعلوم لإطلاق مكتب إقليمي للمركز الصيني الإفريقي المشترك للأبحاث «SAJOREC» في القاهرة.
 
ويستهدف المكتب دعم نقل تكنولوجيا الاستدامة إلى إفريقيا وتوسيع التعاون في الزراعة المستدامة ومكافحة التصحر وإدارة الموارد الطبيعية. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة للدول التي تواجه تحديات مماثلة تتعلق بالجفاف وندرة المياه وتدهور الأراضي.
 
وتولي الشراكة اهتماما كذلك بتوطين التكنولوجيا ومستلزمات الإنتاج الزراعي. وتشمل المقترحات إقامة شراكات لإنتاج وتطوير أصناف استراتيجية عالية الإنتاجية وقادرة على تحمل الإجهادات البيئية إلى جانب تطوير نظم إدارة وتسجيل ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية.
 
كما يستهدف التعاون إنشاء قاعدة صناعية وطنية لإنتاج مبيدات عالية الجودة وفقا للمعايير الدولية وتوطين صناعة مستلزمات الإنتاج والآلات الزراعية المتطورة. وجرى توقيع اتفاقية تعاون مع معهد «إيكاما» لتبادل الخبرات والتشريعات الخاصة بإدارة ومراقبة مبيدات الآفات والتمهيد لشراكات استثمارية صناعية في إنتاج المبيدات والأسمدة الحيوية الصديقة للبيئة في مصر.
 
وتشارك عدة مؤسسات صينية في منظومة التعاون الزراعي والبحثي مع مصر. ومن بينها هيئة «إيكاما» ووزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية والأكاديمية الصينية للعلوم «CAS» والأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية «CAAS» إلى جانب عدد من الأكاديميات والجامعات والمراكز البحثية المتخصصة.
 
وتتعاون الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية مع الهيئة القومية للاستشعار من بعد وعلوم الفضاء في مصر لتأسيس مختبر مشترك للزراعة الذكية. ويركز المختبر على تطبيقات الفضاء في مواجهة تغير المناخ وإدارة الموارد المائية وزراعة المحاصيل التي تتحمل الملوحة.
 
ويمتد التعاون إلى الشركات الصينية العاملة في الهندسة الزراعية والتخزين واللوجستيات. وتبرز شركة «فامسون» التي استثمرت 100 مليون دولار لإنشاء مصنع للمعدات والآلات الزراعية وصوامع الأعلاف إلى جانب شراكتها مع جهاز «مستقبل مصر» لبناء مجمع صوامع لتخزين الحبوب بطاقة 500 ألف طن.
 
كما تؤدي شركة «تيدا» دورا صناعيا ولوجستيا عبر منطقتها الاقتصادية في قناة السويس التي تستقطب شركات صينية تعمل في التصنيع الغذائي وسلاسل التوريد الزراعية والتعبئة والتغليف. وتبحث شركة «تشاينا ريل واي» تنفيذ مشروعات استثمارية زراعية كبرى تشمل إنتاج تقاوي محاصيل استراتيجية مثل القمح والبطاطس وفول الصويا.
 
وتكشف مجالات التعاون الحالية عن توجه مصري صيني نحو شراكة أكثر تكاملا تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا والاستثمار والإنتاج والتصنيع والتصدير. وتشمل الخطط المستقبلية الزراعة الذكية واستخدام تقنيات المعلومات لإدارة الري والرطوبة ودرجات الحرارة وتطوير نظم الري وبرامج التنبؤ الزراعي لمواجهة تغير المناخ.
 
كما تشمل المرحلة المقبلة الابتكار وسلامة الغذاء وتحليل الملوثات والعلوم البيئية ومعالجة المياه وبحوث التربة والاستشعار عن بعد واستخدام التقنيات الذكية في استصلاح الأراضي. ويأتي تدريب الكوادر البشرية ونقل المعارف الحديثة ضمن المحاور الرئيسية إلى جانب التصنيع المرتبط بالقطاع الزراعي وسلاسل الإمداد والتصدير.
 
وتضع هذه الشراكة مصر أمام فرصة للاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الصينية مع توظيف الإمكانات المصرية وموقعها الإقليمي في بناء نموذج للتعاون الزراعي يمكن أن يمتد إلى المنطقة العربية والقارة الإفريقية.
 
فالأمن الغذائي لم يعد مرتبطا فقط بزيادة المساحات المزروعة أو حجم الإنتاج. وإنما أصبح منظومة متكاملة تبدأ من التقاوي والأبحاث وتمتد إلى إدارة المياه ومواجهة تغير المناخ والتخزين والتصنيع وسلاسل الإمداد والوصول إلى الأسواق الخارجية.
 
ويظل التحدي الأساسي هو تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وبرامج التعاون إلى مشروعات تطبيقية مستدامة تحقق قيمة مضافة حقيقية للقطاع الزراعي وتدعم قدرة مصر على تأمين احتياجاتها الغذائية وتعزيز حضورها كمركز إقليمي للتكنولوجيا والخبرات الزراعية.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة