إما الحكم أو حرق الوطن.. الإخوان الإرهابية تحارب من أجل التنظيم والمواطن يدفع ثمن الخراب
الخميس، 03 سبتمبر 2026 10:34 ص
طلال رسلان
دعونا نتوقف عن قراءة المشهد بلغة البيانات الرسمية، وننظر إلى الواقع كما عاشه الشارع المصري. الفكرة هنا بسيطة ولا تحتاج إلى تعقيد: عندما خرجت جماعة الإخوان من السلطة، لم تتعامل مع الأمر باعتباره خسارة لجولة سياسية يمكن تصحيحها بالعمل والتقييم، بل تصرفت بمنطق "إما أن نحكمكم أو نربك حياتكم". هنا تماماً ظهر الفارق الحقيقي بين من يرى مصر وطنا يحميه، وبين من يرى الدولة مجرد مكسب تنظيمي إن ذهب، فلا بأس أن يحترق كل شيء خلفه.
في الأدبيات الوطنية الكبرى، تتبدل الحكومات والوجوه، وتصعد أحزاب وتتردى أخرى، لكن المرافق العامة ومصالح الناس تبقى خطا أحمر لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. أما لدى الإخوان، فقد انقلبت المعايير؛ تحول القطار الذي يقل العمال إلى هدف، ومحطة الكهرباء التي تضيء بيوت الفقراء إلى صيد، والطريق الذي يسلكه الطالب إلى ساحة للتعطيل. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من كان يدفع ثمن هذا الخراب؟ هل كانت السلطة، أم المواطن البسيط الذي يحاول فقط أن يقطع يومه بسلام؟
إن الشعار الذي رفعه التنظيم طويلا عن الدفاع عن الشعب تساقط مع أول محول كهرباء أُحرق، وأول طريق أُغلق. فالنار لا تسأل من يمر في الشارع عن موقفه السياسي، والرصاصة العشوائية لا تختار مؤيدا دون معارض. عندما تستهدف مرفقاً يقدم الخدمة للملايين، فأنت لا تحارب خصما سياسيا، بل تحارب أما تنتظر دواء في مستشفى، وأبا يسعى على رزق أطفاله، وشابا يبحث عن مستقبله.
المرعب في هذا الفكر ليس فقط حجم الخسائر المادية، بل تلك السهولة في استباحة مقدرات الناس. استراتيجية "استنزاف الدولة" لم تكن مجرد رد فعل عشوائي، بل كانت خياراً واعياً يهدف إلى إيصال المواطن إلى حالة من الشلل واليأس، وكأن الرسالة الضمنية هي: "لن تنعموا بالاستقرار طالما لسنا في المشهد". هذا المنطق هو التعريف الحقيقي للأرض المحروقة، حيث يتحول تعب الناس ومعاناتهم اليومية إلى مجرد أوراق ضغط في لعبة نفوذ خسروها بإرادة شعبية.
وهنا تظهر الحقيقة الصلبة التي تغافلها التنظيم: المعارضة الشريفة تبني حوارها مع الشارع، ولا تدمر بيته لتجبره على الاستماع إليها. المنتمي الحقيقي للوطن قد يختلف مع الحكومة حتى أقصى مدى، لكنه يستحيل أن يقطع شرياناً يغذي ناسه وأهله. أما من يضع مصلحة جماعتيه فوق مصلحة الملايين، فإنه يعزل نفسه بنفسه، ويؤكد للجميع أن التنظيم لديه هو الأصل، وأن الوطن مجرد ساحة تجارب.
في النهاية، تكشف هذه التجربة القاسية أن الرهان على إنهاك الناس أو إرهابهم بالخراب هو رهان خاسر. فالدول لا تسقط لأن فصيلا خرج من الحكم، والمجتمعات لا تتنازل عن أمنها لمجرد أن طرفا قرر أن يغضب. رحلت تجربة الإخوان في السلطة، وبقيت مصر بمؤسساتها وشعبها، ليبقى الدرس الأهم حيا في ذاكرة المصريين: من يستسهل تخريب بيتك اليوم، لا يمكن أن يكون حريصا على حمايته غدا.