من باندونج إلى الحزام والطريق.. 70 عاما تصنع تحالفا استراتيجيا بين مصر والصين
الخميس، 03 سبتمبر 2026 11:00 ص
على مدار 70 عاما مرت العلاقات المصرية الصينية بمحطات تاريخية عديدة انتقلت خلالها من التضامن السياسي والدعم المتبادل بين دول الجنوب إلى شراكة استراتيجية شاملة تتسع مجالاتها يوما بعد آخر. وتتزامن هذه المسيرة مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر واحتفال البلدين بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
وترى صحيفة "جلوبال تايمز" أن زيارة شي جين بينج تمثل محطة جديدة على طريق تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين القاهرة وبكين. وأشارت إلى أن الحضارتين المصرية والصينية العريقتين تواصلان نقل إرث الصداقة والتعاون من جيل إلى آخر بالتزامن مع مراحل التحول والتنمية التي تمر بها الدولتان.
وتعود جذور التواصل بين الشعبين المصري والصيني إلى طريق الحرير القديم الذي شكل لقرون جسرا للتبادل التجاري والثقافي بين الحضارات. كما تشير الصحيفة إلى اكتشاف قطع أثرية صينية في الفسطاط بما يعكس امتداد العلاقات بين الجانبين إلى فترات تاريخية بعيدة.
ومع مرور الزمن تطورت أشكال التواصل بين البلدين من تجارة الحرير والخزف والتوابل والأواني الزجاجية إلى تعاون ثقافي واقتصادي واسع. وشملت مظاهر هذا التعاون إقامة معرض "حضارة مصر القديمة" في متحف شنجهاي وانتشار تعليم اللغة الصينية في أكثر من 40 مدرسة متوسطة مصرية إلى جانب تطور منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية في السويس التي تضم حاليا ما يقارب 200 شركة.
وشكل مؤتمر باندونج عام 1955 إحدى أبرز المحطات السياسية التي جمعت القاهرة وبكين في إطار التضامن بين دول آسيا وأفريقيا. وخلال السنوات التالية وقفت الدولتان إلى جانب بعضهما في قضايا السيادة والاستقلال. كما دعمت الصين مصر خلال نضالها لاستعادة سيادتها على قناة السويس بينما ساندت القاهرة جهود استعادة جمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة.
وبعد سبعة عقود من التعاون تطورت العلاقات المصرية الصينية إلى شراكة استراتيجية شاملة تغطي قطاعات متعددة. وأصبحت مصر من أوائل الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق وأول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
وامتدت الشراكة إلى مجالات اقتصادية ومالية جديدة. ففي عام 2023 أصبحت مصر أول دولة ذات سيادة في أفريقيا تصدر "سندات الباندا". وفي 2026 أصبح البرتقال المصري الطازج أول منتج أفريقي يستفيد من سياسة الصين الخاصة بإلغاء الرسوم الجمركية على الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية.
وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق التعاون بين البلدين وتحول العلاقات من مجرد تعاون سياسي إلى شراكة ذات مردود اقتصادي مباشر. كما شهدت السنوات الأخيرة توسعا في التعاون التجاري والاستثماري والصناعي والطاقة والبنية التحتية إلى جانب استمرار التنسيق السياسي بشأن الملفات الإقليمية والدولية.
وتكتسب الشراكة المصرية الصينية أهمية إضافية في ظل الموقع الاستراتيجي لمصر عند ملتقى قارتي أفريقيا وآسيا ودورها المؤثر في قضايا الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط. وفي المقابل تتمتع الصين بمكانة دولية مؤثرة باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي وثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ويعمل البلدان على تعزيز التنسيق داخل عدد من الأطر والمنظمات متعددة الأطراف بينها الأمم المتحدة وآلية تعاون بريكس ومنتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي. ويستهدف هذا التنسيق دعم المصالح المشتركة وتعزيز التعاون بين الصين والدول العربية والأفريقية والمساهمة في دفع النظام الدولي نحو قدر أكبر من العدالة والتوازن.
وفي الجانب الاقتصادي سجل التبادل التجاري بين مصر والصين 20.97 مليار دولار بنهاية عام 2025 مقابل 17.37 مليار دولار في 2024. كما بلغت الاستثمارات الصينية في مصر نحو 1.4 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة مع وجود نحو 200 شركة صينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وشهد التعاون بين القاهرة وبكين تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى في مصر بينها أبراج حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة وأبراج مدينة العلمين والقطار الكهربائي الخفيف ومشروعات في قطاع الطاقة المتجددة وغيرها. كما بلغ عدد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين نحو 242 اتفاقية حتى عام 2025.
وتتجاوز العلاقات حاليا الإطار الثنائي إلى تنسيق أوسع بشأن قضايا الجنوب العالمي. فمصر والصين تؤكدان أهمية حماية النظام الدولي القائم على التعددية والعدالة وتعزيز دور الدول النامية في صياغة مستقبل النظام الدولي والدفاع عن مصالحها.
وفي هذا السياق تأتي الزيارة الحالية للرئيس الصيني إلى القاهرة لتضيف محطة جديدة إلى مسيرة العلاقات الممتدة منذ 1956. وتحمل الزيارة دلالات تتجاوز الاحتفال بمرور 70 عاما على العلاقات الدبلوماسية لتؤكد انتقال الشراكة المصرية الصينية إلى مرحلة أكثر اتساعا تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي ورؤية مشتركة لمواجهة التحولات الدولية.
ومن طريق الحرير القديم إلى مبادرة الحزام والطريق والمشروعات الاقتصادية المشتركة تتواصل مسيرة العلاقات بين الحضارتين المصرية والصينية. ومع التوجيه السياسي من قيادتي البلدين تبدو القاهرة وبكين أمام مرحلة جديدة تستهدف البناء على إرث سبعة عقود وتحويله إلى شراكة أكثر عمقا واتساعا خلال السنوات المقبلة.