"حفنة التراب" وفكرة الجماعة.. حين يُصبح الوطن مجرد محطة في طريق التنظيم
الخميس، 03 سبتمبر 2026 11:42 ص
تأتي أزمة الفكر الإخواني مع مفهوم "الوطن" لتشكل إحدى أعقد المشكلات الوجودية التي واجهت الدولة الوطنية الحديثة في تاريخها المعاصر. فالأمر لا يتعلق مجرد خلاف سياسي عابر على الحقائب الوزارية أو طريقة إدارة الملفات الاقتصادية، بل يمتد ليمس جوهر الفلسفة التي يرى من خلالها التنظيم العالم، والمكانة التي يحتلها الوطن في سلم أولوياته. إن العبارة الشهيرة المنسوبة إلى سيد قطب والتي تختزل الوطن في "حفنة من التراب العفن" لم تكن مجرد شطحة لغوية أو نص حماسي أملته ظروف سياسية ضاغطة، بل كانت بمثابة الجذور الفكرية والتأسيس الهيكلي لنظرة سيكولوجية متكاملة تنظر إلى الأرض والحدود والهوية باعتبارها مفاهيم هامشية أو عوائق يجب تجاوزها لصالح "الأمة التنظيمية المتخيلة".
من هنا تتجلى الفجوة الهائلة بين العقلية الوطنية والعقلية التنظيمية المغلقة. فالوطن في وجدان المصري البسيط ليس خطوطاً مرسومة على خريطة أو مساحة جغرافية صامتة، بل هو الذاكرة الجمعية والتاريخ الممتد لآلاف السنين، هو التراب الذي اختلط بدماء الشهداء دفاعاً عن سيادته، وهو المؤسسات التي بُنيت بعرق الأجيال المتعاقبة، والبيوت التي تلم شمل الأسر ومقابر الأجداد التي تحفظ الهوية. هذا الرصيد الوجداني والمادي هو ما يجعل المواطن يرى في وطنه بيته الكبير الذي يذود عنه بغريزة بقاء فطريّة، بصرف النظر عن تقلبات السياسة أو طبيعة الحكومة القائمة.
أما في الأدبيات الفكرية للجماعة، فإن هذه المعاني الوجدانية تتراجع تماماً لتفسح المجال لمفهوم وظيفي نفعي للوطن. فالدولة الوطنية في نظر التنظيم العابر للحدود ليست غاية في حد ذاتها، ولا كياناً نهائياً يستوجب الولاء المطلق، بل هي مجرد "ساحة للتمكين" أو قاعدة انطلاق جغرافية تُسخّر خزانة مواردها ومؤسساتها لخدمة مشروع أوسع يتجاوز حدود الدولة الوطنية نفسها. وفي هذه المعادلة، يُصبح مفهوم الانتماء مشروطاً؛ فالوطن يكون عزيزاً ومقبولاً فقط إذا كان خاضعاً لسيطرة الجماعة وتوجيهها، أما إذا خرج عن هذه السيطرة أو رفض مشروعها، فإنه يتحول في أدبياتهم إلى مجرد أرض للمواجهة ومجتمع يجب إنهاكه وإعادة ترويضه.
وقد ظهر هذا التناقض الجوهري في أبشع صوره خلال الفترة التي تولت فيها الجماعة مقاليد الحكم، حيث وُضع مشروعهم في مواجهة مباشرة مع مفهوم "مواطنة الدولة". فبدلاً من الاستفادة من فرصة الوصول إلى السلطة لبناء توافق وطني جامع وترسيخ دولة المؤسسات، بدا واضحاً أن العقل القائد للتنظيم يتعامل مع الدولة باعتبارها "غنيمة" استحقاقية، وأن مؤسساتها السيادية والمرفقية يجب أن تُطوّع وتُخترق لصالح أبناء التنظيم وأيديولوجيته. كان الشعار الضمني المرفوع في تلك المرحلة هو أن الجماعة هي الأصل، وأن الدولة ومؤسساتها مجرد أفرع ملحقة بالهيكل التنظيمي، وهو ما أوجد حالة جارفة من القلق لدى الشارع المصري الذي شعر بأن هويته واستقلال دولته يواجهان تهديداً وجودياً غير مسبوق.
ولم تكن لحظة 30 يونيو وما تلاها سوى تجسيد عملي لرفض الشعب المصري لهذا المنطق العابر للوطنية. فعندما خرجت الملايين لتعلن رفضها لسلطة الجماعة وتطالب باستعادة الدولة الوطنية، لم يتقبل التنظيم هذه الإرادة الشعبية باعتبارها نتيجة طبيعية لإخفاقه السياسي أو دورة تحول سياسي شريفة، بل تعامل مع الأمر بذهنية "الاستحقاق المنهوب". وهنا بالذات انكسرت القشور البلاغية واختفت الشعارات الرنانة عن حب الشعب والخوف على المصالح العامة، لتظهر العقيدة الحقيقية التي تؤمن بأن أي مجتمع يرفض مشروع التنظيم هو مجتمع يستحق العقاب والتضييق.
إن الانتقال المباشر عقب فقدان السلطة إلى استراتيجية الصدام وتخريب المرافق الحيوية كان التطبيق الميداني الفعلي لمقولة "حفنة التراب". فالتنظيم الذي يرى في الوطن قيمة عليا ومقدسة يستحيل أن يستهدف محطات الكهرباء التي تخدم مستشفيات أهله، أو يحرق وسائل النقل التي تنقل عماله، أو يقطع الطرق التي تعتمد عليها معيشة الناس اليومية. لكن عندما يكون الوطن مجرد ورقة ضغط في لعبة نفوذ، فإن كل هذه المنشآت والمقدرات تتحول إلى أهداف مشروعة في معركة النكاية والاستنزاف. كان الهدف من التخريب هو إرسال رسالة يأس للمواطن مفادها أن استقرار حياتك اليومية وأمن أطفالك مرتبطان بقبولك بسلطة التنظيم، وإلا فالتراب والمباني والمقدرات لا قيمة لها ويمكن تحويلها إلى رماد.
تتجلى الخطورة الكبرى في هذا السلوك عندما نعلم أن النار والخراب لا يملكان القدرة على التمييز بين مواقف الناس السياسية. فالطريق المعطل يضر بالجميع، والكهرباء المنقطعة تؤذي الرضيع والمريض بغض النظر عن انتمائهما، والمنشأة المدمرة تُدفع قيمتها من أموال ضرائب المصريين جميعاً. إن تحويل مقدرات الوطن إلى كروت للمساومة السياسية يُسقط عن الجماعة أي دعوى أخلاقية أو دينية، ويُبرز بشكل قاطع أن المعركة لم تكن يوماً من أجل رفاهية الشعب المصري أو صيانة كرامته، بل كانت معركة شراسة من أجل بقاء التنظيم وهيمنته على الحسابات الوطنية.
كما أن القراءة العميقة لتكتيكات الجماعة تكشف عن حجم الاعتماد على إضعاف الروابط الوطنية لصالح الولاء التنظيمي المغلق. فالشاب الذي يتربى داخل أطر التنظيم يُغذى بفكرة أن أفراد الجماعة في أي بقعة من العالم هم أقرب إليه وأولى بولائه من ابن بلده الذي يختلف معه في الفكر أو الرؤية السياسية. هذا الشحن العقائدي هو ما يُلغي في ذهنه مفهوم "الشريك في الوطن"، ويجعل من السهل عليه رؤية مؤسسات بلده ومواطنيه كأعداء في معركة كسر إرادة، مما يفسر الجرأة غير المفهومة على استهداف الممتلكات العامة والخاصة وتدمير البنية التحتية بدم بارد ودون أي شعور بالذنب المليء بالمسؤولية الوطنية.
إن الفارق الأساسي والفاصل بين المعارضة السياسية الشريفة وبين السلوك التنظيمي المهدد للاستقرار يكمن في وجود "الخطوط الحمراء الوطنية". فالمعارض الوطني قد يختلف مع السلطة الحاكمة إلى أبعد مدى، وقد ينتقد السياسات الاقتصادية والاجتماعية بأقسى العبارات، بل وقد يسعى لإسقاط الحكومة عبر الأطر الدستورية والانتخابية، لكنه يضع أمن الدولة، وسالمة أراضيها، وحماية بنيتها التحتية، وحياة مواطنيها فوق كل اعتبار. المعارض الوطني يرى أن الحكومة تتغير لكن الدولة يجب أن تبقى صلبة، أما التنظيم فيرى أن سقوط موقعه في الحكم يبرر تسديد الفواتير من جدار الدولة الأساسي حتى لو انهار السقف على رؤوس الجميع.
لكن الرهان على إنهاك الدولة أو ابتزاز مجتمعها عبر استهداف المقدرات أثبت إفلاسه الكامل أمام صخرة الوعي الجمعي للمصريين. لقد أدرك الشعب المصري بفرسته التاريخية أن الاستجابة لابتزاز التخريب تعني ضياع الدولة الوطنية بشكل نهائي، وأن حماية المؤسسات والمرافق لم تعد دفاعاً عن نظام سياسي بعينه بقدر ما هي دفاع عن الحق في الحياة والاستقرار والبقاء. ولهذا السبب، فإن كل محاولة لتخريب مرفق أو تعطيل طريق كانت تُزيد من عزلة التنظيم وتعمق الفجوة بينه وبين المجتمع، وتؤكد يومياً للشارع صواب موقفه في انحيازه للدولة الوطنية ومؤسساتها.
تُثبت تجارب التاريخ الإنساني الحديث أن الجماعات التكتلية التي تقتطع جزءاً من ولائها لصالح مرجعيات عابرة للحدود أو أفكار ضيقة تعادي مفهوم الوطن الإقليمي، تنتهي دائماً إلى الهامش والاندحار. فالدولة الوطنية ليست كياناً طارئاً يمكن محوه بشعار، ولا هي مساحة جغرافية صامتة يمكن تشكيلها حسب أهواء الكيانات المغلقة. مصر بحدودها التاريخية وشعبها الموحد ومؤسساتها العريقة هي الحقيقة الثابتة والراسخة في هذه المنطقة من العالم، أما التنظيمات التي حاولت اختزال هذا الوطن العظيم في "حفنة تراب" لخدمة مشروعاتها الخاصة، فقد وجدت نفسها في النهاية خارج سياق التاريخ، بعد أن أثبت المصريون أن تراب هذا الوطن هو شرفهم وهويتهم ومستقبل أبنائهم الذي لا يخضع للمساومة أو البيع.